مصر وألمانيا.. شراكة “تقنية” في إنشاء أكبر مشروعات لتوليد الطاقة الكهربائية

تعد ألمانيا شريكًا تقنيًا لمصر في إنشاء أكبر مشروعات توليد الكهرباء، ذلك في الوقت الذي مثلت فيه الكهرباء أزمة كبيرة في ظل الانقطاعات المتكررة التي شهدتها البلاد في عام 2014 وأوائل العام 2015، ومثلت العلاقة الإستراتيجية بين البلدين أهمية كبيرة في تحقيق قفزات تنموية كبيرة في هذا القطاع خلال الأعوام الأربعة الماضية.

وتكتسب الزيارة التي يقوم بها الرئيس عبدالفتاح السيسي، إلى العاصمة الألمانية، برلين، اليوم الأحد، أهمية بالغة، لاسيما وأنها تعد الزيارة الثالثة إلى ألمانيا، والقمة السادسة مع المستشارة الألمانية، أنجيلا ميركل، في ظل اتجاه القيادة السياسية للبلدين في دفع عجلة الاستثمار قدمًا وزيادة حجم العلاقات الثنائية.

ويعد الجانب الاقتصادي، أحد أهم جوانب العلاقات المصرية الألمانية، وألقى التواجد الألماني من خلال مشاركة وفد ألماني رفيع المستوى، في مؤتمر شرم الشيخ الاقتصادي، الذي انعقد في العام 2015، بظلاله على التوجه الألماني في دعم الاستثمار في مصر.

ويرى تقرير للهيئة العامة للاستعلامات، أن توقيع مجموعة من المشروعات فى مجال الطاقة بنحو 12 مليار يورو مع شركة “سيمنز” الألمانية، حيث شاركت هذه الشركة الألمانية العملاقة بنصيب كبير فى إنجاز ملحمة تطوير قطاع إنتاج الكهرباء فى مصر فى السنوات الأربعة الماضية، إنما يعد ترجمة حقيقية لإدراك ألمانيا أن مصر تعد مقصدا استثماريا مهما وسوقا واعدًا.

وعلى إثر هذا الاتفاق المبرم بين الجانبين، بدأت شركة سيمنز في الإسهام في معالجة الانقطاعات المتكررة للكهرباء، من خلال المشاركة في تدشين وحدات الخطة العاجلة، التي أعلنت عنها وزارة الكهرباء والطاقة المتجددة، والتي استطاعت أن تعالج الأزمة في غضون أشهر قليلة من الإعلان عنها.

لكن “سيمنز” استطاعت أن تسابق الزمن، وحققت في غضون نحو 18 شهرا فقط من تاريخ توقيع العقود، وسجلت رقما قياسيا عالميا جديدًا في تنفيذ مشروعات عملاقة، وهو افتتاح المرحلة الأولى من المشروعات العملاقة لمحطات “العاصمة الإدارية والبرلس وبني سويف”، والتي نجحت خلالها في إحراز تقدم ملحوظ في الجهود الرامية لزيادة قدرات مصر من إنتاج الطاقة الكهربائية بنسبة 45% مقارنة بالقُدرات الحالية.

وفي 24 يوليو من العام الجاري، شهد الرئيس عبدالفتاح السيسي، والدكتور محمد شاكر، وزير الكهرباء والطاقة المتجددة، افتتاح عدة مشروعات عملاقة من محطة العاصمة الإدارية الجديدة بالفيديو كونفرانس، بينها افتتاح محطات “البرلس والعاصمة الإدارية الجديدة، وبني سويف”، في أعقاب انتهاء شركة سيمنز الألمانية، وقطاع الكهرباء من تنفيذ المشروعات؛ وإضافة قدرات جديدة للشبكة القومية للكهرباء.

وقال الدكتور أيمن حمزة، المتحدث باسم وزارة الكهرباء والطاقة المتجددة، إن ألمانيا ممثلة في شركة سيمنز تعد شريكا فاعلا في قطاع الطاقة في مصر، حيث مثل افتتاح محطات “البرلس وبني سويف والعاصمة الإدارية والجديدة”، انطلاقة هائلة في القطاع بعد إضافة قدرات بنحو 14 ألفًا و 400 ميجا وات، بتكلفة 6 مليارات يورو.

وتعتمد المحطات الثلاث على الغاز الطبيعي بتكنولوجيا الدورة المركبة، وتبلغ القدرة الكهربائية للمحطة الواحدة 4.8 جيجاوات، وبإجمالي قدرة تصل إلى 14.4 جيجاوات، كما تحتوي المحطات، التي تعبتر من أكبر وأحدث المحطات في العالم، على 24 من توربينات سيمنس الغازية طراز H-Class، التي تم اختيارها لمستويات الإنتاجية والكفاءة العالية التي تتسم بها.

وأسهم دخول تلك المحطات في الخدمة في رفع كفاءة الوحدات بالمحطات من 41 إلى 50%، كما ستوفر إمدادات بترولية بقيمة 1.3 مليار دولار، وهو ماجعل متحدث وزارة الكهرباء، يصف التعاون المصري الألماني في قطاع الكهرباء بـ”الفاعل”، والمهم في تحريك عجلة التنمية.

وقال الدكتور محمد شاكر، وزير الكهرباء، في تصريح صحفي سابق، إنه لا شك أن مشروعات سيمنز ستمثِل إضافة مهمة في إستراتيجية الوزارة لتحقيق الكفاءة في منظومة الطاقة من خلال التركيز على بناء جيل جديد من الكوادر والخبراء المصريين، ويتم التعاون مع الشركة لتدريب 600 من المهندسين والفنيين المصريين الذين سيساهمون بدورهم في مستقبل الطاقة في مصر، وسينقلون خبراتهم للآخرين، مشيراً إلى مشروعات سيمنز نموذج رائع يظهر مدى انفتاح مصر، وإدراك الدولة أهمية العمل مع شركاء دوليين، لدفع عملية النمو الاقتصادى المستدام الذي تسعى إليه الدولة.

ولم يتوقف التعاون الألماني عند هذا الحد، بل استمر ليكون شريكًا أساسيًا في مشروعات الطاقة المتجددة، ومحركًا كبيرًا لإستراتيجية وزارة الكهرباء والطاقة المتجددة، التي تستهدف تحقيق نحو 45% من الكهرباء من الطاقة المتجددة، وذكر تقرير صادر للسفارة الألمانية في مصر، أن الحكومة الألمانية تدعم التوسع فى الطاقات المتجددة ورفع كفاءة الطاقة بتقديم المشورة بشأن “توجه مصر نحو الطاقة المتجددة”، حيث تعقد حوارات سياسة الطاقة النظيفة فى إطار اجتماع اللجنة المصرية الألمانية المشتركة للطاقات المتجددة وكفاءة الطاقة وحماية البيئة، بذلك أصبح من الممكن على سبيل المثال، اعتماد تعريفة كهرباء لوحدات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح المملوكة لشركات خاصة.

لكن الخبير في شئون الطاقة، الدكتور جمال القليوبي، يرى أن القيادة السياسية في مصر ارتأت ضرورة أن تكون لدي مصر قدرات لحل أزماتها الاقتصادية وحل أزمة الكهرباء، التي تعد بمثابة أمن قومي للبلاد، لاسيما في الوقت التي كنا نعاني فيه من نقص في إمدادات الكهرباء.

ولم تتوقف مصر عند حد معالجة أزمة نقص الإمدادات في هذا القطاع فحسب، بل قال القليوبي، إن مصر أضحت من ضمن “6 – 7″ دول عالميا التي تصدر تكنولوجيا الدورة المركبة للتوربينات، والتي تتميز مصر فيها، لافتا إلى أنها لديها قدرات تسويقية عالمية.

الخبير في شئون الطاقة، رأى أن المشروعات التي نفذتها شركة سيمنز الألمانية في مصر، قفز بها لتكون واحدة من بين 3 شركات عالمية في تسويق منتجاتها بعد نجاح التجربة المصرية في بناء 7 محطات وصيانة 13 محطة.

وأضاف التقرير الألماني، بالقول” كما دعمت ألمانيا مالياً واستشارياً تأسيس مركز إقليمى يكون بمثابة غرفة عمليات لمتابعة الطاقة المتجددة وكفاءة الطاقة، وتمول ألمانيا أيضاً استثمارات فى الطاقة المتجددة مثل أول مزارع رياح مصرية فى منطقة الزعفرانة وخليج الزيات على ساحل البحر الأحمر، وستكون مزرعة رياح خليج السويس أكبر مزارع الرياح فى القارة الأفريقية. أيضاً تساعد ألمانيا فى إعادة تأهيل المولدات القديمة للسد العالى فى أسوان وتمول تكنولوجيا توليد الكهرباء باستخدام الألواح الشمسية”.

ويرى التقرير، أنه لا يقل معيار كفاءة الطاقة أهمية عن توليد الطاقة، لذلك توفر ألمانيا مخصصات مناسبة للاستفادة من الطاقة الموجودة بشكل أفضل. ويقدر حجم التعاون الألمانى مع مصر فى مجال الطاقة بحوالى 450 مليون يورو، جزء كبير منها فى شكل تسهيلات ائتمانية، وفيما يتعلق بالاستثمارات الألمانية فى مجال الطاقة المتجددة، توجد مشاركة كبيرة من جانب الشركات الألمانية المتخصصة فى الطاقة المتجددة، فى المشروعات المصرية، خاصة فى محطات الطاقة الشمسية الكهروضوئية.

وقال المهندس جابر دسوقي، رئيس الشركة القابضة لكهرباء مصر، إن مصر تعمل على عدد من المحاور من أجل توسيع وتنويع مصادر الطاقة لتوفير احتياجاتها من الطاقة، وتحسين الحوكمة وتحقيق الاستدامة المالية، حيث تستهدف مصر نظام طاقة قوي لدعم التنمية الاقتصادية المستدامة طويلة الأجل، التي تؤدي إلى أهمية وضع إستراتيجية لقطاع الكهرباء، والتي ستكون قادرة على تأمين الكهرباء اللازمة للاقتصاد، واتباع المعايير التشغيلية وتنويع مزيج الطاقة وتشجيع القطاع الخاص على المشاركة في العملية بأكملها.

ولفت دسوقى، خلال الملتقى العربي الألماني، الذي عقد قبل نحو يومين، إلى العلاقات المتميزة التى تربط بين مصر وألمانيا في العديد من جوانب التعاون المختلفة بمختلف المجالات، مؤكدًا، أن قطاع الطاقة في ألمانيا يعد من بين أكثر القطاعات إبداعًا ونجاحًا على مستوى العالم، مشيرًا إلى أنه قد تم اتخاذ خطوات ناجحة في هذا المجال، بحيث نجح قطاع الكهرباء والطاقة التجددة المصري فى الانتهاء من العديد من المشروعات والبرامج بالتعاون مع الجانب الألماني للاستفادة من خبراته المتميزة والتكنولوجيا المتقدمة.