نقطة ضعف أسواق النفط

د. نعمت أبو الصوف

بقلم: د. نعمت أبو الصوف

تراجعت أسعار النفط عن أعلى مستوياتها التي وصلت إليها في أعقاب الاعتداء على منشآت معالجة وإنتاج النفط في السعودية في وقت سابق من الشهر الماضي.

بالفعل لقد هدأت الأسواق بالوعود باستخدام الاحتياطي الاستراتيجي إذا لزم الأمر، وتصريحات الأمير عبدالعزيز بن سلمان وزير الطاقة السعودي بأن نصف الإنتاج المعطل قد عاد بالفعل وأنه سيتم الانتهاء من أعمال الإصلاح نهاية الشهر الحالي.

كما يبدو أن واشنطن تراجعت عن الرد المباشر واختارت تشديد العقوبات الاقتصادية بدلا من ذلك. إن إعلان إيران أن ناقلة النفط التي تحمل العلم البريطاني حرة في الذهاب، ساعد أيضا على تخفيف حدة التوتر. نظرا لحجم الحدث وطبيعته وتداعياته المحتملة، كان رد فعل السوق هادئا نسبيا. يخضع رد فعل السوق لأي حدث كبير للسياق الذي يحدث فيه وكيف يؤثر في التوقعات القصيرة، المتوسطة والطويلة الأجل لميزان العرض والطلب.

يمكن أن يكون لتعطل الإمدادات المحدودة أو مزيج من الاضطرابات البسيطة، تأثير مبالغ فيه في سوق متشددة بالفعل. حتى الأحداث الكبرى، مثل الاعتداء على منشآت بقيق وخريص، لا يمكن أن يكون لها سوى تأثير طفيف، إذا كانت فترة فقدان الإنتاج قصيرة، المخزون وفير ومتاح، ومعظم العوامل الأخرى تشير إلى الاتجاه الهبوطي.

عدا التأثير المباشر للحدث، فإن عوامل السوق الهابطة مثل التباطؤ في الاقتصاد العالمي والزيادة في الإنتاج من خارج “أوبك” بما في ذلك الولايات المتحدة لم تتأثر.

لكن التوقعات طويلة الأجل بدأت تؤثر بشكل كبير في صلابة أسواق النفط. على مدى الـ12 شهرا الماضية، عزز كثيرون، ومعظمهم من الدول الأوروبية، طموحاتهم المتعلقة بسياسات تغير المناخ. وأبرزها تبني فرنسا والمملكة المتحدة أهدافا لخفض صافي الانبعاثات إلى الصفر بحلول عام 2050.

وهناك احتمال قوي أن يتبنى الاتحاد الأوروبي هدفا مماثلا في ولاية المفوضية الأوروبية المقبلة. قد لا يكون لهذه الأهداف طويلة الأجل تأثير يذكر في ديناميكيات أسواق النفط على المدى القصير، لكن أهداف صافي الكربون الصفري توسع الفجوة الكبيرة بالفعل بين السياسات الحالية والسياسات التي يجب صياغتها إذا أريد تحقيق تلك الأهداف طويلة الأجل. يعد الحظر على المبيعات الجديدة لسيارات محركات الديزل والبنزين التي تم طرحها بصيغة غير ملزمة قانونيا في المملكة المتحدة بحلول عام 2040، شكلا من أشكال السياسات المتعلقة بخفض الاتبعاثات. إن تنفيذ وتأثير أي سياسة من هذا القبيل سيكون أبعد من آفاق السياسات المعمول بها حاليا.

لكن اعتماد هدف صافي الكربون الصفري بحلول عام 2050 يعني أن مثل هذا الحظر من المرجح أن يصبح حقيقة واقعة ومن المرجح أن يتم تنفيذه في وقت أبكر مما كان متوقعا. في الواقع، يجب أن تكون كذلك، إذا أريد تحقيق هذا الهدف. في الواقع من المستحيل خفض صافي الانبعاثات إلى الصفر دون توسيع نطاق جهود إزالة الكربون خارج قطاع توليد الطاقة ليشمل قطاع النقل، الانبعاثات الصناعية والتدفئة والانبعاثات الزراعية. سيزداد الضغط لسد فجوة السياسات الحالية.

نتيجة لذلك، تحتاج أسواق النفط إلى أن تأخذ بجدية أكبر توقيت وتأثير التشريعات التي تستهدف قطاع الطاقة في المستقبل أو أن تخاطر بأن يكون هذا غير صحيح أو قد يتأخر.
تشير التقنيات الحالية والناشئة، التي قد تسهم في خفض صافي الانبعاثات إلى الصفر، إلى حد كبير إلى اتجاه واحد – الكهرباء. حيث من الممكن الحصول على الحرارة والحركة عن طريق الإلكترونات بدلا من الجزيئات، بينما يمكن إزالة الكربون عن النظام الكهربائي بشكل فعال من خلال التوسع السريع المستمر لمصادر الطاقة المتجددة وتصفير صافي انبعاثات الغاز عبر تقنية احتجاز الكربون وتخزينه.

الهيدروجين بدلا من الغاز الطبيعي المسال، ضروري بدوره لتقديم تخفيضات في انبعاثات قطاع النقل الثقيل، خاصة في مجال الشحن، بما يتماشى مع أهداف الكربون 2050. لكن هذا يتطلب أيضا إما احتجاز الكربون وتخزينه أو توليد كميات أكبر من الكهرباء من مصادر منخفضة الكربون ليكون الهيدروجين حقا خيارا لخفض الكربون.

يكمن جوهر المشكلة في القدرة على التوسع في توليد الكهرباء من مصادر تخفض الكربون إلى الحد المطلوب وبالسرعة اللازمة، وليس بسبب الحلول التكنولوجية الجديدة.

يتوافق هذا مع حقيقة أن طاقة الرياح البرية والطاقة الشمسية الكهروضوئية أصبحت بالنسبة لعديد من البلدان أرخص أشكال إمدادات الطاقة، كما أشار تقرير الأمم المتحدة حول الاتجاهات العالمية في الاستثمار في مصادر الطاقة المتجددة الذي صدر أخيرا. حيث قال التقرير إنه في عام 2018، كان حجم الاستثمار في مصادر الطاقة المتجددة على مستوى العالم تقريبا ثلاثة أضعاف ما تم استثماره في محطات توليد الطاقة من الفحم والغاز.

علاوة على ذلك، فإن الاعتداء على منشآت بقيق وخريص برهن أن أسواق النفط ضعيفة وتتأثر بصورة كبيرة بالصراعات الجيوسياسية، مقارنة بإنتاج الطاقة المتجددة المحلية. سيكون للنفط دور أصغر بكثير في نظام كهربة الطاقة.

لقد تم بالفعل استبعاده تدريجيا من قطاع الكهرباء في جميع البلدان تقريبا باستثناء تلك الموجودة في السعودية، حيث توجد وفرة، حتى هناك سعت المملكة إلى زيادة استخدام الغاز الطبيعي في توليد الطاقة لزيادة إمكاناتها التصديرية للنفط.

ويعكس هذا دور قطاع النقل في دعم النفط لكن التآكل المطرد طويل الأجل للطلب على النفط مع زيادة كهرباء قطاع النقل والحرارة لا يعني أنه سيتم تسعير النفط على أساس أسواق الكهرباء.