ماذا بعد زيادة أسعار الوقود؟

كتب:جمال بنون

همنا في القرارات الأخيرة، من رفع الدعم عن أسعار الوقود والطاقة، أن ينخفض معدل الاستهلاك من 5 ملايين برميل نفط يومياً إلى مستويات أقل، ووفق البيانات تصل إلى أكثر من 35 في المئة من إجمالي إنتاج النفط في السعودية، وهذا الرقم مخيف ويشكل قلقاً للمسؤولين، وخاصة أنها كانت ولا تزال أحد مصادر الدخل، فهذا يعني أنه من الضروري أن تستفيد من كل دولار يتم إنفاقه لإخراج النفط بما يحقق لك تنمية مستدامة.

سألني أحد الأصدقاء، هل سينخفض لديكم استهلاك الوقود وترتفع إيرادات الدولة بعد القرار الأخير؟ فأخبرته أن الهدف من زيادة الأسعار بالتأكيد ليس المقصود إضافة مبالغ ضخمة من إيرادات البيع، فالمتوقع أن تصل إجمالي إيرادات البيع المحلي إلى 100 بليون ريال، وهذا الرقم يعتبر صغيراً إذا نظرنا إليه كبلد منتج للنفط وليس مستورداً، من حيث الكلفة أو التكرير، بل إن المقصود أن ينخفض معدل الاستهلاك السنوي بشكل لافت، خاصة أنه عالمياً يواجه تذبذباً في الأسواق مع تراجع الطلب على النفط وحِدّة المنافسة بين النفط الصخري والتقليدي، وغيرها من مشكلات أخرى سياسية واقتصادية، فضلاً عن الخلاف الدائم في منظمة أوبك بين الأعضاء، وهذا كله يجعل سوق النفط مضطربة دائماً.

بالنسبة لوقود السيارات، كان الطلب يتزايد سنوياً بشكل مخيف، فمن يصدق أن نحو 20 مليون سيارة تسير في شوارعنا وطرقنا بعدد السكان السعوديين، كان نصيب النقل 60 في المئة من إجمالي الاستهلاك المحلي، تخيلوا حجم التلوث الذي تتعرض له الشوارع من خلال الانبعاثات الكربونية، حتى أنها احتلت المرتبة الـ10 وفق إحصاءات مركز تحليل معلومات ثاني أكسيد الكربون التابع للأمم المتحدة، هذا يعني أن البلد كانت تسير نحو كارثة صحية وسوء سلوك مع الطاقة بالاستهلاك المفرط، مع زيادة الحوادث المرورية، التي حصدت أرواحاً كثيرة، إذ سجل معدل الوفيات والمصابين نتيجة الحوادث المرورية معدلات عالية ومخيفة. هل تصدقون أننا نضيف سنوياً إلى قائمة ذوي الحاجات الخاصة والعاهات المستديمة نحو ألفي مصاب وأكثر من سبعة آلاف قتيل جراء الحوادث سنوياً، وبحسب تقرير منظمة الصحة العالمية فإن الطرق السعودية تعد من بين الأخطر في العالم. لا أريد أن أفجعكم بهذه الأرقام، وإنما أحاول أن أقدم لكم المبررات التي دفعت الحكومة السعودية لرفع الدعم عن أسعار الوقود. ربما يكون صادف برنامج معالجتها لهذه الأزمة، تنفيذ برنامج رؤية 2030، ويرى البعض أنها تريد أن تنوع من مصادر الدخل من خلال زيادة أسعار الوقود، إنما صدقوني لست تاجراً أو رجل أعمال، وإنما بطريقة حسابية فإن السعوديين يستهلكون يومياً 70 مليون لتر من بنزين 91، ونحو 32 مليون لتر يومياً بنزين 95، ما يعني أن عائدات وزارة الطاقة من البنزين (بنوعيه) نحو 60 بليون ريال، إضافة إلى 12 بليون ستحصل من إيراداتها من بيع الديزل محلياً في مجال النقل والشاحنات، أما أقل عائد سيأتيها فهو من قطاع الصناعة، الذي تصل الإيرادات منه نحو 7 بليون دولار، طبعاً في الدول الأوروبية والصناعية المصانع تستهلك نسبة أكبر من الوقود، ونصيب المركبات حصة أقل.

