حقل “ظهر المصري”يضخ 350مليون قدم مكعب من الغاز يوميا

أعلنت الحكومة المصرية، بدء ضخ الغاز الطبيعي من حقل “ظهر” في البحر المتوسط، إلى الشبكة القومية للغاز، بمعدل 350 مليون قدم مكعب يومياً، بشكل مبدئي. ويأتي الإعلان الحكومي تتويجاً لمرحلة أولى من استغلال الحقل شديد الضخامة والذي اكتشفته شركة إيني الإيطالية العام 2015، ويقدر مخزونه من الغاز الطبيعي بين 850 مليار متر مكعب و30 تريليون متر مكعب.

فوزارة البترول المصرية كان قد أعلنت في أكثر من مناسبة، بأن إنتاج الحقل سيمكّنها من التوقف عن استيراد الغاز المُسال تماماً، مع نهاية العام المقبل، وربما البدء في تصديره إلى الخارج مع نهاية 2019. وإثر نجاح البدء في الإنتاج الفعلي من الحقل بعد عامين فقط على اكتشافه، من دون التوقف أمام عوائق فنية أو بيروقراطية، فإن تحقق طموحات الحكومة في تحويل الضغط التي تمثله واردات الغاز المسال إلى الخزانة العامة، إلى مصدر للعملة الصعبة، تبدو أقرب إلى الواقع القريب جداً.

بل إن مقترحات حول استخدام الغاز الطبيعي في توليد الكهرباء، بشكل كامل، في المستقبل غير البعيد، ربما يمكّن مصر من العودة إلى تصدير البترول أيضا، بدلاً من استيراده.

تبدو الصورة مبشرة بالفعل. فحقل ظهر، الذي اشترت شركة روزنفت الروسية 30% منه في أكتوبر الماضي، بعدما حصلت شركة “بريتش بتروليوم” على 10% منه العام الماضي، يكشف شهية “اللاعبين الكبار” المفتوحة على الاستثمار في قطاع الغاز في مصر، بحسب وزير البترول المصري، طارق الملا. كما أن الحكومة المصرية أعلنت نيتها طرح التنقيب عن البترول والغاز الطبيعي في حوض البحر الأحمر، خلال النصف الأول من العام المقبل، خصوصاً أن اتفاقية ترسيم الحدود البحرية مع السعودية، طمأنت الشركات العالمية إلى حصانة استثمارها المستقبلي من احتمال النزاعات الحدودية. وعملية “تحرير” منظومة الغاز في مصر، والتي بدأت أولى خطواتها بقانون أصدره الرئيس السيسي في أغسطس الماضي، وأتاحت للقطاع الخاص دوراً أكبر في نقل الغاز وبيعه، نالت ثناء المؤسسات المالية الدولية، لا سيما بعد تبني الحكومة مؤخراً سياسةً مرنة لتسعير الغاز، بهدف اجتذاب المزيد من الاستثمارات في مجال التنقيب.

إلا أن الأخبار عن بدء الإنتاج في حقل “ظهر”، لا تحمل بُعداً محلياً فقط. فعلى إثرها، تهاوت أسعار شركات الغاز الإسرائيلية، بعدما تأكد أن طموحات تصدير الغاز الإسرائيلي إلى مصر أصبحت غير واقعية، بل وأن على منتجي الغاز الإسرائيلي مواجهة منافسة من الغاز المصري أيضاً على أسواق التصدير. وتبدو مصر متقدمة بخطوة في هذا الشأن. ففي خلال النصف الثاني من نوفمبر، اجتمع الرئيس المصري في نيقوسيا برئيس الوزراء اليوناني والرئيس القبرصي، ووقع اتفاقات مع البلدين، للتعاون في استغلال المخزون الهائل من الغاز في شرق المتوسط، وكان من بينها اتفاق مبدئي على مشروع لمد خط للغاز بين قبرص ومصر. وبعد أيام على تلك الزيارة، أصدرت المفوضية الأوروبية بياناً، أعلنت فيه دعمها لاستغلال مخزونات الغاز الطبيعي في كل من قبرص ومصر وإسرائيل، لتأمين احتياجات أوروبا من الطاقة في المدى الطويل.

لكن التحول المفاجئ لمنطقة حوض شرق المتوسط، كمخزن هائل لموارد الطاقة، مع أنه يبدو مبشراً بالنسبة للاقتصاد المصري، إلا أن تفاصيل تعامل الحكومة المصرية معه لا تبدو مبشرة بالقدر نفسه. فمجلة ” بترول إيكونومست”، في تقرير لها، الشهر الماضي، كشفت أن إنتاج حقول الغاز المصرية في الصحراء الغربية والدلتا، يتراجع بمعدل 20% سنوياً، وإن الحفاظ على مستويات الإنتاج الحالية، يتطلب ضخ استثمارات سنوية، مرتفعة الكلفة. وبالأخذ في الاعتبار أن الطلب المحلي على الغاز من المتوقع له أن يرتفع من 72 إلى 90 مليار متر مكعب بين العامين 2020 و2025، فمن المرجح أن تنتهي مصر إلى العودة لاستيراد الغاز، بعد سنوات قليلة من ضلوعها في التصدير.

ولا يبدو هذا مفاجئاً. فمصر توقفت بالفعل عن تصدير الغاز، في العام 2014، وتحولت إلى استيراده في العام التالي، بل ومن إسرائيل ذاتها التي كانت تصدر لها في السابق. وبالنظر إلى تلك التوقعات في المدى القريب، ليست مفهومة الدوافع خلف هرولة الحكومة المصرية إلى فكرة التصدير، وإعادة أخطاء الماضي ذاتها، بتبديد احتياطات الطاقة، من دون مشقة التخطيط للمستقبل ولو حتى لعقد واحد.

ولو افترضنا جدلاً بأن اكتشافات مستقبلية، ستضمن لمصر احتياطات هائلة من الغاز، لا يبدو التصدير مجزياً من الناحية الاقتصادية، وفي المدى القصير أيضاً. ففي تقرير لوكالة “رويترز” عن احتياطات الغاز القبرصي، الشهر الماضي، صرح مسؤول من شركة إيني الإيطالية، بأن استخراج الغاز هناك لم يعد المشكلة، بل إن “التحدي هو في إيجاد من يرغب في شرائه”. ويكتفي التقرير بالإشارة إلى تدني أسعار الغاز عالمياً. لكن، يمكننا أن نتصور أيضاً أن منافسة على التصدير من دول شرق المتوسط، لها أن تدفع الأسعار إلى مستويات أدنى بكثير.

في إسرائيل، أعلنت الحكومة أن كافة محطات توليد الكهرباء، ستعمل بالغاز الطبيعي بحلول العام 2020، كما قبلت في العام 2011 بتوصيات لجنة “شيشنسكي”، لمراجعة حقوق الاستغلال والتنقيب عن الغاز والبترول، وتعديل حصصها وشروطها لصالح الحكومة والمنفعة العامة، على حساب الشركات الأجنبية. فيما تتزايد الضغوط عليها من جماعات يسارية وبيئية لمنع تصدير الغاز الإسرائيلي، بتاتاً، لضمان احتياجات الطاقة المستقبلية لأجيال آتية. أما في مصر، فإن إعادة أخطاء الماضي، بحذافيرها، وتبديد المستقبل، بلا عائد يذكر في الحاضر، يبدو معبّراً عن سياسات الدولة في مصر، التي تظل كما هي، ولو تغير بعض وجوهها.