خليجي

مكامن الخلل في البيانات .. الاقتصاد الأمريكي على وشك الانكماش لأعوام

هل وصلت خطط الرئيس جو بايدن لإصلاح الاقتصاد الأمريكي إلى منتهاها؟ وإلى أي مدى نجح في الوفاء بوعوده الاقتصادية؟ وهل ما تبقى له من وقت في سدة السلطة كاف للمضي قدما، وتنفيذ وعوده وتعهداته الاقتصادية؟ أم أن الوقت قد أزف للإقرار بأن ما وعد به من إصلاحات اقتصادية كان مبالغا فيه إن لم يكن واقعيا أو عمليا؟

في خطابه الأخير عن حالة الاتحاد، حث الرئيس بايدن المشرعين على “إنهاء العمل” في إشارة إلى ضرورة الإسراع بتنفيذ عملية الإصلاح الاقتصادي التي دعا إليها عندما ترشح لانتخابات الرئاسة عام 2022، وخلال الخطاب دعا بايدن إلى فرض ضريبة جديدة على الأثرياء، والحد من سطوة شركات التكنولوجيا الكبرى، وتقديم مزيد من أشكال الدعم المالي للعائلات، حتى في أوقات الإجازات المرضية.

في الحقيقة كانت دعوة الرئيس بايدن للإصلاح الاقتصادي، اعترافا غير مباشر بأن عديدا من وعوده الاقتصادية لم تتحقق، وأن المقترحات التي تقدمت بها إدارته في العامين الماضيين لم تنجز، وذلك على الرغم من سيطرة الديمقراطيين على الكونجرس، والآن مع حصول الجمهوريين على الأغلبية في مجلس النواب، فإن فرص بايدن وإداراته في تحقيق رؤيتها الاقتصادية باتت ضئيلة أن لم تكن معدومة.

بالتأكيد لم يكن العامان اللذان قضاهما الديمقراطيون في سدة السلطة بلا إنجازات، فالإدارة الأمريكية حققت خطوات إيجابية برصد مبلغ 550 مليار دولار لتطوير شبكة الطرق والجسور ومشاريع البنية التحتية الأخرى، كما وجهت 280 مليار دولار للاستثمار في التصنيع عالي التقنية، خاصة في مجال الرقائق الإلكترونية التي تمثل الصراع التكنولوجي الأبرز حاليا بين الولايات المتحدة والصين، كما ضخت إدارة بايدن 400 مليون دولار في مجال تقنيات الطاقة الخضراء.

ورغم تلك المبالغ المالية الضخمة المنفقة على تطوير قطاعات حيوية للاقتصاد الأمريكي، فإن استطلاع الرأي الذي أجرته صحيفة واشنطن بوست بالاشتراك من “إيه بي سي نيوز” يكشف أن النظرة العامة وبأغلبية ساحقة بلغت 62 في المائة ترى أن إدارة بايدن أخفقت في تحقيق أهدافها الاقتصادية، وفي أفضل تقدير أنجزت قليلا مما وعدت به، الأكثر خطورة بالنسبة للبيت الأبيض أن 22 في المائة من الديمقراطيين لديهم القناعة نفسها، ويكاد يكون من المؤكد أن وجهة النظر تلك لن تتغير من الآن حتى موعد الانتخابات الرئاسية المقبلة.

من جانبه، يرى البروفيسور سبنسر بلاك أستاذ الاقتصاد الدولي في جامعة لندن، أن الاقتصاد الأمريكي أضعف بكثير مما تشير إليه البيانات، وسيكون على وشك الانكماش لأعوام، وهناك كثير من المعوقات التي تواجهه حاليا، وستبقي تلك المعوقات، الاقتصاد بطيئا للغاية وعلى حافة الركود، بل يمكن أن يقع في الركود.

إلا أن وجهة نظر البروفيسور سبنسر بلاك تبدو مخالفة لما يقوله معلقون مستشهدين ببيانات اقتصادية قوية للاقتصاد الأمريكي، فعلى الرغم من مخاوف تباطؤ النشاط الاقتصادي نما الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 2.9 في المائة في الربع الأخير من العام الماضي، وتم إيجاد 517 ألف وظيفة في كانون الثاني (يناير) الماضي متجاوزا بذلك توقعات الاقتصاديين.

لكن البروفيسور بلاك يرى أن هناك عديدا من مكامن الخلل في تلك البيانات، فعلى سبيل المثال انخفض التوظيف في كانون الثاني (يناير) فعليا بمقدار 2.5 مليون عامل عندما لم يتم تعديل بيانات التوظيف الموسمي، أما نمو الناتج المحلي الإجمالي في الربع الرابع من عام 2022، فيعود إلى الزيادة الكبيرة في المخزون، ما يجعل الاقتصاد يبدو كما لو كان يتوسع بشكل أسرع مما هو عليه في الواقع، ويعتقد البروفيسور سبنسر بلاك أن الاقتصاد الأمريكي وفي أفضل تقدير نما بأقل من 1 في المائة.

ويرجع كثير من الخبراء ذلك إلى حد كبير إلى تأثير رفع بنك الاحتياطي الفيدرالي لأسعار الفائدة لكبح معدلات التضخم، فالأسعار عند أعلى مستوى لها منذ عام 2007، ما قد يدفع الاقتصاد الأمريكي بسهولة إلى الركود، خاصة أن الأسواق قد شعرت بالفزع بعد التقرير الأخير للتوظيف، الذي اقترح أن يواصل الفيدرالي الأمريكي رفع أسعار الفائدة لتحقيق أهدافه.

مع هذا يرى دي.إن.سيمون الخبير المصرفي والاستشاري في بنك إنجلترا، أن الاحتياطي الفيدرالي قد يتحول قريبا إلى خفض أسعار الفائدة بسبب الضعف المتزايد في الاقتصاد، خاصة إذا عاد التضخم إلى معدل 2 في المائة بحلول عام 2024، لكن حتى إن حدث هذا فلن يساعد الرئيس بايدن على إنجاح مخططاته الاقتصادية.

وقال لـ”الاقتصادية” إن “حالة الانقسام الراهن في الرؤية الاقتصادية بين الديمقراطيين والجمهوريين حادة للغاية وتعيق عمليا أي إمكانية للتعاون، حتى في القضايا التي اتفقوا عليها مثل تقليص قوة شركات التكنولوجيا الكبيرة، فالحديث عن القواعد التي ستطبق لتحقيق ذلك مختلف عليها بقوة”.

ويعتقد دي.إن.سيمون أن هناك إدراكا أوسع نطاقا بأن جدول أعمال الرئيس بايدن بإعادة بناء الاقتصاد الأمريكي، كان مبالغا فيها، ولا يوجد دعم حقيقي لها.

مع هذا يشير خبراء إلى أن ما أنجز في العامين الماضيين من قبل إدارة البيت الأبيض خاصة في مجال توفير مزيد من فرص العمل لا يمكن الاستهانة به، فوفقا للإحصاءات الصادرة عن البيت الأبيض تم توفير 12 مليون وظيفة من بينهم 800 ألف وظيفة في القطاع الصناعي، ووصل معدل البطالة إلى أدنى مستوى له منذ 54 عاما.

بيد أن الدكتور جون كاسيدا أستاذ الاقتصاد المقارن في جامعة أكسفورد، يرى أن تلك الأرقام على إيجابيتها لا تخفي أن الاقتصاد الأمريكي يمر بأزمة داخلية تعود إلى مجموعة من التناقضات التي لم تفلح الإدارات الأمريكية المتعاقبة على حلها.

وذكر لـ”الاقتصادية” أن “إدارة بايدن تصر على أنها ليست حمائية كالإدارة السابقة للرئيس ترمب، لكنها في الوقت ذاته ترى ضرورة أن تقوم الدولة برعاية القدرة التصنيعية للولايات المتحدة، خاصة في مجالات أشباه الموصلات وبطاريات السيارات الكهربائية، وهناك ثلاثة عوامل أثرت على التفكير الأمريكي بهذا الشأن، صعود الصين، واستخدامها لما تقول الولايات المتحدة أنها أساليب غير سوقية لتعزيز مركزها التنافسي في المجالات الاقتصادية الرئيسة، ثانيا جائحة كورونا التي كشفت عن نقاط الضعف في سلاسل التوريد التي يواجهها الاقتصاد الأمريكي، نتيجة عقود من نقل عمليات التصنيع من الولايات المتحدة إلى الخارج، ثالثا قضية التغيير المناخي التي تتطلب تحولا سريعا في إنتاج الطاقة والنقل”.

وأضاف، برنامج بايدن الاقتصادي لم يحقق النجاح المأمول، رغم أن هناك اتفاقا شبه عام بين القوى الأمريكية حول طبيعة المشكلات والتحديات الاقتصادية التي تواجهها الولايات المتحدة الآن ومستقبلا، لكن لا يتوفر حد أدنى من الاتفاق حول الحلول واجبة التنفيذ، وهذا ما جعل عديد من القوى لا تقبل البرنامج الاقتصادي لبايدن، وتحول دون تنفيذه على أرض الواقع.


Source link

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى