عربي

صناعة الفحم تضع بلغاريا أمام معضلة .. الصدام أو الانصياع لأوروبا

[ad_1]

يتصاعد الغضب في بلغاريا مع احتمال خسارة الحكومة مليارات اليوروهات من أموال الاتحاد الأوروبي المخصصة لمساعدة العمال في قطاع الفحم الذي يواجه عديدات من المشكلات وأبرزها إيجاد المزيد من الوظائف الجديدة.
الأزمة بدأت عندما خصص الاتحاد الأوروبي حزمة بقيمة 55 مليار يورو في 2021 لدعم العاملين السابقين في صناعة الفحم، عبر إعادة تدريبهم لإيجاد وظائف جديدة، وذلك ضمن مساعي الاتحاد الأوروبي، لأن تصبح بلدانه محايدة كربونيا بحلول منتصف القرن.
لكن بلغاريا ظلت الدولة الوحيدة بين بلدان الاتحاد الأوروبي، التي لم تقدم حتى الآن خطة مفصلة حول كيفية إنفاق أموال المساعدات التي ستحصل عليها، ويعد ذلك شرطا أساسيا فرضه الاتحاد الأوروبي على الحكومات الأعضاء للحصول على المساعدة المالية. وكانت صوفيا قد خسرت سابقا 100 مليون يورو لعدم تحقيقها تلك الشروط في الماضي. وها هي تعيد الكرة الآن، حيث يتوقع خسارتها ما قيمته 800 مليون يورو أخرى إذا لم تتصرف سريعا، وتتقدم قبل الموعد النهائي والمحدد له نهاية العام الجاري بخطة تفصيلية حول الكيفية، التي ستنفق فيها تلك المساعدات في الأوجه المخصصة لها، وهو أمر مشكوك في أن تستطيع الجهات المسؤولة في بلغاريا القيام به لأن المفوضية الأوروبية تحتاج عادة إلى ستة أشهر لمراجعة الخطط المقدمة لها بشأن كيفية إنفاق المساعدات.
من المؤكد أن الاعتماد البلغاري على الفحم كمصدر للطاقة قضية شديدة التعقيد، ولا تقف تعقيداتها عند الجوانب التقنية فحسب، وإنما يمتد الأمر إلى وجود لوبي ضخم يعارض التخلي عن الفحم كمصدر للطاقة، وفي الواقع، فإن تلقي بولندا النصيب الأكبر من الانتقادات الأوروبية بشأن اعتمادها على الفحم، يجعل الأنظار تبتعد عن بلغاريا على الرغم من أنها أكثر اقتصادات الاتحاد الأوروبي كثافة في استخدام الكربون، ولا تزال تعتمد على الفحم لإنتاج ثلث احتياجاتها من الكهرباء وفي بعض التقديرات تصل تلك النسبة إلى 45 في المائة.
يقول لـ”الاقتصادية”، الخبير في شؤون الطاقة أيدورد ليام “يجب الإقرار بأن هناك ضغطا شعبيا يعوق عمليا تحول بلغاريا بعيدا عن استخدام الفحم لتوليد الكهرباء، فالمشرعون البلغار صوتوا في بداية العام لمصلحة التخلي عن الخطط الرسمية السابقة للتخلص التدريجي من الفحم بسبب مخاوف بشأن الطاقة والأمن الوظيفي لعمال المناجم، فهناك نحو 43 ألف شخص يعملون بشكل مباشر وغير مباشر في صناعة الفحم، وصوت البرلمان لمصلحة الإبقاء على محطات الطاقة التي تعمل بالفحم، كما تراجع البرلمان عن خطط نزع الكربون عن قطاع الطاقة في البلاد، وذلك كله بعد تظاهر عمال المناجم أمام البرلمان لدعم صناعة الفحم”.
ويضيف “يمكن القول إن الحرب الروسية- الأوكرانية غيرت عقيدة أمن الطاقة في بلغاريا، فمحطات الطاقة الحرارية التي تعمل بالفحم تمنحها الاستقلال والأمن في مجال الطاقة”.
مع هذا تبدو بلغاريا في مأزق ويبدو لكثير من المراقبين أن أيا كان الموقف الذي ستتخذه الحكومة، فإنها ستخرج خاسرة. فالانصياع لقرارات الاتحاد الأوروبي، وإغلاق محطات الطاقة التي تعمل بالفحم، سيوجد عاصفة سياسية في البلاد، وربما يؤدي إلى حالة من عدم الاستقرار السياسي، على الجانب الآخر، فإن عدم الانصياع للاتحاد الأوروبي يعني خسارة مليارات اليورو من المساعدات المالية، ومن ثم إفلاس محطات الطاقة والمناجم في العامين المقبلين، وبالتالي مواجهة عاصفة سياسية أيضا وحالة من عدم الاستقرار، الفارق يكمن أن الانفجار الداخلي إذا قررت الحكومة إغلاق محطات الطاقة التي تعمل بالفحم سيكون سريعا، بينما سيتأخر الانفجار بعض الشيء إذا التزمت صوفيا بتعهداتها مع الأوروبيين لكن في كلتا الحالتين الانفجار قادم لا محالة.
لكن الأمر بالنسبة لقضية الطاقة في بلغاريا يتعدى حدودها الجغرافية، فصناعة الطاقة في البلاد صدرت أكثر من 12 تيراواط ساعة من الكهرباء بنحو ثلاثة مليارات يورو في 2022، وهذا يجعل قطاع الطاقة أحد أكبر مصادر العملة الأجنبية في البلاد، كما أن بعض دول منطقة البلقان تعتمد على الكهرباء التي تستوردها من صوفيا، ومن ثم فإن تفجر أزمة للطاقة في بلغاريا يعني امتدادها إلى عدد آخر من البلدان وتحولها من أزمة وطنية إلى أزمة إقليمية.
يدفع هذا بالدكتورة فيولت جيمس، أستاذة اقتصادات الطاقة المتجددة في مدرسة لندن للاقتصاد للتعليق لـ”الاقتصادية” بالقول “تخطط بلغاريا للتغلب على التحديات التي تواجهها في مجال الطاقة بتشييد مزيد من المفاعلات النووية، وتخطط لبناء أربعة مفاعلات نووية جديدة، لكن حتى يتم ذلك فلن يكون أمامها من بديل غير مواصلة استخدام الفحم حتى 2030، على أن يتم خفض استخدام الفحم بعد هذا التاريخ تدريجيا والتوقف عن استخدامه تماما بحلول 2038، هذا الجدول الزمني يسمح بالحفاظ على الطاقة ومواصلة تصديرها كما يسمح بالحفاظ على متطلبات الأمن القومي، على أن يقوم المنتجون بتحسين أنشطتهم من أجل تقليل انبعاثات الكربون حتى لا يتعارض الاستخدام طويل الأمد للفحم مع الأهداف الأوروبية لإزالة الكربون”.
وتضيف “كما ستتضمن استراتيجية الطاقة في بلغاريا التوسع في مجال استخدام الطاقة الشمسية إلى سبع جيجاواط و2 جيجاواط من طاقة الرياح بحلول 2030، على أن يتم رفع تلك النسبة إلى 12 و4 على التوالي بحلول 2050، وحاليا تشكل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح 1.7 في المائة فقط من إجمالي استهلاك الطاقة في البلاد، ونحو 3 في المائة من توليد الكهرباء”.
على الرغم من ذلك يرى بعض الخبراء أن استراتيجية الطاقة في بلغاريا مليئة بالثغرات وعدم وضوح الرؤية، فبولندا وبلغاريا كانتا من أول الدول الأوروبية التي توقفت عن تلقي الغاز الروسي في أواخر أبريل 2022، ومنذ ذلك الحين عملت بلغاريا على التفاوض بشأن شحنات جديدة من الغاز الطبيعي من أذربيجان واليونان والولايات المتحدة لتأمين الإمدادات الكافية لتلبية احتياجاتها الاستهلاكية، ويعتقد بعضهم أن البلاد أضاعت بذلك على نفسها فرصة التحول بشكل مثالي وسريع إلى مجال الطاقة المتجددة، عندما توقفت إمدادات الغاز الروسي، ويصبح السؤال من يتحمل تلك الفرصة الضائعة.
يلقي الدكتور ارون نيثن، أستاذ الاقتصاد الأوروبي في جامعة لندن بالمسؤولية على الحكومات المتعاقبة في بلغاريا. ويقول لـ”الاقتصادية”، إنه “الغاز الطبيعي لا يزال وقودا جذابا بالنسبة للأوساط السياسية في بلغاريا، وذلك على الرغم من أن الزيادة في أسعار الكهرباء خاصة للشركات والمصانع أدت إلى إيجاد زيادة هائلة في الطلب على الطاقة الشمسية، وقد تجاوز الطلب على الطاقة الشمسية العرض، وظهر عديد من المزودين الجدد في السوق، لكن أغلبهم يفتقر إلى الموارد والقدرة على تنفيذ مشاريع عملاقة للطاقة، ولا يحصلون على مساندة ودعم حكومي كاف، أضف لذلك العقبات الإدارية واللوائح التنظيمية التي تعوق عمليا الاعتماد بشكل حقيقي على الطاقة المتجددة وتحديدا الشمسية”.
على الرغم من التحديات التي تواجه قطاع الطاقة البلغاري، فإنه يعد قطاعا متنوعا ومتطورا بشكل جيد، لكن من الواضح أنه يتعرض لكثير من الضغوط الجيو- سياسية والاقتصادية والتنظيمية، كما أنه يمر بمرحلة انتقالية.
ويبدو أن الحكومة حسمت أمرها في مواصلة الاعتماد على الفحم لضمان الحصول على الكهرباء، مع زيادة حصة الطاقة النووية، التي تبلغ حاليا 44 في المائة من إجمالي توليد الطاقة، وتعزيز مكانة الطاقة المتجددة ضمن إجمالي مصادر الطاقة في البلاد. وستظل بلغاريا تلعب دورا مهما في توازن الطاقة في منطقة البلقان، مستندة في ذلك إلى قدرتها في توليد الكهرباء، وموقعها الجغرافي.
لكن المضي قدما في مجال تطوير القطاع يتطلب رؤية استراتيجية أكثر انسجاما مع رؤية الاتحاد الأوروبي باعتباره المصدر الأساسي لتمويل عملية التحول في القطاع، ولكن ما يبدو حتى الآن أن صوفيا عاجزة عن بلورة تلك الرؤية، بما يعنيه ذلك من صعوبات مالية جمة قد تواجهها مستقبلا.

[ad_2]

Source link

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى