نقطة تحول من النفط للصناعة

الخبير النفطي الدكتور طلال البذالي ينضم لكتاب (وكالة أنباء النفط www.oilnewsagency.co)

لما سئل أبو بكر الصديق رضي الله عنه و أرضاه عن كيفية التعامل مع الامبراطوريات العظمى (الفرس و الروم), كان رده عجيبا و يحمل فكر جديد لم تشهده العرب من قبل. قال رضي الله عنه موضحا استراتيجيته الجديدة بأنهم – قاصدا الفرس والروم – أعظم ممالك الأرض و لا ينفع معهم الصد والغارة فعلينا أن نناجزهم على ملكهم و ما في أيديهم. و ها نحن اليوم نعيش أيام شبيه بتلك التي عاشها أسلافنا الا أن حربنا ليست عقائدية ولكن حربنا اقتصادية و علينا النظر بتمعن بإستراتيجية الصديق رضي الله عنه و استخلاص الحكمة والعبر منها أما التدبير والتنفيذ فمسؤوليته تقع على عاتق القادة و نسأل الله عز وجل التوفيق والسداد.

عمدت كل من أمريكا وأوروبا والصين والهند واليابان على شن هجمة شرسة منذ سبعينيات القرن المنصرم على محاربة مصدر دخلنا الوحيد (النفط) مستخدمتا المناخ كذريعة و غطاء قانوني لإقناع الدول المستهلكة للحد من استهلاكهم للنفط و بالتالي تقليل قيمته الاقتصادية للدول المنتجة وخفض سعره لخدمة تطورهم الصناعي فمن الحلول التي روجوها بل و أجبروا دول العالم على تبنيها ما يسمى بالطاقة البديلة. و حتى لا أفهم خطأ فأنا من مؤيدين المحافظة على البيئة و المناخ و من عشاق الطاقة البديلة و لكن عندما يصل الأمر لمصالحنا و ديمومة دولنا فلا بد من أن نقف وقفة جادة و نحدد مسارنا فإما أن نكون أو لا نكون.

فمن الاستراتيجيات المتاحة لنا بفضل الوفرة المالية و توفر النفط والغاز بكلفة قليلة هو الدخول في عقر صناعات و منتجات تلك الدول (الصناعات الثقيلة كالحديد والالمنيوم و البلاستيك و الصناعات البتروكيماوية المتنوعة) فدول الخليج خاصة تملك ميزة تنافسية ليست متوفرة لتلك الدول وهي مصدر الطاقة الرخيص ووفرته الهائلة وهذا يعطينا–إن نجحنا – في توفير هذه السلع الصناعية بأسعار تنافسية أقل بكثير مما تقدمه تلك الدول التي ستعاني من كلفة الإنتاج لأمور عديدة مثل ارتفاع الأجور و الضرائب وكلفة المواد الخام و كلفة مصدر الطاقة الذي يعتبر المحرك الرئيسي لتلك الصناعات الضخمة.

بالإضافة إلى رأس المال و مصدر الطاقة – المتوفرين لدينا – تطوير تلك الصناعات يحتاج الي الأيدي العاملة و الخبرات الصناعية للنهوض بتلك الصناعات و هذا أمر ليس بصعب نظرا لوفرتهما في السوق العالمية ونستطيع جذبهما بسهولة و لنا في دولتي الامارات العربية المتحدة و قطر عبرة و دروس نستفيد منها في كيفية جذبهم. و لا أغفل عن توفير مصادر نقل لإيصال تلك المنتجات الي السوق العالمية فنحن – دول الخليج – علينا أن نطور وسائل نقلنا البرية والبحرية لتسهيل توصيل تلك المنتجات للسوق العالمية.

ومن الفوائد العظيمة لخلق تلك الصناعات هو ولادة طبيعية للخدمات المساندة التي تدعم ديمومة تلك الصناعات مثل الصناعة اللوجستية و المصرفية و المعرفية والتكنولوجية والحرفية كما أن الصناعة الزراعية و الغذائية ستحظى بنصيب من التطور والازدهار. أضف الي ذلك كمية الاستثمارات الخارجية التي تطمع في المشاركة في أسواقنا الناشئة. ناهيك عن تغيير ديمغرافي في سوق العمل المحلي و مخرجات التعليم و توفير فرص عمل للأجيال القادمة من أبناء شعوبنا.
فالكويت على أعتاب بناء مدينة الحرير التي تمثل كويتا جديدة فلم لا نجعل مدينة الحرير نقطة تحول من عصر النفط الى عصر الصناعة, فمدينة الحرير قد تكون بداية حقيقية لتنويع مصادر الدخل و تحسين الناتج المحلي و تعزيز اقتصانا المعتمد كليا على النفط.