لماذا يجب ألا نقلق من انخفاض سعر النفط؟

بقلم: وائل مهدي
عندما نرى أسعار النفط تنخفض أكثر من 20 في المائة، كما حصل يوم الأربعاء الماضي، وتدخل في مستويات تُعرف باسم «سوق الدببة»، فإن المسألة تتطلب تدخلاً من تحالف منظمة البلدان المصدرة للبترول (أوبك) والمنتجين المستقلين الذين تقودهم روسيا، المعروف باسم تحالف «أوبك+».
ولكن هل يجب أن نقلق من هذا الانخفاض الحاد في الأسعار الذي جعل خام غرب تكساس في نيويورك ينخفض إلى 51 دولاراً، وخام «برنت» القياسي في لندن يتداول تحت 60 دولاراً؟
حتى الآن… لا، لأن كل المعطيات تشير إلى أن أسعار النفط يجب أن ترتفع لا أن تواصل الانخفاض، إلا إذا واصل الرئيس الأميركي دونالد ترمب المزيد من الحروب الاقتصادية، أو مارس المزيد من الضغوطات على «أوبك»، ولكن لا أعتقد أن الأخيرة سوف تستجيب بسهولة هذه المرة.
الذي يجعلني أصل إلى هذا الافتراض هو أن روسيا بدأت تقلق من سياسات ترمب، التي قد تؤثر على الطلب على النفط في العالم، إذ يرى وزير الطاقة الروسي ألكساندر نوفاك أن الطلب قد يتراجع مليون برميل يومياً بسبب الحروب الاقتصادية.
في ظل هذه الضبابية تجاه الطلب، من المهم جداً ألا يتخلى تحالف «أوبك+» عن جهوده الحالية لخفض الإنتاج، ويجب تمديد الاتفاق الذي سينتهي آخر هذا الشهر، لمدة ستة أشهر إضافية. ويبدو أن السعودية وروسيا وصلتا إلى تفاهم مبدئي حول أهمية الاستمرار في خفض الإنتاج حتى تتضح صورة الطلب، كما يبدو واضحاً من تعليقات وزير طاقة روسيا ونظيره السعودي خالد الفالح للصحافة، أمس (الجمعة)، في سان بطرسبورغ.
لقد كانت روسيا تقف موقفاً مغايراً في بادئ الأمر من تجديد اتفاق خفض الإنتاج بعد انتهائه، لأن أسعار النفط في مستويات 60 إلى 65 دولاراً مناسبة لها، كما صرّح بذلك الرئيس الروسي فلاديمير بوتين للصحافيين، أول من أمس، في سان بطرسبورغ حيث تحتاج بلاده إلى سعر برميل عند 40 دولاراً لميزانيتها. هذا السعر بطبيعة الحال لا يفيد «أوبك»، التي تحتاج دولها إلى أسعار فوق الستين دولاراً، لكي تخرج ميزانيتها بوضعية مقبولة هذا العام.
وإلى جانب احتمالية تمديد اتفاق خفض الإنتاج، الذي أصبح شبه مؤكد، كما يقول الفالح، فإن هناك أمراً آخر يزيد من توقعات اتجاه أسعار النفط إلى الصعود مجدداً، وهو الشحّ في الخامات المتوسطة والثقيلة على مستوى العالم. فمن جهة، تفرض الولايات المتحدة حظراً على نفط إيران وتواجه فنزويلا انخفاضاً حاداً في إنتاجها. وفي الجهة الأخرى اكتشفت مصافي النفط في غرب أوروبا أن شحنات خام أورال الروسي الذي يصل إليها عبر خط الأنابيب ملوث بالكلورايد، وهو ما يضر بالمصافي.
وفي الوقت ذاته ترفض السعودية رفع إنتاجها الآن، وهو ما يسبب ضيقاً في الإمدادات المتوسطة والثقيلة كذلك، وستبقيه عند مستويات 9.65 مليون برميل يومياً حتى يوليو (تموز) المقبل، وهو ما يعني أن المملكة قررت خفض إنتاجها بنحو 700 ألف برميل تحت الحصة التي تم تعيينها لها من قبل التحالف عند 10.3 مليون برميل يومياً.
وإذا ما نظرنا إلى الخامات الخفيفة، فإننا نرى الأمر نفسه في ليبيا، التي دخلت نفقاً مظلماً من الناحية السياسية والأمنية يهدد إمداداتها النفطية.
الأمر غير المنطقي في سوق كهذه أن نرى أسعار النفط تنخفض، ولكن يبدو أن المخاوف الاقتصادية الناتجة عن سياسات ترمب هي السبب، إضافة إلى مخاوف الطلب وتراكم المخزونات التجارية من النفط في الولايات المتحدة، التي وصلت إلى أعلى مستوى لها في 22 شهراً الأسبوع قبل الماضي.
إن عوامل ارتفاع الأسعار أقوى من عوامل انخفاضها، لأن الارتفاع تحكمه سياسات إنتاجية، فيما الانخفاض تحكمه عوامل خارجة عن الإرادة لن تستمر طويلاً، إلا إذا واصل الرئيس ترمب جهوده في إصابة أميركا في القدم بالبندقية ذاتها التي يريد تصويبها إلى الصين والمكسيك وغيرها.
الأمور بدأت أكثر طمأنة حيال أسعار النفط الآن، وستبقى الولايات المتحدة هي المحرك الرئيسي لأسعار النفط هذا العام، وسيبقى القرار الأهم هو للرئيس الأميركي ترمب… وسيكون دور تحالف «أوبك+» محصوراً في ردود الفعل تجاه ما تقرر الولايات المتحدة فعله في سوق النفط. إذا كان هناك رجل في سوق النفط في عام 2019، فسوف يكون ترمب بالتأكيد.