اقتصاد روسيا في زمن الحرب: مرونة تتآكل وتحذيرات من نهاية نموذج الصمود

على رغم العقوبات غير المسبوقة التي فرضت عليها، أظهر الاقتصاد الروسي مرونة لافتة مكنته من الحفاظ على معدلات نمو معقولة نسبياً، مستنداً إلى نموذج قائم على الإنفاق الحكومي المكثف وإعادة توجيه السياسة الخارجية، وهو النموذج الذي ساد خلال أعوام الحرب، إلا أن محللين وخبراء اقتصاديين يحذرون اليوم من أن هذا الزخم بدأ يفقد قوته، مما يطرح تساؤلات جدية حول مدى استدامة الاستراتيجية الاقتصادية الروسية خلال المرحلة المقبلة.
هذه القضايا كانت محور جلسة في المنتدى الاقتصادي العالمي”دافوس” بعنوان “هل تستطيع روسيا الحفاظ على اقتصادها في زمن الحرب؟”، والتي ناقشت الكيفية التي قد تؤثر بها القيود الاقتصادية المتزايدة في قدرة موسكو على إدارة الحرب داخل أوكرانيا، وعلى إعادة تقييم خياراتها في السياسة الخارجية، فضلاً عن انعكاس ذلك على أمن أوروبا ومرونتها الاقتصادية ونفوذها الجيوسياسي.
وشارك في الجلسة كل من رئيس وزراء مولدوفا ألكسندرو مونتيانو ووزيرة الخارجية الرومانية أوانا سيلفيا توي وزعيمة القوى الديمقراطية في بيلاروس سفياتلانا تسيخانوسكايا، فيما أدار الحوار مدير مركز “كارنيغي روسيا أوراسيا” ألكسندر غابويف.
وفي مستهل النقاش طرح غابويف سؤالاً محورياً على المشاركين، هل تستطيع روسيا الاستمرار في الحفاظ على اقتصاد حرب طويل الأمد؟ وما الخيارات والمآزق السياسية التي تواجهها أوروبا في تعاملها مع روسيا التي تدخل عامها الخامس في الحرب ضد أوكرانيا؟
وقال غابويف إنه مع دخول عام 2026 بدأت تظهر على الاقتصاد الروسي بوادر خطر واضحة، موضحاً أن التوقعات تشير إلى نمو الاقتصاد الروسي بنسبة تقارب واحداً في المئة، في حين ترجح تقديرات صندوق النقد الدولي نمواً بحدود 0.8 في المئة فحسب، وهو تراجع ملحوظ مقارنة بالأعوام السابقة.
وأضاف أن هذا التباطؤ لا يعني انهياراً وشيكاً لكنه مؤشر واضح على فقدان الاقتصاد زخمه، أما على صعيد التضخم فأشار إلى أن البنك المركزي الروسي كان يستهدف معدل تضخم يراوح ما بين أربعة وخمسة في المئة، إلا أن المعدل الرسمي انتهى عند نحو ستة في المئة، في حين تظهر المؤشرات البديلة أن التضخم الحقيقي أعلى من ذلك بكثير.
وهذا الواقع يفرض على البنك المركزي الإبقاء على كلف اقتراض مرتفعة للغاية مع معدلات فائدة عالية جداً، مما يزيد العبء على الشركات وعلى الحكومة الروسية على حد سواء، وبيَّن غابويف أن روسيا كانت قبل الحرب تنفق نحو 4.4 في المئة من موازنتها على خدمة الدين، في حين ارتفعت هذه النسبة هذا العام إلى نحو 8.8 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، أي ما يعادل ضعف ما كانت عليه سابقاً، وعلى رغم أن هذه النسبة لا تزال أقل من مثيلاتها في دول مثل بريطانيا والولايات المتحدة، فإن الزيادة بحد ذاتها تشكل عبئاً إضافياً.
وأضاف أن تراجع أسعار النفط والتقلبات في أسواق السلع سيؤديان على الأرجح إلى انخفاض العائدات مقارنة بالتوقعات السابقة، خلال وقت ترفع فيه الحكومة الروسية الضرائب بما في ذلك ضريبة القيمة المضافة، مما يسهم في زيادة الضغوط التضخمية، وطرح السؤال الأساس هل سيؤثر ذلك في قدرة الرئيس فلاديمير بوتين على مواصلة الحرب؟
وفي رأي غابويف أن الإجماع بين الاقتصاديين يشير إلى أن روسيا تمتلك الموارد الكافية للاستمرار في تمويل الحرب لمدة لا تقل عن 12 شهراً إضافياً. لكن عند بلوغ تلك المرحلة، لن يكون الخيار بين إيقاف الحرب أو مواصلتها، بل أن الخيار بين الاستمرار مع اتخاذ إجراءات مؤلمة تشمل تقليص الإنفاق على البنية التحتية والصحة وفرض مزيد من التقشف، وخلص إلى أن مرحلة الجمع بين الاستقرار الاقتصادي وتمويل حرب مكلفة للغاية انتهت، من دون أن يعني ذلك نفاد الأموال لدى النظام الروسي خلال المدى القريب.
“نموذج التوسع الروسي غير مستدام على المدى الطويل”
من جانبه، قال رئيس وزراء مولدوفا ألكسندرو مونتيانو إنه بعد مرور أربعة أعوام على اندلاع الحرب يمكن استخلاص دروس عدة، من بينها أن الاقتصاد الروسي يظهر بالفعل علامات تحذيرية واضحة.
وأكد وجود إجماع متزايد بين خبراء الاقتصاد الكلي على أن نموذج التوسع الذي تتبعه روسيا غير قابل للاستمرار على المدى الطويل.
وأشار مونتيانو إلى أن التاريخ يقدم أمثلة مشابهة، مستشهداً بنمو اقتصاد ألمانيا النازية لفترة محدودة قبل أن يصل إلى حدوده القصوى، مضيفاً أن هذا النوع من النماذج ليس معجزة اقتصادية بل له سقف طبيعي، إذ يؤدي مع الوقت إلى استنزاف القاعدة الاقتصادية.
وبرأيه، السؤال لم يعد ما إذا كان هذا النموذج سينهار بل متى سيحدث ذلك، معتبراً أن الأمر مسألة وقت، وتحدث مونتيانو عن الخصوصية الاجتماعية داخل روسيا، معتبراً أن بوتين يعتمد على مجتمع يتمتع بدرجة عالية من الخضوع والدعم في آنٍ، في ظل آلة دعائية قوية تجعل الحرب تحظى بتأييد شعبي واسع.
وأشار إلى أن تجربة مولدوفا التي كانت من أكثر الدول تضرراً بعد أوكرانيا، أظهرت أن روسيا لا تعتمد فحسب على القوة العسكرية بل أيضاً على أدوات هجينة، تشمل الدعاية والتدخل في العمليات الانتخابية.
ولفت إلى أن الاعتماد على الطاقة الروسية كان أحد أهم أدوات النفوذ، لكنه تراجع بصورة ملحوظة خلال الأعوام الخمسة الأخيرة بفضل الإجراءات التي اتخذتها دول المنطقة لتقليل هذا الاعتماد.
“أكثر من 20 حزمة عقوبات أوروبية”
وفي سؤال لوزيرة الخارجية الرومانية أوانا سيلفيا توي، استفسر غابويف عن كيفية تقييم “خطة النصر” الأوروبية في الحرب الاقتصادية ضد روسيا، والإطار الزمني لهذه الجهود.
وردت توي بأن التجربة أظهرت عدم واقعية التقديرات الزمنية، مذكرةً بتصريح الرئيس بوتين في بداية الحرب بأنها ستنتهي خلال ثلاثة أيام، بينما دخلت الحرب عامها الخامس.
وأكدت توي أن العودة إلى الوراء غير ممكنة، لكنها شددت على أهمية استخلاص الدروس من التاريخ، ولا سيما من مرحلة ضم روسيا لشبه جزيرة القرم عام 2014.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وعدت أن ضعف الرد الدولي آنذاك، سواء عبر العقوبات أو تقليص العلاقات التجارية وقطع واردات الطاقة الروسية، أسهم بصورة مباشرة في غياب الردع، مما شجع موسكو على المضي قدماً وصولاً إلى حرب عام 2022.
وأضافت أن الاتحاد الأوروبي لا يستطيع التراجع عن تشديد العقوبات، بل يجب أن يمضي قدماً في خطوات منسقة دولياً، موضحة أن الاتحاد الأوروبي فرض حتى الآن أكثر من 20 حزمة عقوبات على روسيا، معتبرة ذلك إنجازاً من ناحية وحدة القرار الأوروبي.
وأشارت إلى أن التنسيق الدولي أثبت فعاليته، لافتة إلى التأثير الواضح للعقوبات الأميركية التي استهدفت شركات نفط روسية كبرى مثل “لوك أويل” و”روسنفت”.
“توحيد العقوبات على روسيا وبيلاروس لسد الثغرات”
بدورها، قالت زعيمة القوى الديمقراطية في بيلاروس سفياتلانا تسيخانوسكايا إن تجربة بلادها تظهر أن العقوبات يمكن أن تكون فعالة.
وأوضحت أن الرئيس البيلاروسي ألكسندر لوكاشينكو أفرج عن معتقلين سياسيين ليس بدافع إنساني مفاجئ، بل لأن العقوبات بدأت تؤتي ثمارها.
وأضافت أن المعارضة البيلاروسية اعتمدت معادلة تقوم على العقوبات الأميركية مقابل الإفراج عن الأفراد، والعقوبات الأوروبية مقابل تحرير البلاد على المدى الأوسع.
وأشارت إلى أن العقوبات الأوروبية حالياً أكثر تأثيراً من الأميركية، موضحة أن فرض عقوبات أميركية على البوتاس (مركب غني بالبوتاسيوم يستخرج أساساً من أجل الأسمدة) مثلاً لن يحقق نتائج كبيرة من دون التنسيق مع أوروبا، ولا سيما مع دول مثل ليتوانيا.
وختمت تسيخانوسكايا بتأكيد ضرورة توحيد العقوبات المفروضة على نظامي بيلاروس وروسيا، بهدف سد الثغرات القائمة وتعزيز فاعلية الضغط الاقتصادي والسياسي على النظامين.



