هل أصابت لعنة كورونا أسواق النفط؟

فقدت أسعار النفط الخام عالميا نحو 6% من قيمتها على أساس أسبوعي بفعل تنامي حالات الإصابة بفيروس كورونا في عدد من دول العالم “ما يعرف بالموجة الثانية للفيروس”.

في المقابل، دعا منتجو “أوبك+” لاجتماع شهري جديد للجنة الوزارية لمراقبة خفض الإنتاج الخميس المقبل افتراضيا برئاسة عبدالعزيز بن سلمان وزير الطاقة السعودي، وألكسندر نوفاك وزير الطاقة الروسي، وذلك لمراجعة بيانات ومؤشرات السوق النفطية في ضوء الضغوط الهبوطية المتوالية، ولمواجهة الشكوك المحيطة بتعافي الاقتصاد العالمي، ولدعم نمو الطلب بوتيرة جيدة.

وفيما تتأهب “أوبك” للاحتفال بمرور 60 عاما على تأسيسها وإحياء ذكرى 55 عاما على انتقال المنظمة للعمل من العاصمة النمساوية فيينا، أكدت وكالة “بلاتس” الدولية للمعلومات النفطية أن احتفال “أوبك” بالذكرى الـ60 لتأسيسها جاء في ظروف عصيبة تخوضها السوق بسبب جائحة كورونا التي قادت إلى اضطرابات واسعة وغير مسبوقة في تاريخ الصناعة.

وتأسست أوبك منتصف سبتمبر من العام 1960، لتضم منتجي النفط الرئيسيين في هذا الوقت.

وأشارت إلى أن استمرار تسارع الإصابات تسبب في اعتذار العراق عن تنظيم هذه المناسبة، حيث سبق أن دعا إلى الاحتفال بهذه الذكرى في بغداد، وهي العاصمة التي شهدت ميلاد منظمة أوبك.

ووفق تقرير حديث للوكالة الدولية فإن الاقتصادات العالمية تكافح للتكيف مع الوباء وذلك مع تعرض الطلب على سوق النفط لضربات متلاحقة”، مشيرا إلى أن عديدا من الحكومات يرى في الظروف الراهنة فرصة لتسريع أهداف التحول الطموحة نحو الطاقة المتجددة.

وثمن تعاون أعضاء “أوبك” الـ13 مع روسيا وتسعة حلفاء آخرين لإجراء تخفيضات جذرية في الإنتاج، ما ساعد على إنقاذ الأسعار من أدنى مستوياتها التاريخية في الربيع الماضي وأسهم في إنعاش الأسعار إلى المستويات الحالية عند نحو 40 دولارا للبرميل، مشيرا إلى قدرة “أوبك” على تجاوز الأزمة الحالية وتحقيق الازدهار في الأعوام المقبلة.

أوقات الأزمات

و في أوقات الأزمات مثل الأزمة الراهنة ثبتت أهمية وضرورة الدور المحوري لمنظمة أوبك في إنقاذ القطاع، لافتا إلى أن انهيار السوق هذا العام دفع الرئيس الأمريكي دونالد ترمب إلى مطالبة “أوبك” وحلفائها بإجراء تخفيضات عميقة للإنتاج، وهو اعتراف بأهمية دور هذا التكتل وتأثيره.

ونقل التقرير عن شركات دولية توقعها أن المستقبل قد يكون مختلفا خاصة في ضوء توقعات بأن يبلغ الطلب على البنزين والديزل ذروته في عام 2032، مشيرا إلى أن “أوبك” ستظل قوية وعلى قيد الحياة لعقود مقبلة، مشيرا إلى أن “أوبك” – من جانبها – واثقة بقوة من دورها المؤثر والريادي في توجيه سوق الطاقة والعمل على خدمة الاستقرار والازدهار في الصناعة على المدى الطويل.

ولفت إلى أن “أوبك” تغلبت على كل دعاوى التشكيك في دورها أو تهميشها وأثبتت جدارتها وعمق تأثيرها في السوق، كما تؤكد دوما أن النفط سيظل وقودا أساسيا في المستقبل، مشيرا إلى أهمية صناعة النفط التقليدية وأن دول العالم الأكثر فقرا ستعاني أكثر من غيرها نتيجة فقدان الموارد والوظائف وزيادة الأعباء الاقتصادية.

وذكر التقرير أنه من المقرر أن تصدر المنظمة أحدث توقعاتها للنفط العالمي في أكتوبر المقبل متضمنة توقعاتها طويلة الأجل لما بعد الجائحة، منوها التقرير بقول محمد باركيندو الأمين العام لمنظمة أوبك “إن التحديات التي يواجهها كوكبنا تتطلب حلولا شاملة، حيث لا يوجد مصدر واحد للطاقة هو الدواء الشافي، وهناك حاجة إلى البحث عن حلول تكنولوجية أنظف وأكثر كفاءة في كل مكان وعبر جميع الطاقات المتاحة”.

