لا خوف على استقرار النفط

كتب:محمد كركوتي

تتعرض أسعار النفط في الأسواق العالمية للضغوط منذ فترة، وهذه الضغوط مفهومة لكل من يتابع مسار هذه السلعة المحورية، لأن الأسباب الدافعة إليها موجودة على الساحة، بل إن هناك تطورات ترفع مستوى الارتياب، ولا سيما في أوساط أولئك الذين يقدرون الموقف بحساسية عالية. وفي الأيام الماضية، تعرضت أسعار النفط إلى التراجع بعض الشيء، لكنها ما لبثت أن عادت إلى مستوياتها التي تعترف كل الأطراف المعنية بالنفط أنها مقبولة، بل عادلة. لذلك، فإن أي تراجع مهما بلغ في هذه الأسعار لا يعدو كونه انخفاضا قليلا في زمن قصير. وهو أمر طبيعي في ظل ظروف متغيرة تصل وتيرة تبدلها أحيانا إلى غضون أيام، بل ساعات.

ولا شك أن المخاوف حيال أسعار النفط واستقرار إمداداته، تزايدت في أعقاب بدء الولايات المتحدة إلغاء إعفاءات كانت قد منحتها لثماني دول تستورد النفط الإيراني. فبعد تشديد عقوبات واشنطن على النظام الإرهابي في إيران، لم تعد هذه الدول قادرة على استيراد هذا النفط. والحق أن بعضها أوقف وارداته النفطية الإيرانية حتى قبل أن يصدر القرار الأمريكي الأخير، خوفا من أي مواجهة سياسية مع الإدارة الأمريكية تقود إلى عقوبات على الطرف الذي يتحدى هذا القرار. فواشنطن كانت واضحة، وقالت للجميع عليكم التوقف نهائيا عن استيراد هذا النفط، والتوجه إلى أي مصادر أخرى متاحة للجميع حول العالم. والهدف الأمريكي من ذلك، ليس إرباك الساحة الدولية، بل ليس أقل من خنق مالي لنظام يمارس إرهاب الدولة منذ عقود.
والأمر الآخر، الذي زاد من حدة الشكوك حول إمدادات وأسعار النفط، التوقف شبه التام للصادرات النفطية الفنزويلية بفعل العقوبات الأمريكية أيضا، وبسبب عزوف دول كانت تستورد هذا النفط، احتجاجا على سياسات حكومة البلاد الحالية في مجال حقوق الإنسان، ناهيك عن التوقفات المتكررة لإمدادات النفط في ليبيا. هذه العوامل أعطت مبررات للذين ينظرون إلى مستقبل النفط على المديين القصير والمتوسط بحساسية مفرطة. لكن الأمر ليس كذلك تماما، فاتفاق خفض الإنتاج العالمي الذي تقوده المملكة يمضي قدما وفق المخططات الموضوعة له. ووفرت السعودية الآليات اللازمة لضمان عمل هذا الاتفاق، خصوصا بعد أن ثبتت أهميته لكل الأطراف المعنية من منتجين ومستهلكين، فضلا عن أنه يخضع للمراجعة بين الحين والآخر لضمان فاعليته.
ومن العوامل التي تقلل كثيرا مخاوف بعض الجهات حيال تراجع أسعار النفط في المرحلة المقبلة، أن الطلب على النفط لم يتراجع، على الرغم من تباطؤ نمو الاقتصاد العالمي لأسباب معروفة، في مقدمتها المعارك التجارية الجارية على الساحة في الوقت الراهن، وإمكانية فشل المفاوضات الخاصة بهذا الشأن بين الولايات المتحدة والصين. فهذه الأخيرة زادت من وارداتها من النفط السعودي بنسبة 50 في المائة تقريبا، في حين وصل إنتاج الولايات المتحدة نفسها من النفط إلى ما يقرب من 12 مليون برميل يوميا. وهناك معطيات عديدة تفيد بأن هذين البلدين سيقودان الطلب على النفط في الأشهر المتبقية من هذا العام، ما يعني أن أسعار النفط ستظل في الحدود العادلة له حاليا، وهي عند هوامش الـ70 دولارا.
يعتقد المهندس خالد الفالح، وزير الطاقة السعودي، أن الطلب العالمي على النفط سيزيد بنحو 15 مليون برميل يوميا. وطرح في الواقع نقطة مهمة جدا، عندما تحدث عن ضرورة النظر إلى السوق كلها، وليس إلى ميادين متفرقة هنا وهناك. أضف إلى ذلك، أن منظمة الأقطار المصدرة للنفط “أوبك” ليست عازمة على تغيير سياستها الإنتاجية الراهنة قبل اجتماعها المقبل. فكل شيء قابل لإعادة النظر وفق مصالح الأطراف ذات الصلة بهذه السلعة، أو إبقاء الحال على ما هو عليه، خصوصا مع عدم وجود تهديدات جدية على الإمدادات والأسعار في آن واحد. إلى جانب ذلك، ينظر العالم أجمع إلى المملكة ضامنا موثوقا وقويا للسوق كلها. وهذه النظرة تأتي من شفافية استراتيجية السعودية، ليس في هذه الأيام فقط، بل منذ عقود.
لم يشهد النفط على الساحة العالمية استقرارا بهذه القوة وتلك المدة الزمنية الطويلة، كما يشهده حاليا. فهناك تفاهمات عالمية حقيقية بهذا الخصوص، تسهم في هذا الاستقرار، رغم الخلافات التجارية الجارية على الساحة. ولا يوجد طرف يرغب في أي اضطراب لمسيرة النفط الحالية، لأن الأمر – ببساطة – يعود إليه بالمساوئ بصورة لا يتحملها بعض المنتجين. وعلى هذا الأساس، فإن السوق النفطية ستظل متوازنة بصورة أو بأخرى حتى نهاية هذا العام على الأقل، كما أنها ستلقى دعما متواصلا من المنتجين داخل وخارج “أوبك”، بعد أن تأكدوا جميعا أن التفاهم والتعاون والتنسيق تعود على الجميع بالمنافع المرجوة، دون أن يكون هناك ظلم لطرف.