عالمي

هل تنقذ “الرخصة الذهبية” اقتصاد تونس المتعثر؟

تدرس تونس بصفة رسمية وجدية إمكانية منح “الرخصة الذهبية” لفائدة المستثمرين، خصوصاً الأجانب منهم، في خطوة لتحسين جاذبية البلاد وتطوير مناخ الأعمال المتعثر، الذي يشكو عديداً من الهنات خلال السنوات الأخيرة على رغم جهود الحكومات لإقرار إجراءات الغرض منها تنقية مناخ الأعمال.

وعلى خطى مصر والبحرين وتركيا واليونان وسنغافورة ومالطا، التي أقرت نظام إسناد “الرخص الذهبية” وبتسميات مختلفة لكن هدفها واحد، فإن تونس تنوي الدخول في هذا المسار القادر على وضع البلاد ضمن أهم أجندات ومخططات كبرى المجموعات الاقتصادية الاستثمارية.

تعتمد “الرخصة الذهبية” على منح ترخيص واحد يجمع عديداً من التراخيص من أجل تسهيل عمل المستثمرين وتجنب عناء الإجراءات البيروقراطية التي وبشهادة القطاع الخاص في تونس والمستثمرين الأجانب صارت تمثل حاجزاً حقيقياً أمام دفع الاستثمار.

نحو “الرخصة الذهبية”

تطرق المجلس الاستراتيجي للهيئة الوطنية للاستثمار (هيئة حكومية) المنعقد أخيراً إلى دراسة إمكانية منح “الرخصة الذهبية” لدفع نسق الاستثمار في البلاد وتحسين جاذبية الوجهة التونسية.

وأقدمت دول عربية مثل مصر والبحرين منذ العام الماضي على منح “الرخصة الذهبية” لعدد المستثمرين المحليين، وبخاصة الأجانب، في سبيل تعزيز جاذبيتها وتنافسيتها الإقليمية والدولية بمجال الاستثمار الخارجي.

وتطرق أعضاء المجلس الاستراتيجي للهيئة الوطنية للاستثمار إلى إقرار إصلاحات تفضي إلى منح “الرخصة الذهبية” التي انتهجتها مصر كآلية سمحت بجذب واستقطاب الاستثمارات في المشاريع الكبرى ذات البعد الاستراتيجي على غرار الهيدروجين الأخضر والطاقات المتجددة وتحلية مياه البحر، واعتبروا أن هذه الآلية يمكن تبنيها في تونس وإدراجها ضمن مشروع مراجعة مجلة الاستثمار.

تحسين ترتيب تونس

أوصى أعضاء الدورة الـ15 الجديدة للمجلس الاستراتيجي للهيئة التونسية بضرورة الاستلهام من أفضل الممارسات الدولية من أجل مزيد النهوض بالاستثمار وتطوير مناخ الأعمال، لا سيما في علاقة النفاذ إلى الأسواق والخدمات المجددة المرتبطة بالاستثمار وترويج أفضل للوجهة التونسية. 

وأكدوا على مزيد بذل جهود إضافية لتحسين ترتيب تونس في التقارير الدولية بهدف تحسين صورة البلاد لدى صناع القرار الدوليين، مع المتابعة المستمرة لهذه التقارير وتشخيص نقاط الضعف والفرص.

ومن جانب آخر شدد المتدخلون من القطاعين العام والخاص على ضرورة مراجعة ومعالجة الإشكالات المتصلة بالاستثمار بطريقة مغايرة بإقرار مقاربة جديدة قوامها تسهيل الإجراءات وتيسيرها وتبسيطها، عبر رفع الحواجز والعراقيل التي تعوق تحقيق المشاريع وإعطاء دفع جديد لواقع الاستثمار في البلاد.

واستأثرت مسألة إعادة إرساء مناخ من الثقة بين الإدارة والمستثمر باهتمام المتدخلين في الاجتماع من خلال تبني مقاربة السوق الحرة المرتكزة على الشفافية والليونة في معالجة المشاريع الاستثمارية الأمر الذي انتهجته دول عدة.

ويعد المجلس الاستراتيجي للهيئة التونسية للاستثمار منصة حوار بين القطاعين العام والخاص ويجمع الهياكل الأساسية المتدخلة في منظومة الاستثمار ويعمل على تقييم أطر الاستثمار ومناخ الأعمال مع تشخيص أفضل الخيارات الاستراتيجية ذات الصلة بمناخ الأعمال وقوة اقتراح في اتجاه تطوير مناخ الاستثمار والأعمال عموماً بتونس.

فرصة مهمة لتونس

ورأى رئيس الصندوق التونسي للاستثمار محمد الورتتاني أن “الرخصة الذهبية” التي تفكر تونس في إرسائها أضحت مهمة وذات بعد استراتيجي في خطة البلاد لاستقطاب كبار المجموعات الاستثمارية العالمية.

وقال الورتتاني لـ”اندبندنت عربية” إن فكرة أو مقترح إعطاء هذه الرخصة الذهبية نبع من خلاصة أعمال ورشات عمل بين القطاعين العام والخاص في تونس ضمن استراتيجية البلاد لتحسين مناخ الأعمال وتطويره منذ السنة الماضية.

ولاحظ أنه تم تنظيم لقاءات عدة في إطار هذه الاستراتيجية أفرزت 13 محور عمل تقرر أن يتم تفعيلها وفق منهجية عمل مؤشر سهولة الأعمال للبنك الدولي لإكسابها صدقية أكثر وشفافية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وشدد الورتتاني على أن “الرخصة الذهبية” في مجال الاستثمار من شأنها أن تعطي قفزة نوعية كبيرة لمناخ الأعمال في تونس، لا سيما أنها ستعود بالنفع على النسيج الاقتصادي واستحثاث نسق دفع المشاريع الكبيرة على غرار البنية الأساسية والطاقات المتجددة الاتصالات والرقمنة.

وأضاف أن التفكير الجدي لتونس في تبني الرخصة الذهبية يترجم الحرص على الانتقال إلى مرحلة جديدة بمجال تطوير مناخي الاستثمار والأعمال في البلاد، وحلقة ضمن مجموعة من الحلقات الأخرى التي يتم الاشتغال عليها.

وأشار رئيس الصندوق التونسي للاستثمار إلى أن هذا الصنف من الرخص سيساعد كثيراً في تيسير الإجراءات وتقليص فترات الانتظار للحصول على الموافقات من الإدارة التونسية بتجميع عديد من الرخص ضمن رخصة واحد تسمى الرخصة الذهبية، الأمر الذي يحبذه المستثمرون التونسيون والأجانب.

وأوضح الورتتاني أنه “من شأن إقرار “الرخصة الذهبية” في تونس أن يساعد جاذبيتها في محيط إقليمي مغاربي وعربي تنافسي، وينبغي على تونس مجاراة التوجهات العالمية، فضلاً عن تحسين ترتيبها ضمن مختلف التقارير الدولية المتخصصة في مجال الاستثمار على غرار مؤشر سهولة الأعمال”.

كما أكد على أن تونس في أمس الحاجة إلى مثل هذا النوع من الإجراءات لإعطاء رسالة إيجابية لمختلف صناع القرار الاقتصادي في العالم، مضيفاً أن القطاع في تونس يرحب بهكذا إجراء، كآلية مهمة لتقليص من الإجراءات الإدارية التي لطالما أرهقت المستثمرين.

وخلص المسؤول إلى أنه في حال الموافقة الحكومة على الشروع في اعتماد الرخصة الذهبية فإن ذلك سيكون في أفق عام 2025 إثر تهيئة الأرضية القانونية واستكمال الاستراتيجية التونسية لتحسين مناخ الأعمال.

