عالمي

هل يتحمل الاقتصاد الروسي كلفة الحرب إلى النهاية؟

بعد أسبوع من الهجوم الروسي على أوكرانيا العام الماضي هلل وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن، قائلاً “تراجعت قيمة الروبل، وأغلقت البورصة الروسية مع تصاعد الخوف من هرب رأس المال، وأسعار الفائدة ضعفت كثيراً، وانخفض التصنيف الائتماني لروسيا إلى وضع غير مرغوب فيه”.

وفي تقرير مطول تتساءل مجلة الـ”إيكونوميست” عن حالة الاقتصاد الروسي، وما إذا كان قادراً على الصمود في مواجهة العقوبات الغربية، حيث من الواضح أن السلطات الأميركية كانت تأمل أن تساعد “العقوبات الهائلة وغير المسبوقة” التي فرضتها هي وحلفاؤها على موسكو، بما في ذلك “الكلفة الاقتصادية الباهظة والدائمة”، في إعاقة الآلة الحربية، وتعطيل تمويل العمليات، لكن النتائج خلال العام التالي أظهرت، وعلى رغم التشديد المتكرر للعقوبات الغربية، استعادة الاقتصاد الروسي اتزانه، كما أوضح ذلك صندوق النقد الدولي، حيث تشير الإحصائيات إلى أن النمو بلغ نسبة 0.7 في المئة هذا العام، وهو على قدم المساواة مع فرنسا، في وقت بلغ الانكماش في الاقتصاد البريطاني مستويات مقلقة.

وتضيف أنه “قد يكون للقيود المفروضة على الاقتصاد الروسي تأثير سلبي على المدى المتوسط”، والسؤال هنا “هل بإمكان روسيا تحمل حرب استنزاف أطول؟” وتجيب المجلة بأنه “مع اشتداد الصراع فقد تحتاج موسكو لتغيير آفاقها في ساحة المعركة وهو أمر يبدو شبه مستحيل”. 

وترى أن “البيروقراطية الروسية حققت ثلاثة إنجازات خلال الـ14 شهراً الماضية، إذ وجدت طرقاً لتحمل وابل العقوبات التي بشر بها بلينكن، كما زودت ما يكفي من الرجال والعتاد لدفع هجومها على أوكرانيا، وتم كل هذا من دون حدوث انخفاض حاد في مستويات المعيشة يهدد باضطرابات شعبية”، لكن المجلة حذرت من أن أي محاولة لتصعيد الصراع ستقضي حتماً على هذه النجاحات. 

وتقول الـ”إيكونوميست“، إنه بات يتعين على روسيا اليوم التعامل مع أوسع مجموعة من العقوبات التي فرضت على دولة كبيرة، بما في ذلك على الأفراد المرتبطين بالحرب، وعلى المعاملات المالية التي تشمل كيانات روسية، وعلى صادرات بعض السلع، وعلى واردات معظم البضائع منها. ومع ذلك، فقد أسفر الهجوم الاقتصادي عن نتائج مخيبة للآمال، ويرجع ذلك جزئياً إلى وجود ثغرات كبيرة في نظام العقوبات ولأن روسيا قد وجدت طرقاً للالتفاف على بعض القيود التي أدت في البداية إلى إضعافها. 

وكانت العقوبات قد استهدفت بعض الإجراءات الأكثر فظاظة للأوليغارشية، وهي سلطة سياسية محصورة بيد فئة صغيرة من المجتمع تتميز بالمال والنفوذ، وغيرهم من المقربين من نظام بوتين، في حين تعتقد “وورلد تشيك”، وهي شركة بيانات، أن 2215 فرداً تربطهم صلات وثيقة بالحكومة لم يعد بإمكانهم السفر إلى بعض أو جميع الدول الغربية أو الوصول إلى ممتلكاتهم هناك أو كليهما، كما اشتكى بعض الأثرياء الروس من مكانتهم الاجتماعية المفقودة، في حين أن قلة منهم غادروا روسيا وتخلوا عن جنسيتهم. 

تجميد 100 مليار دولار

ولا يزال معظم “الأوليغار” يضعون الكافيار على طاولاتهم، على رغم تجميد الحكومات الأجنبية ما قيمته نحو 100 مليار دولار من الأصول الروسية الخاصة -فقط نحو ربع الـ400 مليار دولار التي تمتلكها الأسر الروسية في الخارج- فيما طالت أكبر العقوبات الأثرياء الروس في الريفيرا الفرنسية. وتقول المجلة إن “العقوبات قد تمهد، على نحو عكسي، الطريق لخلق جيل جديد من الأوليغارشية، ومع مغادرة الشركات الغربية البلاد بأعداد كبيرة، هناك أصول بمئات المليارات من الدولارات معرضة للاستيلاء عليها”.

وترى المجلة أن العقوبات المالية المفروضة على روسيا كان لها تأثير محدود، وتقول إنه بعد الهجوم الروسي على أوكرانيا، طرد 10 مقرضين روس من الخدمة السريعة التي يستخدمها أكثر من 11 ألف بنك حول العالم للمدفوعات عبر الحدود “سويفت”، ولم يعد بإمكان ما يقرب من ثلثي النظام المصرفي في روسيا معالجة المعاملات باليورو أو الدولار.