قبل أسبوعين في حديث «متلفز» قال وزير الطاقة خالد الفالح: إن «زيادة أسعار الطاقة شر لا بد منه بسبب تزايد معدل الاستهلاك الذي أنهك الاقتصاد»، أتفق مع الوزير الفالح. نعم، أنهك الاقتصاد المحلي وحمّله الكثير من الأعباء، لأن استهلاكنا للوقود فوضوي وعشوائي، واستفاد منه القطاع الخاص والشركات، كما استفاد منه بعض اللصوص في تهريبه إلى الخارج.

عادة في بلدان أخرى لا يمكن أن تتخذ قراراً بإلغاء أو زيادة أسعار سلعة أو منتج إلا حينما يتوافر لديك بديل مساعد، وبالتالي تضع أمام المستهلك خيارات عدة تساعده في اتخاذ القرار. لن أقول لو أن لدينا شبكة قطارات ترتبط بمدن السعودية، وأيضاً شبكة خدمات نقل عام متطورة ومتعددة، وسيارات أجرة لا تلف الشوارع ولديها مواقف محددة أو وفق تطبيقات ذكية، ولن أقول وزارة النقل أحد هذه الوزارات التي وضعتنا في المأزق الحرج، فكل منتجاتها التي تشرف عليها أو تتابعها للأسف الشديد ليست ذات جودة، ولن نتهم المرور لأنه انشغل في تركيب كاميرات لرصد المخالفات وحصد مبالغ ضخمة، ونسي دوره الأساسي في التنظيم واحترام الشارع، إذ إن 90 في المئة من شوارعنا ليس فيها خطوط مشاة، ولا حتى جسور للمشاة، أعلم أن هذه ليست مهمة المرور. حتى تخطيط مخارج الأحياء المؤدية إلى الشارع العام تؤدي إلى حوادث، ربما تقولون لي ما شأن المرور؟

العمل المروري تطور في دول العالم، ليس مهمته رصد المخالفات فهذه عادة تديرها شركات وليس أفراد المرور، طالما أنها تتعلق بمراقبة الشاشة، أو الوقوف الخاطئ، جهاز المرور يرتبط تلقائياً بإدارات حكومية عدة، من بينها البلديات والأمانات، ويبدي ملاحظاته ويطلب تنفيذ بعض التقاطعات وتصليح المخارج التي تتسبب في حوادث. على سبيل المثال، شارع يطل على الطريق العام وفي مسافة 500 متر أو أقل تجد أكثر من 20 مخرجاً، وطريقة خروجها مسببة للحوادث، وتستغرب في نهاية الأمر أنه ليس في أجهزة المرور من يقترح أو يتقدم بمشروع يقلل من حوادث المرور، أو يفكر في اقتراح لعمل أماكن لسير الدراجات النارية أو الهوائية. لا ألوم المرور، إنما كل وزارة أو إدارة حكومية تعمل بمعزل عن الجهة الحكومية الأخرى، وهذا ما أو صلنا لهذا المستوى المتردي من الخدمات الحكومية، وخاصة في مجال النقل. ارتفاع أسعار الوقود اختبار حقيقي للجهات الحكومية في البحث عن خيارات النقل وتعدد أنواعه، ولا سيما أننا نتجه إلى تقليص كمية الاستهلاك المحلي من النفط، فالتجربة ستنجح حينما نقول إن معدل الاستهلاك انخفض بمستويات عالية، وليس حينما نفرح أن العائدات من الوقود زادت.