تعثر الاستثمارات الخارجية

منذ عام 2011 شهدت تونس صعوبات لافتة في قدرتها على جذب الاستثمارات الخارجية المباشرة بسبب الانتقال الديمقراطي والسياسي الذي تمر به البلاد، إذ إن تدفق الاستثمارات الخارجية تراجع بشكل ملحوظ ولم يعد الرافعة المهمة لتنشيط الحركة الاقتصادية على مستوى دفع التشغيل وتمويل رصيد البلاد من النقد الأجنبي.

وتجدر الإشارة إلى أن تحويلات التونسيين المغتربين فاقت بكثير قيمة الاستثمارات الخارجية، وتمكنت تونس خلال كامل العام الماضي من جذب استثمارات خارجية بقيمة 2222 مليون دينار (716.4 مليون دولار) بينما بلغت تحويلات المغتربين 9468.4 مليون دينار (3054.3 مليون دولار).

قرار سياسي قوي

المتخصص في الاستثمار الخارجي وصاحب مكتب استشارة في الاستثمار خليل العبيدي رأى أن الرخصة الذهبية لها مزايا كبيرة، بخاصة للمستثمرين والمجموعات الاستثمارية الكبيرة بإفرادها بحزمة من المزايا التفاضلية والتسهيلات المهمة على غرار إمكانية امتلاك العقارات والأراضي، علاوة على التسهيلات في الحصول على التأشيرات.

ولكنه أبرز في تصريح خاص أن المجموعات الاستثمارية الراغبة في الحصول على هكذا رخص يجب أن تستجيب لجملة من المعايير والشروط من بينها قيمة المشروع المزمع تنفيذه ونقل التكنولوجيا وأهمية إحداث مواطن الشغل.

وفسر أن تونس في حاجة ماسة إلى مثل هذه النوعية من المشاريع لدفع الاستثمار المتعثر منذ سنوات عدة بإعطاء نفس جديد لقطاع تراهن عليه الدولة لدفع التنمية الاقتصادية والاستثمارية.

وفي الأثناء شدد العبيدي على أنه في حال إقرار تونس للرخصة الذهبية فإن ذلك يجب أن يرفق من وجهة نظره بخطاب سياسي ويتبنى هذا الإجراء كرسالة قوية لصناع القرار الاقتصادي والاستثماري الدولي.

وأوصى بأن يرفق قرار تبني الرخصة الذهبية بخطة اتصالية كبيرة وقوية للترويج لها في مختلف التظاهرات الترويجية في العالم من أجل التسريع في جذب الاستثمار الخارجي.

تحسين مناخ الأعمال

تخطط الحكومة عبر وزارة الاقتصاد والتخطيط خلال العام الحالي لإقرار حزمة إجراءات جديدة الهدف منها تحفيز الاستثمار وتحسين مناخ الأعمال، بما يسمح بتوفير بيئة جاذبة وملائمة لاستقطاب الاستثمارات الوطنية والأجنبية مع الارتقاء بالمجهود الاستثماري إلى مستويات أرفع تستجيب لمتطلبات المرحلة التي يشهدها الاقتصاد التونسي العليل.

وستشهد الفترة المقبلة تسريع نسق الإصلاحات الرامية إلى تحفيز المبادرة الخاصة وتحرير الاستثمار بما يسهم في استرجاع ثقة المستثمرين وتوضيح الرؤية من أجل الرفع من القدرة التنافسية للاقتصاد وإرساء مقومات نمو إدماجي ومستدام.

وللغرض سيتم اعتماد برنامج إصلاح مقومات مناخ الأعمال سيشمل 120 إجراء تم تحديدها في إطار تشاركي مع القطاع الخاص والهياكل العمومية المعنية.

واعتباراً لدور الاستثمار في دفع النمو الاقتصادي وخلق مواطن الشغل، تبرز أهمية التسريع في نسق تنفيذ الإصلاحات (يشترطها صندوق النقد الدولي والبنك الدولي) المتعلقة بتحسين مناخ الأعمال، وذلك بهدف استعادة جاذبية تونس وتعزيز تموقعها في خريطة الاستثمار الدولية وضمن سلاسل القيمة العالمية مع إحكام توظيف الميزات التفاضلية والفرص المتاحة.




Source link

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى