قيادة سعودية متوازنة للسوق النفطية

أثبتت السنوات “بل العقود” الماضية أن السوق النفطية العالمية يعتمد استقرارها على عدة عوامل، أبرزها المرونة التي تتمتع بها المملكة على صعيد الإنتاج، والأهم من هذا سياستها النفطية بشكل عام التي تستند إلى مسؤولياتها الدولية. تلك السياسة أسهمت على مدار السنوات في فك عقد الأزمات التي ضربت السوق النفطية، وفي طمأنة الاقتصاد العالمي.
إن الإمدادات التي تحتاج إليها جاهزة، ولا يمكن أن تتعرض لأي شلل. بل تميزت سياسة السعودية على الساحة النفطية، بالحفاظ على “العدالة السعرية” لكل من المنتجين والمستهلكين، ولم تتوقف في أي مرحلة عن حماية المصالح بهذا الخصوص. فلم تقبل بسعر منخفض للنفط، وفي الوقت نفسه حددت مستوى مقبولا للأسعار واشتغلت عليه، وحققت نجاحات في هذا الاتجاه، لاقت تقديرا كبيرا على الساحة العالمية.
اليوم ترتفع أسعار النفط بصورة تعارض حقا التوقعات التي أشارت سابقا إلى أن سعر البرميل سيصل إلى 30 دولارا، وهذه التوقعات صدرت من جهات ذات حضور قوي على الصعيد النفطي. وفي مطلع العام الجاري واصلت الأسعار الارتفاع، بما في ذلك القفزة التي حققتها في الأسبوعين الماضيين التي بلغت 25 في المائة. وهي نسبة كبيرة بالفعل في مدة زمنية قصيرة. وعادة ما تسهم عوامل مثل انخفاض عدد الحفارات الأمريكية، أو ارتفاع الطلب العالمي على النفط، في زيادة أسعار البترول. إلا أن هذين العاملين وغيرهما لا علاقة لهما بالزيادة السعرية التي حققها النفط في الأسابيع الأولى من العام الحالي. هذا ما تؤكده الأوساط البترولية العالمية المختلفة، التي تسعى إلى استمرار الاستقرار في السوق النفطية.
العامل الوحيد الذي دفع بالأسعار إلى الأعلى، كان التزام الدول النفطية داخل منظمة الأقطار المصدرة للنفط “أوبك” وغيرها باتفاق خفض الإنتاج. وهذا الاتفاق على وجه الخصوص تقوده بصورة مباشرة المملكة، وعملت على صيانته منذ انطلاقه قبل ثلاث سنوات تقريبا. وتحركت السعودية بكل ما تملك من قوة ونفوذ لوقف تصرفات مشينة من بعض الدول النفطية ولا سيما إيران، حيث كانت تستهدف ضرب الاتفاق، أو على الأقل تفريغه من محتواه. ولكن الرياض حاضرة لا يمكن لأي جهة أن تعبث بشيء مثل نقطة تحول إيجابي بالفعل على الساحة النفطية، ولا سيما بعدما بلغت أسعار البترول الحضيض. ومن أهم منجزات الحراك السعودي على هذا الصعيد، أن دولا خارج “أوبك” قبلت طوعا بالمخططات السعودية للحفاظ على استقرار أسعار النفط العادلة، وضمان الإمدادات اللازمة لدعم الاقتصاد العالمي.
النفوذ السعودي سياسيا واستراتيجيا ليس الوحيد الذي دفع بأسعار البترول إلى الأعلى “وهو محوري بالطبع” بل أسهمت أيضا قدرة المملكة النفطية على مختلف الأصعدة. فهي الدولة الوحيدة بين الدول المنتجة والمصدرة للبترول التي تتمتع بأكبر مرونة في هذا المجال. ما يوفر لها قدرة استثنائية على رفع أو خفض الإنتاج في أي وقت تشاء. والقوة لا تمكن هنا فحسب، بل تشمل أيضا القدرة على القيام بأي خفض أو زيادة في فترة زمنية قصيرة، لا يمكن لأي دولة نفطية أخرى القيام بذلك. فبمجرد الإعلان السعودي عزم الرياض خفض إنتاجها بصورة تدريجية، تلقت أسعار البترول دفعة قوية إلى الأعلى في غضون أيام. إنها القيادة الفردية للسعودية على هذه الساحة وكل الساحات العالمية الأخرى. فالمملكة بالنهاية تمثل صمام الأمان النفطي، والعالم يقدر هذا بالفعل ويتعامل في الشأن، النفطي على هذا الأساس.