لا تزال مصادر الطاقة المتجددة بحاجة إلى دعم

كتب :د.نعمت أبو الصوف

بعد أن أصبحت الطاقة المتجددة الآن مصدر الكهرباء الأقل تكلفة في عدد متزايد من أسواق الطاقة، يمكن أن نفترض أن نمو تقنيات التوليد خصوصا مثل الرياح والطاقة الشمسية سيتسارع بفضل الميزة السعرية.
ظاهريا تبدو الأمور براقة، حيث إن مرافق التوليد تتحين الفرص لشراء الكهرباء النظيفة الرخيصة، وبالتالي تحقق أهدافها البيئية وفي الوقت نفسه مسؤوليتها الائتمانية لخدمة العملاء بأسعار منخفضة. ولكن الواقع قد يكون مختلفا، وفقا لتقرير صادر عن الوكالة الدولية للطاقة بشأن أطر السياسات الانتقالية للطاقة المتجددة. حيث تقول الوكالة إن مشاريع الطاقة المتجددة ستستمر في حاجة إلى شكل من أشكال دعم السياسات لضمان قابلية التمويل Bankabily، حيث إن قابلية التمويل هي المحرك الذي يدفع الاستثمار في مشاريع الطاقة النظيفة، دون أن يتردد المستثمرون في تعرض أموالهم للخطر.
في الوقت الذي تسعى فيه الحكومات إلى تقليص الإعانات التي دفعت نمو تقنيات الطاقة المتجددة حتى الآن ــــ مثل التعريفات المشجعة Feed-in tariffs، والإعفاءات الضريبية ــــ تنشأ تساؤلات حول جدوى المشاريع. وتشير هذه التطورات إلى تحول كبير بعيدا عن الدعم الذي يستهدف تقنيات الرياح والطاقة الشمسية وغيرها من التقنيات المحددة. وجهة النظر الاقتصادية هي أنك لا تحتاج إلى فعل أي شيء إذا كان مصدر الطاقة هو الأرخص ـــ حيث إن آليات السوق ستتكفل بدعمه. لكن المشكلة هي أن هناك عددا من العقبات لا تزال تؤثر في صنع القرار في مرافق التوليد وغيرها من الجهات المعنية. فقد يفضل أحد المرافق، على سبيل المثال، إمدادات كهرباء ثابتة من محطة غاز أو فحم أو طاقة نووية على الطاقة المتجددة المتقطعة حيث يسعى إلى الحفاظ على إمدادات موثوقة من الطاقة لعملائه. ففي شمال غرب المحيط الهادئ، على سبيل المثال، تم تقليص طاقة توليد الرياح خلال ذروة الإنتاج لتجنب الحمل الزائد في خطوط النقل، وهي حالة لا تستطيع فيها البنية التحتية القائمة التعامل مع مزيد من الطاقة المتجددة.
ولمعالجة هذه التحديات، حدد تقرير وكالة الطاقة الدولية سلسلة من المبادرات السياسية لمواصلة دعم مشاريع الطاقة المتجددة مع السماح للحكومات بخفض الدعم. وتشمل هذه المبادرات مجموعة من الأدوات، السياسة المنخفضة التكلفة أو عديمة التكلفة، عندما تؤخذ معا، تهيئ بيئة يكفل فيها الدعم المستمر لمصادر الطاقة المتجددة، كما هو حال المشاريع القابلة للتمويل. ويحدد تقرير الوكالة ثلاثة عناصر أساسية لدفع النمو المستقبلي لمصادر الطاقة المتجددة وهي: الحفاظ على قابلية تمويل مشاريع الطاقة المتجددة، تعزيز مرونة نظام الطاقة، ووضع رؤية طويلة الأمد لنظام الطاقة المستدامة.
وتشمل استراتيجيات الحفاظ على قابلية التمويل استخدام أدوات مالية مثل اتفاقيات شراء الطاقة PPAs للحد من مخاطر المشاريع، وكذلك الوصول إلى مصادر جديدة للدخل. إن اتفاقية شراء الطاقة، هي أداة التحوط التي توفر تدفق إيرادات يمكن التنبؤ بها وعموما في عقود تراوح بين عشرة أعوام و13 عاما. ففي ألمانيا، على سبيل المثال، يعالج مجمعو الطاقة (مثل مرافق التوليد) مشكلة القابلية للتمويل عن طريق شراء كهرباء من مشاريع الطاقة الشمسية الكهروضوئية السكنية ومشاريع طاقة الرياح الصغيرة عندما تتجاوز إمدادات الكهرباء الحمل، وهو الوضع الذي قد يقيد عمل مرافق التوليد. وتقوم مرافق التوليد الألمانية بدراسة بيع الكهرباء الزائدة إلى مشاريع تخزين الوقود الكهرومائي ومشاريع الطاقة ـــ إلى ـــ الغاز، ما يحافظ على أسعار السوق من التراجع الكبير وفي الوقت نفسه القيام بشيء مفيد مع الطاقة الفائضة.
ويعالج إطار سياسة دعم مشاريع الطاقة المتجددة للوكالة الدولية للطاقة أيضا التباين وعدم اليقين الكامن في الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، حيث تقترح أن تكون فيزياء النظام الكهربائي مرنة بما فيه الكفاية لاستيعاب كميات كبيرة من الطاقة المتجددة المتغيرة. وتقترح الوكالة قواعد السوق المؤسسية للاستفادة من التقنيات المتجددة لتعزيز مرونة نظام الطاقة. على سبيل المثال، تتيح تقنية العواكس لتوربينات الرياح، التي طرحت في الأسواق أخيرا بأسعار معقولة، الدعم للجهد الكهربائي لمولدات الرياح، ما يزيد من قدرة الشبكة على تلبية ذروة الطلب اليومي والتعامل مع انقطاع التيار الكهربائي.
إن وضع رؤية طويلة الأجل لسياسات دعم مصادر الطاقة المتجددة هو العنصر النهائي لخطة الوكالة الدولية للطاقة. ويهدف ذلك إلى إعطاء مطوري المشاريع الثقة بأن ظروف السوق التي تدعم تقنيات الطاقة النظيفة ستستمر. ففي مرحلة ما، على صانعي السياسات، على سبيل المثال، أن يكونوا جادين في التخلص التدريجي من الطاقة الزائدة. على سبيل المثال، في الفترة من 2004 إلى 2014، قامت مقاطعة أونتاريو في كندا بذلك، بالتخلص التدريجي من توليد الفحم، مع زيادة الدعم في الوقت نفسه لمصادر الطاقة المتجددة والوظائف الجديدة ذات الصلة. وأثبت البرنامج، الذي حظي بتأييد جميع الأحزاب السياسية، حيث إن مجموعة من تقنيات الطاقة النظيفة مثل الكتلة الحيوية، الرياح، الكهروضوئية والنووية قادرة على الاستعاضة عن طاقات الفحم التي أغلقت. واتخذت المملكة المتحدة طريقا آخر عندما نفذت الحد الأدنى لسعر الكربون في عام 2012 لتسريع تقاعد محطات التوليد العاملة بالوقود الأحفوري خصوصا الفحم، ما أدى بدوره إلى إيجاد مؤشرات سعرية لدعم التقنيات منخفضة الكربون. ووفقا لوكالة الطاقة الدولية، فإن ربط أهداف الطاقة المتجددة ومعايير الانبعاثات هو وسيلة لإيجاد ظروف سوقية لمصلحة مصادر الطاقة المتجددة من خلال إيجاد طلب قوي عليها.