المصالح المشتركة

وقال التقرير “إن المصالح والأهداف المشتركة كانت محور تأسيس منظمة أوبك في عام 1960، حيث التقى الأعضاء المؤسسون وهم السعودية والعراق والكويت وفنزويلا وإيران في قمة استمرت خمسة أيام في بغداد بسبب الانزعاج من تخفيضات الأسعار التي فرضتها شركات النفط الدولية “السبع الكبار” العاملة في بلادهم، وسعت المنظمة إلى حماية المصالح المالية لأعضائها من خلال التعاون الجماعي”.

وأشار إلى أنه مع اتساع عضوية المنظمة عبر ثلاث قارات تطورت مهمة “أوبك” لتحقيق ما تعده سعرا عادلا لكل من المنتجين والمستهلكين، ولقد فعلت ذلك من خلال مجموعة متنوعة من الآليات أهمها تحديد نطاقات الأسعار وتنسيق حصص الإنتاج والسقوف الإنتاجية، وهو الأمر الذي واجه صعوبات كثيرة.

ولفتت الوكالة في تقريرها إلى سعى المنظمة الدائم إلى فصل السياسة عن الاقتصاد والتركيز على آليات السوق ومعطياتها وحدها، ولم يتم استخدام إنتاج أوبك النفطي لأغراض سياسية إلا في فترات نادرة مثل الحظر النفطي العربي في السبعينيات.

إدارة السوق

وأشار التقرير إلى أن تأثير المنظمة في سوق النفط كبير وهو ما جعلها تعقد اجتماعاتها الوزارية مرتين سنويا في أمانة “أوبك” في فيينا، موضحا أن “أوبك” كانت تسيطر سابقا على أكثر من نصف إمدادات النفط الخام في العالم، لكن مع ظهور مزيد من الدول المنتجة تضاءلت حصتها في السوق إلى نحو الثلث ما دفعها إلى الانفتاح أكثر وتعزيز التعاون مع بقية المنتجين خصوصا روسيا وتسع دول أخرى وذلك منذ عام 2017 من أجل إدارة السوق بشكل أفضل وبما يخدم مصالح الأطراف كافة.

وذكر أنه في ضوء هذه العضوية المتنوعة والأهداف المتنافسة في بعض الأحيان تكافح “أوبك+” لتحقيق تعافي الطلب وإعادة التوازن للسوق بين الدفاع عن حصتها مقابل دعم الأسعار، مشيرا إلى أنه في الأعوام الأخيرة نفذت “أوبك+” تخفيضات الإنتاج – بمستويات امتثال متباينة – مع الحفاظ على عين حذرة على أداء المنافسين من منتجي النفط الصخري في الولايات المتحدة.

ولفت إلى أن استمرار التنافس بين دول الإنتاج في “أوبك+” والمنتجين الأمريكيين يخدم مصلحة الصناعة والمستهلكين بصفة خاصة ويدحض شكاوى ممارسة الاحتكار، مشيرا إلى أن الإنتاج الأمريكي كان في حالة ارتفاع مستمر لا يرحم حتى اندلعت جائحة كورونا، موضحا أن الوباء بتأثيراته الواسعة في الطلب يقاوم جهود “أوبك” لتعزيز الأسعار من خلال تخفيضات الإنتاج حيث رصد عديد من المنتجين تضخما في عجز الميزانية لديهم.

إعادة التفكير في الخطط

ونقل التقرير عن محللين دوليين تأكيدهم أن الوباء أضر كثيرا بالإنتاج الأمريكي، لكن رقعة النفط الصخري الزيتي في الولايات المتحدة ستظل قوة لا يستهان بها وقد غيرت ديناميكيات السوق، مشيرا إلى استمرار حالة التنافس الإيجابي بين “أوبك+” والإنتاج الأمريكي على الرغم من الصعوبات الراهنة التي تؤثر سلبا في الجميع.

وأضاف أنه “في مواجهة المنافسة الأمريكية نظرت “أوبك” شرقا إلى آسيا حيث قام عديد من أعضائها الأساسيين في الشرق الأوسط باستثمارات كبيرة في المصافي ومصانع البتروكيماويات الآسيوية لخدمة هذه السوق المتنامية”، مشيرا إلى أنه لا يمكن إنكار أن انتشار الوباء أدى بالفعل إلى إعادة التفكير في بعض تلك الخطط، بسبب عدم التيقن من تعافي الطلب على النفط.

وعدّ التقرير “أوبك” تستفيد من مزاياها خاصة تكاليفها المنخفضة لإنتاج النفط الخام والاحتياطيات الهائلة، وذلك كميزة تنافسية ستبقيها تضخ في سوق أضعف في مستويات الطلب، بينما ينسحب منافسوها الأكثر تكلفة، مشددا على أن مسار “أوبك” المستقبلي مضيء، وأنه قد يتضح لاحقا أن جائحة كورونا هي مجرد سعال شديد في سوق النفط التي شهدت كثيرا من الاضطرابات على مدار 60 عاما منذ انطلاق عمل منظمة أوبك.