عالمي

اضطراب في الأسواق العراقية بعد قرارات أثارت غضب التجار

بمحال تجارية مغلقة وبضائع متكدسة في الموانئ واحتجاجات ومطالبات من التجار لوقف تطبيق القرار الحكومي في شأن رفع الرسوم الجمركية، تعيش الأسواق العراقية حالة من عدم الاستقرار بعد تفعيل قرار رفع التعريفة الجمركية الذي يأتي ضمن سلسلة إجراءات حكومية بهدف تقليل الإنفاق الحكومي وإيجاد موارد مالية غير نفطية لرفد خزانة الدولة.

مطلع هذا العام أعلنت الحكومة العراقية تطبيق التعريفة الجمركية الجديدة لتشمل مختلف السلع والأجهزة وكذلك سيارات “هايبرد” التي كانت مستثناة في السابق، وتزامن إعلان التعريفة مع تطبيق قرار البيان الجمركي المسبق ضمن نظام “الأسيكودا”، الذي يفرض قيوداً للتحقق من صحة وصول البضائع التي يدعي التجار استيرادها ويطلبون دولارات مقابلها، وتسبب تزامن القرارين ببعض الارتباك في السوق.

حوكمة الجمارك

يوضح الباحث الاقتصادي والاستشاري في اقتصاد النقل الدولي زياد الهاشمي أن نظام “الأسيكودا” الدولي يعمل على مسألتين، الأولى تتعلق بضبط الحركة التجارية (الاستيراد والتصدير) ورصد كل العمليات غير النظامية التي كانت تتم عبر المنافذ الحدودية والموانئ العراقية، بالتالي يعطي الحكومة القدرة على ضبط الحركة التجارية، والمسألة الثانية خلق باب جديد لتأمين عوائد غير نفطية جديدة”.

وفي السياق نفسه، يوضح الاقتصادي صفوان قصي أن الهدف من التعريفة الجمركية هو حماية الإنتاج المحلي والحد من تلاعب الفواتير أو تغيير جنس البضاعة أو استيراد بضائع غير صالحة للاستعمال، ويمكن الحكومة من السيطرة على المنافذ الحدودية وإنهاء مرحلة التخمين لفرض الرسوم بعد عملية أتمتة الجمارك.

اعتراض التجار

نظم التجار في العاصمة بغداد سلسلة من الاحتجاجات ودعوا إلى إضراب شامل لغلق المحال التجارية رفضاً للتعريفة الجمركية والضريبة التي فرضت عليهم بعد حوكمة الجمارك، ويرى التجار أن الرسوم الجديدة “غير عادلة وغير منطقية ومبالغ فيها، وستُعرقل الحركة التجارية بسبب الكلف العالية التي سيتكبدها التجار عند استيراد البضائع”.

وبالفعل أدى احتجاج التجار إلى تكدس حاويات كبيرة بالموانئ وصل عددها إلى 75 ألف حاوية، إثر توقف المستوردين عن تخليص بضائعهم من الموانئ والمنافذ الحدودية لعدم القدرة على دفع الرسوم الجمركية، وأثر تكدس الحاويات على انسيابية حركة البواخر باتجاه الموانئ العراقية جنوباً.

 

ويوضح الهاشمي أن “أسباب اعتراض التجار أن تنفيذ التعريفة الجمركية تم على نحو شامل وبتوقيت زمني محدد خلال يوم واحد، مما شكل نوعاً من الصدمة التجارية للقطاع الاقتصادي العراقي، ولم يكن هناك استعداد كافٍ من قبل التجار ورجال الأعمال والمستوردين والمصدرين، فالتحول من النظام السابق الذي كان فيه كثير من المرونة في عملية تحريك واستيراد البضائع إلى نظام محوكم تتم فيه المراقبة وفرض رسوم جمركية، دفع التجار لمطالبة الحكومة بإعادة النظر في الرسوم الجمركية ومراجعتها وتقليلها، وتقديم جداول جديدة للتعريفة الجمركية تكون منطقية وتساعد التجار على إدامة حركتهم التجارية”.

رفع الأسعار

يرى رئيس غرفة تجارة بغداد فراس الحمداني أن “زيادة التعريفة الجمركية طريقة غير صائبة وقد تضر بالقطاع الخاص، وتؤدي إلى ارتفاع الأسعار، ومن الضروري أن تشرك الحكومة العراقية في قراراتها الاقتصادية ممثلين عن القطاع الخاص أو الغرف التجارية لكي تكون القرارات صائبة على نحو أفضل”.

 

بالعودة إلى الهاشمي، يقول إن ارتفاع الرسوم الجمركية يؤدي إلى ارتفاع أسعار البضائع كما ستؤدي هذه الحالة إلى شح المنتجات والسلع الداخلة إلى الأسواق بسبب تعثر سلاسل التوريد نحو السوق العراقية، ولن يكون هناك معروض كافٍ من السلع المتوافرة في السوق العراقية وهذا العامل سيتسبب في رفع الأسعار على المستهلك.

الحلول

يقول الباحث الاقتصادي عمر السوداني إن القرارات الحكومية الاقتصادية السريعة التي لم يسبقها مثيل خلقت حالاً من عدم الاستقرار وتسببت في حدوث اختلالات ضمن عملية التوريد وتعطيل الحاويات في الموانئ مما أدى إلى خسائر مالية وغرامات باهظة للشركات، ويرى السوداني أن الحل يتمثل بوجود تعريفة جمركية مناسبة وملائمة للوضع الاقتصادي العراقي، مضيفاً “لا يمكن اتخاذ قرارات غير مدروسة ومن الضروري إشراك التجار في القرارات الاقتصادية للوصول إلى مخرجات صائبة”.

أما الهاشمي فيقترح لمراجعة الرسوم المفروضة على السلع والبضائع “تقسيمها إلى فئات وفرض وتنفيذ الرسوم على فئة بعد أخرى بصورة مرحلية ومتدرجة للوصول خلال ثمانية أشهر أو عام إلى تنفيذ البرامج بالكامل، من دون إحداث صدمة كاملة على القطاع التجاري والاقتصاد العراقي ككل، ومع كل مرحلة تُدرس الإشكاليات والتحديات التي شابت عملية التنفيذ للانتقال إلى مرحلة متقدمة”.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويرى الهاشمي أن النظام سيفقد فاعليته في حال عدم انضمام المنافذ الحدودية في إقليم كردستان إلى ذات النظام الذي تخضع له المنافذ الحدودية في عموم العراق لضمان تطبيق تعريفة موحدة ولن تتمكن الحكومة العراقية من إحكام سيطرتها على الحركة التجارية، وسيجد التجار دائماً منافذ أخرى لتوريد بضائعهم بطريقة لن تمكن الحكومة العراقية من جني العائدات التي تستهدفها.

المحكمة الاتحادية

نظم تجار بغداد، تظاهرة أمام مجلس القضاء الأعلى أمس الثلاثاء الـ10 من فبراير (شباط) الجاري، احتجاجاً على رفع الرسوم الجمركية على بضائعهم، مطالبين رئيس القضاء فائق زيدان بالتدخل، لافتين إلى أن القرار الجديد غير مدروس، وعدوا فرض الرسوم على السيارات “الهايبرد” قراراً مخالفاً للبيانات الرسمية الصادرة عن هيئة الجمارك عام 2025.

ولعل قرار فرض الرسوم الجمركية الذي تزامن مع تطبيق قرار البيان الجمركي المسبق ضمن نظام “الأسيكودا” اتسع مدى رفضه، ليشمل فضلاً عن التجار أعضاء في مجلس النواب، إذ أقام النائب محمد جاسم الخفاجي دعوى قضائية ضد قرار مجلس الوزراء المتعلق بالتعريفة الجمركية.

يوضح الخفاجي لـ”اندبندنت عربية” أن الحكومة الحالية وبموجب قرار المحكمة الاتحادية (2013) والصادر خلال الـ17 من نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 تحولت إلى حكومة تصريف أعمال بعد الاقتراع العام خلال الـ11 من نوفمبر 2025، ومن ثم لا يحق لها اتخاذ قرارات ذات أثر مالي واقتصادي وسياسي.

الخفاجي يقول إن “التعريفة الجمركية ارتفعت على نحو غير مبرر إلى 30 في المئة لبعض المواد وأخرى 10 في المئة، وهناك من يضلل ليقول إن الاعتراض هو على نظام ’الأسيكودا‘ وهذا غير صحيح، كون النظام هو عملية إدارة بيانات جمركية وعُمل به منذ أكثر من سبعة أشهر، لكن الاعتراض هو على ما أقرته حكومة تصريف الأعمال من رسوم جمركية جديدة.

أما المحكمة الاتحادية فقد كان لها راي آخر إذ اصدرت قرارها النهائي، القاضي برد الدعوى التي قدمها الخفاجي ضد قرار الحكومة العراقية بزيادة التعريفة الجمركية وكان موضوع الدعوى التي قدمها النائب طلب الحكم بعدم دستورية وعدم صحة قرار مجلس الوزراء رقم 957 لسنة 2025 المتعلق بالتعريفة الجمركية والمطالبة بإصدار أمر قضائي مستعجل لإيقاف تنفيذ قرار مجلس الوزراء، لكن المحكمة الاتحادية حسمت القرار وردت الدعوى لعدم توافر شرط المصلحة بحسب ما ورد في قرار ها.




Source link

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى