هل تبادر المملكة لإنهاء ظاهرة فقر الطاقة؟

بقلم-بندر خالد الهويش:
“نحن جزء من هذا العالم، نعيش مشاكله والتحديات التي تواجهه ونشترك جميعا في هذه المسؤولية وسنسهم بإذن الله بفاعلية في وضع الحلول لكثير من قضايا العالم الملحة، ومن ذلك قضايا البيئة وتعزيز التنمية المستدامة، وسنستمر في العمل على ذلك مع المنظمات والمؤسسات الدولية والشركاء الدوليين” الملك سلمان بن عبد العزيز في افتتاحية الاستعراض الطوعي الوطني الأول للمملكة الذي تم عرضه في المنتدى السياسي الرفيع المستوى في تموز (يوليو) 2018. هذا البيان لا ينبغي أن يمر مرور الكرام. البيان رسالة موجهة لكل أفراد المجتمع والمؤسسات الحكومية والخاصة للمساهمة في إعمار الأرض داخل الوطن وخارجه والعمل على تحقيق نهضة تتناسب مع إمكاناتنا. في هذا المقال، أود أن أركّز على تحدٍّ قد لا ندرك معناه وآثاره على مجتمعنا المحلي إلا أن هذا التحدي يعد ظاهرة عالمية مقلقة وأزعم أن المملكة قد يكون لها دور مفصلي لتقديم حلول مستدامة لأسباب عديدة.
عندما اعتمدت الدول الأعضاء في الأمم المتحدة خطة التنمية المستدامة وأهدافها السبعة عشر في القمة الأممية التي عقدت في أيلول (سبتمبر) 2015، وذلك استكمالا للجهود التي بُذلت على مدى الـ 15 سنة التي سبقت القمة (وذلك في إطار الأهداف التنموية الألفية الثمانية بين 2000 و2015)، لوحظ إدراج هدف خاص بإيصال طاقة نظيفة للجميع وبأسعار معقولة في قمة عام 2015 وهو الهدف التنموي السابع.
يعد الهدف التنموي السابع -الذي من أهدافه الفرعية الوصول الشامل لخدمة الكهرباء بحلول عام 2030 – من أكثر الأهداف تداخلا مع بقية الأهداف الستة عشر وبالتالي أكثرها أهميةً من حيث المساهمة لتحقيق الأهداف التنموية المستدامة الرئيسة منها والفرعية وذلك حسب أحد تقارير البنك الدولي. السؤال هنا، ما حجم التحديات المرتبطة بتحقيق الهدف التنموي السابع المشار إليه؟ وما الأدوار التي يمكن أن تتبناها المملكة العربية السعودية لتدارك آثار تلك التحديات ولماذا، وما المكاسب والعوائد التي ممكن أن تجنيها؟
ما زال هناك أكثر من مليار شخص (نحو 15 في المائة من سكان العالم) يعيشون بدون كهرباء أغلبهم في جنوب الصحراء في قارة إفريقيا وجنوب آسيا، كما يعيش نحو 2.8 مليار شخص (50 في المائة من سكان البلدان النامية) بدون مرافق طهي نظيفة، وهذه الظاهرة وحدها تتسبب بشكل مباشر في وفاة أربعة ملايين شخص سنويا أغلبهم من السيدات والأطفال لتعرضهم بشكل مباشر ويومي لأدخنة ضارة جدا. هناك جهود جبارة سواء من الدول المتقدمة عبر صناديقها ومؤسساتها المتخصصة أو عبر المصارف والمؤسسات الدولية المختلفة لتحقيق هدف الوصول الشامل لخدمة الكهرباء بحلول عام 2030. فعدد الأشخاص الذين يحصلون على الطاقة قد تزايد منذ عام 2010 إلى نحو 118 مليون شخص كل عام، إلا أن هذا الإنجاز ليس كافيا إذا ما تم اعتبار الاتجاهات السكانية. إذا استمرت السياسات الحالية بلا مبادرات تسرّع من معدلات إنجاز الوصول الشامل للكهرباء، سيظل أكثر من 670 مليون شخص بدون كهرباء في عام 2030. ولكم أن تتخيلوا مدى صعوبة الحياة بلا كهرباء. لو لم أرَ بنفسي كيف دبّت الحياة في منزل تلك السيدة في أحد أرياف كينيا بمجرّد أن قامت بتشغيل الراديو لأول مرة على إحدى محطات الأغاني المحلية، لما استوعبت جوهر نعمة الكهرباء. ما شأن المملكة للمساهمة بفاعلية في تحقيق هدف الوصول الشامل للكهرباء بحلول 2030؟
أولا: نحن جزء من هذا العالم كما أشار الملك في بيانه، ونشترك جميعا في هذه المسؤولية، كما أن المملكة أسهمت بشكل مباشر في نهضة الاقتصاد العالمي منذ أن بدأت بتصدير النفط قبل عقود طويلة لأرجاء العالم كافة حتى أصبح اسم المملكة رمزا لأمن الطاقة، حيث الإمداد الموثوق والعنصر الأهم لتوازن أسواق النفط، وهناك أيضا تحوّل فكري واضح خلال الأعوام الأخيرة نحو موقف المملكة من مصادر الطاقة البديلة، حيث تم الإعلان عن مبادرات واستثمارات تعزّز من هذا التوجه سواء في مجال الطاقة الشمسية وحتى في مجال الاستثمار في قطاع السيارات الكهربائية الأمر الذي يدل على رغبة حقيقية للريادة في مجال الطاقة بجميع أشكالها وأنواعها التقليدية منها والجديدة. والمملكة أيضا تعتبر من أكبر الدول المانحة في العالم بشهادة مكتب برنامج الأمم المتحدة الإنمائي UNDP عبر وزارة المالية، الصندوق السعودي للتنمية، مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية، وأيضا مساهمات الحكومة في المنظمات والمؤسسات الدولية المختلفة.
شخصيا، أرى أن المملكة لديها فرصة هائلة للتمعّن في مكاسب إطلاق مبادرة وطنية أو دولية مكمّلة للجهود الحالية التي تهدف لتحقيق الوصول الشامل لخدمة الكهرباء بحلول عام 2030. هذه المبادرة ستعزز من ريادة المملكة في مجال الطاقة ولأغراض نبيلة من جهة، كما ستعزز من مكانتها الدولية من خلال الدعم وبعوائد استثمارية جيدة لمصلحة مواطني وشعوب الدول المستفيدة. هذا عدا المكاسب الاقتصادية والمالية التي ستعود على صناديق الاستثمار والقطاع الخاص وسلاسل القيمة الوطنية لصناعة الطاقة الشمسية تحديدا فتتحوّل المملكة إلى مُصدّرة للطاقة النظيفة وخدماتها التكميلية. وهناك عوائد أخرى اجتماعية وسياسية تتجاوز مساحة المقال وتتطلب دراسة مستفيضة بالتعاون والتنسيق مع عدة جهات مختلفة لتقييم تلك العوائد والموارد المطلوبة لتنفيذ المبادرة. ويبدو لي أن الجهة الأقدر والأكثر تأهيلا لدراسة فكرة تلك المبادرة وتشكيلها هي وكالة وزارة الاقتصاد والتخطيط لشؤون التنمية المستدامة وشؤون مجموعة العشرين.. والله ولي التوفيق.