وتستدرك “لكن الدول الغربية لم تقطع معاملاتها مع البنوك الروسية تماماً، لأنها بحاجة إلى دفع ثمن النفط والغاز الروسيين، في حين لا تزال (غاز بروم بانك)، الذي يعالج هذه المدفوعات، عضواً في (سويفت) علاوة على ذلك، يتم بناء أنظمة مالية جديدة لتحل محل الغربية، حيث تشير التقارير إلى ارتفاع متوسط المعاملات اليومية باستخدام (سي أي بي أس)، البديل الصيني للسريع، بنسبة 50 في المئة منذ بدء الحرب، وفي ديسمبر (كانون الأول) الماضي، تم دفع 16 في المئة من الصادرات الروسية باليوان، ارتفاعاً من لا شيء تقريباً قبل الحرب، في حين تشير الفجوة الضيقة بين السعر الذي تبيع به البنوك الروسية لعملائها اليوان والسعر الذي تشتري به العملة الصينية إلى وجود سوق سيولة، كما تتم تسوية بعض المعاملات الدولية، بصعوبة، بالروبية الهندية والعملات الأخرى”. 

قيود التصدير

كما أن القيود المفروضة على تصدير بعض السلع إلى روسيا كانت مخيبة للآمال أيضاً، فقد حظرت أميركا وحلفاؤها بيع آلاف المواد عالية التقنية إلى روسيا، بينما انسحبت عديد من الشركات الغربية التي كانت تعمل في روسيا طواعية، فمن بين نحو ثلاثة آلاف شركة عالمية، قلص نصفها تقريباً العمليات هناك بطريقة ما، وفي العام الماضي انخفض رصيد الاستثمار الأجنبي المباشر في روسيا بمقدار الربع. 

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ومع ذلك، تواصل روسيا استيراد ما كانت عليه قبل الحرب تقريباً، كما نشأ شركاء تجاريون جدد ليحلوا محل الغرب، كما تبيع الصين الآن لروسيا ضعف ما تبيعه في عام 2019، كما ارتفعت الواردات “الموازية” (المبيعات غير المصرح بها من الغرب إلى روسيا عبر دولة ثالثة) لكل شيء بدءاً من المشروبات الغازية إلى رقائق الكمبيوتر.

وتقول الـ”إيكونوميست” إن هذه الترتيبات لها عيوب، فالمراكز الاقتصادية لروسيا أقرب إلى بروكسل منها إلى بكين، كما يعني ارتفاع كلفة النقل ارتفاع الأسعار، بالتالي أصبح لدى الناس أيضاً خيارات أقل من ذي قبل، حيث يشتكي أحد سكان موسكو من صعوبة العثور على “مورتاديلا” على سبيل المثال، ووفقاً لمسح حديث أجرته شركة “رومير” الروسية لأبحاث السوق، يعتقد ثلثا الروس أن جودة المنتجات التي يشترونها تتدهور. 

تأثير أكبر على الصادرات الروسية

في حين كان تأثير العقوبات على الصادرات الروسية أكبر، لكن الدول الغربية دائماً ما ابتعدت عن جعلها شديدة القسوة خوفاً من رفع أسعار الطاقة لمستهلكيها إلى مستويات لا تطاق، فقد انخفضت واردات الاتحاد الأوروبي من الغاز الروسي بشكل كبير، ولروسيا اليوم قدرة محدودة على تحويل الصادرات إلى الصين، لأن خط الأنابيب الذي يربط بين البلدين صغير، بينما يتطلب شحن مزيد عن طريق البحر محطات تسييل جديدة تستغرق وقتاً في البناء وتحتاج إلى تقنية متطورة، في حين تتوقع شركة “ريستاد إنيرجي”، وهي شركة استشارية، أن تنخفض مبيعات الغاز الروسي إلى 136 مليار متر مكعب في عام 2023 من 241 مليار متر مكعب عام 2021. 

ومع ذلك، فإن الزيت أكثر قابلية للاستبدال، ففي ديسمبر، فرض الاتحاد الأوروبي، الذي اشترى في عام 2021 أكثر من 40 في المئة من صادرات الخام الروسية، حظراً على الاستيراد، كما منعت شركات الشحن وشركات التأمين والممولين لديها من تسهيل بيع الخام الروسي للمشترين في دول أخرى ما لم يكن سعر البرميل أقل من 60 دولاراً. وفي فبراير (شباط)، دخلت حزمة مماثلة من العقوبات حيز التنفيذ على النفط الروسي المكرر، وهو تصدير أصغر ولكنه مربح، الذي ذهب كثير منه أيضاً إلى أوروبا قبل الحرب. 

لكن المشترين الآسيويين كانوا سعداء بامتصاص النفط الذي ترفضه أوروبا، ففي مارس (آذار) الماضي، ذهب ما يقرب من 90 في المئة من إجمالي صادرات الخام الروسية إلى الصين والهند، وفقاً لتقديرات “كبلير ريد أي أنسون”، وهي شركة بيانات، مقارنة بالربع الذي كان عليه قبل الحرب، وفي ذلك الشهر، شحنت روسيا 3.7 مليون برميل يومياً في المتوسط، أي أكثر مما كانت عليه في عام 2021.

أيضاً كان مارس شهراً قوياً لمبيعات المنتجات المكررة مثل الديزل، مع ظهور نظام بيئي جديد من تجار الظل والشاحنين، ومقره إلى حد كبير في هونغ كونغ، للمساعدة في نقل البراميل المحظورة إلى وجهاتهم الجديدة، غالباً بمساعدة المقرضين وشركات التأمين الروسية، وهؤلاء المشترون الجدد، إضافة إلى أسعار السلع المرتفعة التي سببتها الحرب جزئياً، ساعدوا في دفع فائض الحساب الجاري لروسيا إلى رقم قياسي بلغ 227 مليار دولار (10 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي).

لكن من غير المرجح أن نشهد عاماً آخر مزدهراً، حيث انخفض سعر برميل خام برنت، وهو معيار نفطي، إلى أقل من 85 دولاراً من متوسط 100 دولار في عام 2022، كما أن “الأورال” وهو علامة تجارية مرجعية تستخدم كأساس لتسعير خليط زيت التصدير الروسي يباع الآن بخصم كبير في الموانئ الروسية – أقل من 50 دولاراً في المتوسط في يناير (كانون الثاني) وفبراير (شباط)، وفقاً لوزارة المالية الروسية، مقارنة بـ76 دولاراً في المتوسط في عام 2022، بالتالي ستحتاج روسيا إلى سعر يزيد كثيراً على 100 دولار، بحسب تقديرات المحللين، في حين تقدر وكالة الطاقة الدولية، وهي هيئة رقابية، أن عائدات النفط الروسية كانت أقل بنسبة 43 في المئة في مارس مما كانت عليه قبل عام. ويتوقع الاقتصاديون أن ينخفض فائض الحساب الجاري للبلاد إلى ثلاثة- أربعة في المئة من الناتج المحلي الإجمالي هذا العام، بما يتماشى مع متوسط عام 2010. 

150 مليار دولار ثروة الصندوق السيادي الروسي 

ويعني انخفاض مبيعات النفط والغاز انخفاض الإيرادات الحكومية لروسيا، وكانت الحكومة الروسية قد واجهت في عام 2022، عجزاً بنحو ثلاثة تريليونات روبل (36.7 مليار دولار)، أو اثنين في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، ومرشح للوصول إلى 10 تريليونات روبل (122.6 مليار دولار)، بنسبة تصل إلى خمسة في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، وهو مرتفع بالمعايير الروسية. 

ومع ذلك، فإن الدولة الروسية لديها كثير من الخيارات لتمويل نفسها، فلا يزال صندوق الثروة السيادية الروسي يمتلك نحو 150 مليار دولار (10 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي)، حتى بعد استنزاف نحو 30 مليار دولار العام الماضي، كما يمكن للحكومة أيضاً إصدار مزيد من الديون، إضافة إلى أن الصادرات الوفيرة في العام الماضي لشركات الطاقة الروسية الكبيرة كانت قد تركت كثيراً من السيولة، إضافة إلى أن الشركات المملوكة للدولة قد تتعرض لضريبة غير متوقعة، فيما تحتفظ المؤسسات المالية الروسية بأصول كافية لتغطية العجز البالغ 10 تريليونات روبل (122.6 مليار دولار) لمدة 25 عاماً – وهو مورد ضخم قد تسعى الحكومة للاستفادة منه بطريقة ما.

يقول الخبير في الاقتصاد الروسي ريتشارد كونولي، إنه “يمكن للحكومة دائماً أن تمول نفسها عن طريق أخذ الأموال من الشركات الكبرى”. 

بعبارة أخرى، لن يكون المال قيداً شديداً على المجهود الحربي، وتقول الـ”إيكونوميست”، إنه واستناداً إلى مقارنة أرقام الإنفاق الفعلي مع ما كان مدرجاً في الميزانية قبل الحرب، فإن هجوم روسيا على أوكرانيا يكلفها حالياً نحو خمسة تريليونات روبل (61.3 مليار دولار) سنوياً، أو ثلاثة في المئة من الناتج المحلي الإجمالي -أقل مما أنفقته أميركا على الحرب الكورية. 

بشكل عام، أثبت الاقتصاد الروسي مرونة، حيث انخفض الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنسبة بين اثنين وثلاثة في المئة فقط العام الماضي -أقل بكثير من الانخفاض الذي توقعه عديد من الاقتصاديين بمقدار بين  10 و15 في المئة، كما يظهر “مؤشر النشاط الحالي” الذي جمعه بنك غولدمان ساكس، الذي ارتبط ارتباطاً وثيقاً بأرقام الناتج المحلي الإجمالي الرسمية قبل الحرب، أن روسيا خرجت من الركود قبل نحو عام.




Source link

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى