ما القادم لأسواق النفط؟

هل يتجنب النفط الصخري العاصفة مرة أخرى؟
د. نعمت ابو الصوف

بقلم-نعمت ابو الصوف:

ارتفعت أسعار النفط بداية هذا الشهر إلى أعلى مستوى لها منذ تشرين الثاني (نوفمبر) 2014، حيث وصل سعر خام برنت إلى 86 دولارا للبرميل، وارتفع خام غرب تكساس الوسيط فوق مستوى 76 دولارا للبرميل عند نقطة واحدة في منتصف الأسبوع الأول من الشهر.
على مدى الشهرين الماضيين، كان عدم اليقين هو الهاجس المهيمن على أسواق النفط. على جانب العرض، هناك عدم يقين بشأن كمية النفط الإيراني، الذي ستتمكن الولايات المتحدة من إيقافه. ثم هناك عدم يقين بشأن حجم الطاقات الاحتياطية، التي يمكن لدول “أوبك” الأخرى وحلفائها من خارج المنظمة وضعها في السوق في غضون فترة قصيرة لتحل محل الخسائر الإيرانية. وأخيرا، من ناحية الطلب، هناك عدم يقين بشأن ما إذا كانت أسعار النفط عند أعلى مستوياتها في أربع سنوات، وبالتالي أسعار الوقود عند أعلى مستوياتها في عدة سنوات، قد أدت بالفعل إلى تباطؤ نمو الطلب على النفط، خاصة في الأسواق الناشئة، التي تعتبر المحرك الرئيس لنمو الطلب على النفط، ولكنها عانت انخفاضا كبيرا في قيمة عملاتها مقابل الدولار الأمريكي خلال الشهرين الماضيين، ما يجعل النفط الذي تشتريه أكثر تكلفة.
ثم هناك موقف المضاربة، الذي اتخذته صناديق التحوط ومديرو الأموال الآخرون في الأسابيع الأخيرة، حيث تتزايد الرهانات التصاعدية وسط مخاوف من أن العقوبات الأمريكية على إيران يمكن أن تزيل ما يقرب من مليوني برميل يوميا من أسواق النفط في أقل من شهر.
في الوقت الذي ارتفعت فيه أسعار النفط إلى أعلى مستوياتها في أربع سنوات في بداية الشهر الحالي، بدأت المملكة العربية السعودية وروسيا في طمأنة السوق بأنهما رفعتا بالفعل إنتاجهما النفطي في الأسابيع الأخيرة، تماشيا مع اتفاق “أوبك” وحلفائها في حزيران (يونيو).
بدأ الارتفاع الأخير في أسعار النفط بعد الاجتماع الأخير للجنة المتابعة الوزارية المشتركة بين “أوبك” وحلفائها في نهاية أيلول (سبتمبر)، حيث لم توص اللجنة بأي زيادة فورية في الإنتاج. إن قرار لجنة المتابعة الوزارية الأخير والأدلة المتزايدة من بيانات تتبع الناقلات بأن صادرات النفط الإيرانية بدأت في الانخفاض أسرع مما توقع معظم المشاركين في السوق، شجعا المضاربين على رفع مراكز الشراء، وبدأ بعض المحللين في التنبؤ بأن احتمال وصول أسعار النفط إلى 100 دولار للبرميل بحلول نهاية العام لا يمكن استبعاده.
وبدأت صناديق التحوط ومديرو الأموال الآخرون في المراهنة على ارتفاع الأسعار مرة أخرى، وقاموا بذلك في أسواق برنت في خمسة أسابيع متتالية، حتى الأسبوع الأول من هذا الشهر، عندما انخفضت عقود شراء برنت لأول مرة في ستة أسابيع. في الأسبوع الأول حتى 2 تشرين الأول (أكتوبر)، انخفض مركز صافي الشراء في أسواق برنت 2.9 في المائة، بعد زيادة 53 في المائة في الأسابيع الخمسة السابقة، وفقا لتقديرات “بلومبيرج” لسوق النفط الأوروبية ICE. انخفض عدد سندات الشراء 1.5 في المائة، ولكن الأهم من ذلك هو عدد سندات البيع، التي ارتفعت 24 في المائة في الأسبوع حتى 2 تشرين الأول (أكتوبر)، وهو أكبر عدد منذ أيار (مايو).
في الوقت الذي بلغ فيه سعر برنت 86 دولارا، كانت المملكة العربية السعودية تنتج نحو 10.7 مليون برميل في اليوم، أقل قليلا من المستوى القياسي الذي أنتجته في تشرين الثاني (نوفمبر) 2016 والبالغ 10.72 مليون برميل في اليوم، وبإمكان المملكة تجاوز هذا المستوى في الشهر المقبل.
في حين عكست روسيا بالفعل جميع التخفيضات، التي تعهدت بها في الاتفاق مع “أوبك” البالغة 300 ألف برميل في اليوم، وأضافت إلى إنتاجها نحو 100 ألف برميل في اليوم في أيلول (سبتمبر)، حسبما قال وزير الطاقة الروسي في وقت سابق من هذا الشهر، لكنه أشار إلى أنه في ظل عدم اليقين الذي يهيمن على الأسواق حاليا، لا يستطيع أن يستبعد أن تصل أسعار النفط إلى 100 دولار للبرميل.
يدرك جميع مسؤولي النفط، أن الأسعار المرتفعة غير جيدة للمستهلكين، إضافة إلى ذلك فإن قوة الدولار الأمريكي تجعل النفط أكثر تكلفة في البلدان المستوردة خارج الولايات المتحدة. فبسبب قوة الدولار، ارتفعت أسعار النفط الحالية بالفعل في عملات مثل اليورو الين والروبية الهندية إلى مستويات بدأت تؤدي إلى تباطؤ الطلب بصورة مشابهة لما حدث في المرتين السابقتين عامي 2008 و2013، وفقا لتقديرات “رويترز”. لكن حتى هذا الوقت من العام، ظل الطلب على النفط قويا، على الرغم من التوقعات بأن ارتفاع أسعار النفط سيؤثر في نمو الطلب.
وكان “جي بي مورجان” قد توقع أن ينخفض نمو الطلب هذا العام، لكنه أشار إلى أن الطلب كان قويا نسبيا حتى الآن. ومع ذلك، يرى “جي بي مورجان” في العام المقبل نموا في الطلب يبلغ 1.1 مليون برميل في اليوم، وهو أقل من وجهة نظر المحللين الذين يتوقعون أن ينمو بمعدل 1.5 مليون برميل في اليوم. وستستمر أسواق النفط في الاستجابة إلى المخاطر المتعلقة بالإمدادات، وفقا لما ذكره “جي بي مورجان”، الذي أشار أيضا إلى اثنين من أوجه عدم اليقين الرئيسة في جانب العرض – الطاقات الاحتياطية الفعلية في العالم، وقدرة المملكة العربية السعودية على رفع الإنتاج.
إن الغموض المستمر في جانب العرض والطلب يجعل السوق والمشاركين متوترين؛ لذلك قد تكون أسعار النفط أكثر عرضة من المعتاد إلى الشائعات والأخبار والتعليقات إلى أن تبدأ العقوبات الأمريكية على إيران في غضون ثلاثة أسابيع. حتى ذلك الوقت ستعاني الأسواق تقلبات كبيرة في الأسعار.