عالمي

وارن بافيت… أعظم مستثمر في التاريخ

“لا تستثمر في ما لا تفهمه” تلك النصيحة الذهبية كانت المادة الأولى في دستور أعظم مستثمر في التاريخ، وارن بافيت صاحب الـ94 ربيعاً الذي بدأ حياته العملية مبكراً، فقرر أن يقرأ في السابعة من عمره كتاباً عن المليونيرات وآخر عن الاستثمار، في محاولة ليكون بينهم، وبعد أربع سنوات اشترى أول سهم في حياته بسعر متواضع.

ولد بافيت عام 1930 في مدينة أوماها بولاية نبراسكا في الولايات المتحدة الأميركية، وعلى رغم أنه اشترى سهماً في البورصة الأميركية، فإن هدفه كان أكبر، وهو ما تطلب جهداً أكبر، إذ كان يبيع العلكة والمشروبات الغازية والمجلات في شوارع أوماها.

وبعد قراءته كتاب “المستثمر الذكي” أدرك بافيت أن استثماره الحقيقي يجب أن يبدأ من العلم والمعرفة، فالتحق بجامعة كولومبيا، قبل أن يحصل على درجة الماجستير في الاقتصاد، ليبدأ حياته العملية محللاً في سوق الأوراق المالية وسمسار في البورصة، ليؤسس في ما بعد أولى شركاته الاستثمارية “بافيت بارتنرشيب” (Buffett Partnership).

كيف بدأ بافيت؟

في عامه الـ32 بدأ بافيت شراء أسهم “بيركشاير هاثاواي“، ليتولى لاحقاً رئاستها ويحولها إلى شركة قابضة، لكن لم تكن البداية جيدة، إذ كانت “بيركشاير هاثاواي” عبارة عن مصنع نسيج متعثر، وعلى رغم ذلك عدها بافيت نقطة انطلاقه ليخرج من هذا المصنع المتعثر عشرات الشركات والاستثمارات التي غيرت مسار رأس المال الأميركي، فهذا المصنع المتعثر أصبح الآن كياناً استثمارياً ضخماً تتجاوز قيمته السوقية 700 مليار دولار.

أهم ما يميز بافيت كما قال هو بنفسه، أنه لم يضارب ولم يتداول على الأسهم بصورة لحظية بل كان مستثمراً يقدر القيمة الحقيقية للأعمال، معتمداً دستوره الخاص، إذ إنه تمسك بمبدأ “الاستثمار في الشركات الجيدة بالسعر المناسب، وتجنب الانجراف وراء ضوضاء الأسواق”.

ولذلك حقق العائد السنوي المركب لشركته أكثر من 20 في المئة منذ عام 1965 حتى 2024، وتلك عوائد ضخمة إذ ما قارناها بمكاسب مؤشر “أس أند بي 500” في “وول ستريت” في الفترة نفسها التي لم تزد على 10 في المئة وفق “بلومبيرغ”.

عند شرائه شركة السكك الحديد “BNSF” مقابل 26 مليار دولار، قال وارن بافيت إن “هذا رهان شامل على مستقبل الولايات المتحدة“، إذ كان يؤمن أن نجاحه لم يكن قائماً على الحظ، بل على حسابات منضبطة، وثقة كبيرة في قدرة الاقتصاد الأميركي على التعافي والنمو، على رغم الأزمات عبر التاريخ

إلى ذلك شكلت “بيركشاير هاثاواي” درة التاج في ثروة بافيت، فهي شركة استثمارية مدرجة تحقق عائداً سنوياً مركباً، فوفقاً لرسالته إلى المساهمين في 2023، أكد أنه يمتلك نحو 37.4 في المئة من أسهم الفئة “A” وأقل من 0.001 في المئة من أسهم الفئة “B”، وفقاً لإفصاحات نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، أيضاً يمتلك أقل من واحد في المئة من أسهم بنك “يو أس بانكورب”، وفقاً لوثيقة مؤرخة في نوفمبر 2022. وقال بافيت إن “بيركشاير” تمثل نحو 99.5 في المئة من صافي ثروته.

لماذا راهن علي “أبل”؟

ووفقاً للمؤشرات والأرقام فإن أكثر استثمارات أعظم مستثمر في التاريخ نجاحاً على الإطلاق كان رهانه على شركة “أبل“، التي بلغت قيمتها السوقية في نهاية 2020 نحو 120.4 مليار دولار، على رغم أن كلفة الاستثمار لم تتجاوز 31.1 مليار دولار، أما ثاني أكبر استثمار له فكان في “بنك أوف أميركا”، الذي ارتفعت قيمته إلى 31.3 مليار دولار، بكلفة 14.6 مليار دولار فحسب، قبل أن يشتري شركة “كوكاكولا” بكلفة استثمارية 1.3 مليار دولار فحسب، إلا أن المدهش أن قيمتها بلغت حالياً نحو 21.9 مليار دولار، وتشمل استثمارات بافيت الكبرى أيضاً، شركة “أميركان إكسبريس” بكلفة 1.3 مليار دولار وتصل قيمتها السوقية حالياً إلى 18.3 مليار، وشركتي و”فيرايزون”، و”موديز”، و”BYD” الصينية للسيارات الكهربائية، و”جنرال موتورز”.

هذا النجاح في كل مرة ليس من طريق الصدفة أو الحظ، إنما يعكس ذلك قدرة الرجل على اختيار التوقيت الصحيح عند الشراء، والاحتفاظ طويلاً بالأسهم الجيدة، وهي من أبرز خصائص أسلوبه الاستثماري، وأكبر دليل على ذلك أنه على رغم أن بافيت من بين كبار أغنياء رجال العالم الآن بثروة تقدر بـ100 مليار دولار، فإنه لا يزال يقيم في منزله الذي اشتراه عام 1958 مقابل 31.5 ألف دولار، كما ظل حتى نهاية مشواره يذهب يومياً إلى مكتبه المتواضع في أوماها، محاطاً بفريق لا يزيد على 30 موظفاً، ويقضي معظم يومه في القراءة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويعزز ذلك تلك النصائح الذهبية التي يعتمد عليها ويعدها بمثابة دستوره الخاص، ومنها “لا تستثمر فيما لا تفهمه” و”كن جشعاً عندما يخاف الآخرون”، أيضاً “تحل بالصبر.. النتائج تحتاج وقتاً”، كذلك “لا تتبع القطيع” وأخيراً “اجعل الاستثمار بسيطاً وهادئاً”.

الخبر الحزين في تاريخ أسطورة الاستثمار والنجاح وارن بافيت، هو ما أعلنه في مايو (أيار) 2025، بعدما عقد العزم على التنحي عن العمل في نهاية العام الحالي عن منصبه كرئيس لمجموعته “بيركشاير هاثاواي”، بعد أكثر من نصف قرن من الهيمنة على الشركة التي جمع من خلالها مليارات الدولارات.

وقال بافيت خلال الاجتماع العام لشركة “بيركشاير هاثاواي”، “لقد حان الوقت لكي يصبح غريغ أبيل، الخليفة المعين للملياردير الرئيس التنفيذي للشركة في نهاية العام”.

أسطورة لا تتكرر

ولم يكن تنحي بافيت، مجرد تقاعد لرجل أعمال، بل لحظة وداع لفصل كامل من تاريخ الاستثمار الحديث، فالرجل الذي جعل العالم يؤمن أن البساطة، والانضباط، والرؤية البعيدة هي مفاتيح النجاح، يغادر مقعد القيادة بهدوء، تاركاً خلفه نموذجاً قلما يتكرر، وأعلن بافيت أنه سيتبرع بأكثر من 99 في المئة من ثروته، مؤكداً أن المال ليس هدفاً بل وسيلة لتحسين حياة الآخرين، وأطلق مع مؤسس شركة “مايكروسوفت” بيل غيتس مبادرة تحمل اسم “تعهد العطاء” لتشجيع الأثرياء حول العالم على تخصيص جزء كبير من ثرواتهم للأعمال الخيرية.




Source link

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى