عالمي

اضطراب “الفيدرالي” يمنح اليوان فرصة تقويض تفوق الدولار

قد تكون الصين أحد المستفيدين غير المباشرين من الصراع الدائر حول استقلالية مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، فالتحقيق الجنائي مع رئيس المجلس جيروم باول يُنظر إليه عالمياً على أنه محاولة من إدارة الرئيس دونالد ترمب للسيطرة على السياسة النقدية، وهو ما قد يضر بثقة المستثمرين في النظام المالي الأميركي وفي الدولار، في وقت تكثف فيه بكين جهودها لتوسيع استخدام عملتها حول العالم.

يقول المدير السابق للبنك الدولي لشؤون الصين والأستاذ حالياً في جامعة سنغافورة الوطنية بيرت هوفمان لصحيفة “وول ستريت جورنال” إن “البنية المؤسسية للولايات المتحدة تتعرض للتقويض من خلال إجراءات مثل تلك الموجهة ضد الاحتياطي الفيدرالي”، مضيفاً أن “الاحتفاظ بالدولار يصبح أقل جاذبية بوصفه ملاذاً آمناً”.

وأثار دفع الصين نحو تدويل اليوان الذي منحته بكين زخماً جديداً ضمن خطة سياسية خمسية، قلقاً متزايداً في واشنطن. وقبل توليه الرئاسة حذر ترمب من مساعي الصين لتوسيع استخدام عملتها، وهدد لاحقاً بفرض رسوم جمركية على دول مجموعة بريكس إذا سعت إلى إنشاء بديل للدولار، علاوة على أن الاستخدام الأوسع لليوان قد يسمح لخصوم الولايات المتحدة بتجنب الرقابة التي يفرضها النظام المالي القائم على الدولار.

وقال ترمب في اجتماع لمجلس الوزراء في يوليو (تموز) 2025، “إذا خسرنا الدولار كعملة معيارية عالمية، فسيكون ذلك أشبه بخسارة حرب”.

فقدان استقلالية “الفيدرالي”

على رغم أن الدولار الأميركي واجه أزمات عديدة منذ أن أصبح العملة المهيمنة عالمياً بعد الحرب العالمية الثانية فإنه صمد جزئياً لغياب بديل واضح، فالصين تفرض قيوداً صارمة على حركة رؤوس الأموال وسعر الصرف، مما يجعل من الصعب على اليوان أن يؤدي كل الأدوار التي يؤديها الدولار حالياً، وحتى قادة بكين لا يعلنون رغبتهم في ذلك، علاوة على أن ارتفاع الطلب على اليوان قد يرفع قيمته ويقوض القدرة التنافسية للصادرات الصينية.

لكن الصين، عبر خطوات تدريجية، تسعى إلى تقليص الاعتماد على الدولار في مجالات محددة، لا سيما أنظمة المدفوعات المصرفية. ويستمد الدولار قوته من الثقة باستقرار النظام السياسي الأميركي، إضافة إلى وجود أدوات آمنة وموثوقة لتوظيف الفوائض المالية، وعلى رأسها سندات الخزانة الأميركية. وتشير تجارب دول مثل تركيا، حيث خضعت البنوك المركزية لتدخل سياسي، إلى أن فقدان الاستقلالية قد يؤدي إلى تضخم مرتفع، مما يضعف الثقة بالعملة والدين السيادي.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وأدت أنباء التحقيق مع باول إلى ارتفاع إضافي في أسعار الذهب والفضة، التي استفادت خلال العام الماضي من إقبال المستثمرين القلقين من التضخم. ويرى رئيس استراتيجية العملات في بنك أستراليا الوطني راي أتريل أن “فقدان استقلالية الاحتياطي الفيدرالي قد يزرع فعلياً بذور تراجع هيمنة الدولار”.

في المقابل ينفي ترمب أن يكون التحقيق مرتبطاً بخلافاته مع باول حول خفض أسعار الفائدة، ويؤكد أن سياسته التي تجمع بين خفض الضرائب وتخفيف القيود التنظيمية، تهدف إلى تحفيز الاقتصاد، وقد تعزز الدولار إذا نجحت في جذب الاستثمارات. وقال هذا الشهر، “نحن بالفعل ننمو بوتيرة تعادل ضعفي أو ثلاثة أو حتى أربعة أضعاف معظم الاقتصادات الكبرى”.

الصين وتدويل اليوان

تعمل الصين على توسيع شبكة مدفوعات مالية قائمة على اليوان كبديل لنظام “سويفت” الذي تقوده الولايات المتحدة، وتزيد من الإقراض للدول النامية، وتشجع الشركات الدولية على إصدار سندات مقومة باليوان، وتروج لشنغهاي كمركز عالمي لتخزين الذهب المسعّر بالعملة الصينية.

ووفق بيانات رسمية بات نحو نصف المعاملات العابرة للحدود في الصين مقوماً باليوان، مقارنة بنسبة شبه معدومة قبل 15 عاماً. وعلى رغم ذلك لا يزال استخدام اليوان عالمياً محدوداً مقارنة بالدولار، الذي يشكل 47 في المئة من مدفوعات “سويفت” و80 في المئة من تمويل التجارة العالمية، مقابل 3 في المئة و8 في المئة فقط لليوان.

لكن بعض الدول باتت تعتمد بشكل متزايد على نظام المدفوعات الصيني المعروف باسم “سيبس”، الذي أصبح محورياً في التعاملات المالية بين بكين وموسكو منذ الحرب في أوكرانيا، بعدما قطعت العقوبات الغربية روسيا عن النظام المالي الغربي، وتضاعف تقريباً حجم وقيمة المعاملات اليومية عبر “سيبس” منذ اندلاع الحرب.

توسع الصين نفوذها المالي عبر إقراض دول نامية باليوان، بما في ذلك الأرجنتين وفنزويلا، بينما ارتفعت حصة الإقراض الخارجي للمؤسسات المالية الصينية المقومة باليوان إلى 45 في المئة من إجمال قروض خارجية بلغت قيمتها نحو تريليوني يوان (286 مليار دولار) بنهاية 2024، مقارنة بأقل من 10 في المئة قبل عقد.

ولا تزال ضوابط رأس المال تحد من انتشار اليوان، لكن بكين تسعى إلى تجاوز ذلك عبر الترويج لإصدار سندات باليوان في المراكز المالية الخارجية، المعروفة بسندات “ديم سوم”. وبدأت شركات دولية الاستفادة من انخفاض أسعار الفائدة في الصين مقارنة بالولايات المتحدة.

وتقول الاقتصادية في بنك “ناتيكسيس” أليسيا غارسيا هيريرو للصحيفة أن سوق سندات “ديم سوم” تنمو بسرعة كبيرة ، وعلى رغم صغر حجمها، فإنها “توفر أخيراً سوقاً قابلة للاستثمار للأصول المقومة باليوان”.




Source link

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى