صناعة “الصخري” شديدة الحساسية أمام تقلبات أسعار النفط

أكد تقرير دولي أن صناعة “الصخري” في الولايات المتحدة ما زالت شديدة الحساسية لتقلبات الأسعار على المدى القصير، حيث تعتبر تقلبات أسعار النفط بمنزلة الترمومتر المتحكم بالفعل في إنتاج آلاف من الآبار الصخرية.
وبحسب التقرير الدولي – الذي أعده الدكتور سيفيرين فيشر كبير الباحثين في مركز دراسات أمن الطاقة في مدينة زيوريخ السويسرية – فإن التراجع الحاد والمفاجئ لأسعار النفط في النصف الثاني من عام 2014 أدى إلى تغيرات واسعة وسريعة في سوق النفط، مشيرا إلى أن النفط الصخري الأمريكي كان نصيبه كبيرا من الأزمة حيث أدى تراجع الأسعار إلى دخول الإنتاج الصخري في دوامة سلسلة من الإفلاسات المتعاقبة بسبب صعوبة الاستمرار نتيجة ارتفاع تكلفة الإنتاج.
وأشار التقرير الدولي إلى أن البعض قد راهن على انتهاء وخروج صناعة النفط الصخري من المنافسة وذلك نتيجة استمرار التوقفات وتعطل المشاريع، لكن الإنتاج الصخري عاد مرة أخرى ليفاجئ سوق النفط الدولية من خلال انتعاش الإنتاج وزيادة الإمدادات مرة أخرى في وقت سريع وبعد أزمة لم تستمر طويلا، مؤكدا أن بداية الانتعاش الحقيقي انطلقت في عام 2016.
ونوه التقرير بأن الإنتاج الصخري الأمريكي في هذه المرة استفاد من التجارب الصعبة السابقة ونجح في خفض تكلفة أنشطة الحفر على نحو كبير وبمقدار الثلث على الأقل، كما نجح في الوقت نفسه في التمكن من مضاعفة إنتاجية كل بئر صخري وهو ما سمي بالتوسع في الإنتاج رأسيا بتعظيم القدرات الإنتاجية.

وأشار التقرير إلى أن وكالة الطاقة الدولية والولايات المتحدة أصبحا لا يمثلان وحدهما المستهلكين، مشيرا إلى أن منظمة الدول المصدرة للبترول “أوبك” لا تزال تسيطر على حصة تبلغ 30 إلى 35 في المائة من إنتاج العالم.
وأشار التقرير إلى أن صناعة النفط الصخري تعمل بشكل مستقل إلى حد كبير عن المجال السياسي، وتستجيب في المقام الأول لتطورات ومتغيرات الأسعار في سوق النفط كما تتفاعل مع تحركات العرض والطلب في السوق.
وأفاد التقرير أنه منذ عام 2014 دشنت صناعة النفط الصخري في الولايات المتحدة نفسها باعتبارها عنصرا رئيسيا مهما في منظومة الطاقة العالمية جنبا إلى جنب مع المنتجين التقليديين في العالم، وأطلقت دور القطاع الخاص في إنتاج النفط الخام بعد عقود من هيمنة شركات النفط الوطنية المملوكة والمدارة من الحكومات في الدول الأعضاء في منظمة أوبك إضافة إلى شركات النفط والغاز الدولية الغربية الكبرى.
ولفت التقرير إلى أن الولايات المتحدة شهدت انخفاضا في الإنتاج من النفط الخام من نحو 2.5 مليار برميل سنويا في الثمانينيات إلى 1.8 مليار برميل في عام 2005 ثم أعقب ذلك البدء بالفعل في الاستعدادات الاستراتيجية لزيادة واسعة في الاعتماد على الواردات النفطية ومع ذلك وابتداء من عام 2008، فإن تطور التقنيات أدى إلى التوصل إلى ابتكارات وقدرات إنتاجية واسعة في عمليات جديدة لاستخراج النفط، مشيرا إلى أن الولايات المتحدة حققت في عام 2015 زيادة إنتاجية بنحو 3.5 مليار برميل سنويا من النفط الصخري وهو ما فاق أكثر من أي مستوى إنتاجي في وقت سابق.
ونوه التقرير الدولي بأنه في نهاية نفس العام 2015 قامت الولايات المتحدة برفع الحظر المفروض على تصدير الخام، الأمر الذي يمثل تغيرا كبيرا في منظور الولايات المتحدة إلى أسواق النفط حتى إن الإدارة الجديدة للرئيس الأمريكي دونالد ترمب ذهبت خطوة أخرى أوسع إلى الأمام ووصفت أخيرا سياسة ترمب الجديدة في مجال الطاقة بأنها لا تكتفي بالتصدير إلى أسواق العالم بل تسعى إلى الوصول إلى مرحلة تحقيق “سيطرة أمريكية على مفاصل منظومة الطاقة في العالم”.

وذكر التقرير أن فترة انهيار الأسعار أدت إلى إبعاد الولايات المتحدة عن المنافسة مع النفط التقليدي وقلصت من أحلام السيطرة على أسواق الطاقة وذلك بعد أن أفلس عديد من شركات النفط الصخري خلال عام 2016 لكن المنافسين من المنتجين في الولايات المتحدة اتسموا بالعناد وبالرغبة القوية في العودة إلى السوق، وهو ما تمثل في التكيف بسرعة مع الوضع الجديد وتحقيق تقدم مذهل ومكاسب مثيرة للإعجاب في مجالي الكفاءة وتعزيز القدرات الإنتاجية.
واعتبر التقرير أن التغيرات في طبيعة أداء منتجي النفط الصخري وسرعة التعافي والعودة إلى المنافسة كانت أحد الأسباب الرئيسية التي دفعت منظمة الدول المصدرة للبترول “أوبك” إلى تغيير استراتيجية التعامل مع السوق وتبلور ذلك في اتفاق خفض الإنتاج الذي قادته “أوبك” بالتعاون مع المنتجين المستقلين وتم التوصل إليه بنهاية العام الماضي ودخل حيز التطبيق مطلع العام الحالي، ومن المتوقع أن يمتد ليغطي أيضا كامل العام المقبل.
وأوضح التقرير أن الأسواق تعرضت قبل بداية العام الحالي إلى حالة إغراق بالنفط الرخيص من كل المنتجين الذين اندفعوا إلى زيادة الإنتاج بشكل واسع وإلى المنافسة الشديدة على الحصص السوقية واللجوء إلى حرق الأسعار، ومن ثم لتدارك الموقف كان التحرك القيادي من قبل منظمة أوبك من أجل إنجاح خطة تقييد الإنتاج وتقليص المعروض النفطي بالتعاون بين أكبر عدد ممكن من المنتجين في “أوبك” وخارجها.
وأكد التقرير الدولي أن خطر انهيار سوق النفط كان كبيرا بسبب تأثير وفرة المعروض في السوق ما أدى إلى اشتعال منافسة ضارية بين المنتجين داخل وخارج “أوبك”، مشيرا إلى أن التحدي الأكبر كان وما زال قائما، وهو إقناع الدول المنتجة المتعثرة اقتصاديا بالموافقة على خفض الإنتاج على أمل زيادة الإيرادات من خلال رفع الأسعار عالميا.
ونوه التقرير بإعلان عدد من الدول الأعضاء في منظمة أوبك مثل العراق ونيجيريا وليبيا التي تضررت كثيرا من الصراعات العسكرية أنها غير قادرة على دعم خفض الإنتاج نظرا لأهمية زيادة المستويات الحالية لاستخراجها النفط الخام، لافتا إلى رفض الحكومة الإيرانية النظر في أي فكرة لتقييد الإنتاج إلى مستوى أقل من المستويات التي كانت سائدة في بداية فرض العقوبات الأمريكية.

وذكر التقرير أنه من وجهة نظر الدول المستهلكة للنفط فإن التحديات التي تواجه الصناعة تتمثل في تطور الأسعار وتقلبات السوق وهي عوامل أساسا كلها اقتصادية في طبيعتها، رغم هيمنة العوامل الجيوسياسية على سياسات الإنتاج في السوق بشكل عام.
إلى ذلك، مفيد ماندرا نائب رئيس شركة “إل أم إف” النمساوية للطاقة، أن الإنتاج الأمريكي تخطي تسعة ملايين برميل يوميا بسبب تسارع إنتاج النفط الصخري مع ارتفاع مستوى الأسعار إلى فوق 50 دولارا للبرميل، مشيرا إلى أن كثيرا من الشركات الأمريكية استطاع تخفيض تكلفة البرميل إلى نحو 30 دولارا وهو ما يجعل الفترة الحالية فترة تسابق إنتاجي، وبحسب توقعات البنوك الدولية فإن العام المقبل سيشهد طفرة أكبر في الإمدادات.
من ناحيته، يقول لـ “الاقتصادية”، إيفليو ستايلوف مستشار وزارة الاقتصاد البلغارية، “إن هناك محاولات حثيثة لإنتاج النفط الصخري خارج الولايات المتحدة ومنها تجارب في الصين وروسيا، لكن الولايات المتحدة ما زالت تهيمن على التكنولوجيا المتطورة الخاصة بهذه الصناعة وتحظر تصديرها لكثير من المنافسين”.
واعتبر ستايلوف أن الصين أقرب الدول إلى تحقيق نجاحات مستقبلية في مجال إنتاج “الصخري”، بينما تواجه روسيا صعوبات فنية بسبب العوامل المناخية وبسبب استمرار تفوقها في الإنتاج والتصدير الأقل تكلفة من النفط والغاز عبر خطوط أنابيب تتجه إلى الأسواق الأوروبية.
من جانبه، أوضح لـ “الاقتصادية”، ماركوس كروج كبير محللى شركة “أى كنترول” لأبحاث النفط والغاز، أنه في أعقاب انهيار الأسعار في منتصف عام 2014 طالب عديد من الدول المنتجة في “أوبك” وخارجها باتخاذ تدابير سريعة لتحقيق الاستقرار في أسعار النفط على مستوى أعلى، لكن لأسباب تتعلق بتباين مواقف المنتجين سياسيا واقتصاديا تأخرت الاستجابة في التعامل مع الزيادة في المعروض التي قادها النفط الصخري الأمريكي خاصة فيما يتعلق بالتوافق على خطة خفض معدلات الإنتاج بهدف دعم الأسعار وتحقيق التوازن في السوق.

وأضاف ستايلوف أن “بعض المنتجين في مرحلة سابقة وقبل التوصل إلى اتفاق فيينا لخفض الإنتاج فضلوا مواجهة فيضان النفط الصخري الأمريكي عن طريق الحفاظ على معدلات إنتاج عالية في مواجهة المنافس الأمريكي الجديد، لكن الجميع عدلوا لاحقا عن هذا التوجه وفضلوا التعاون المشترك لضبط المعروض وهو ما حقق كثيرا من النتائج الإيجابية”.
على صعيد التعاملات في الأسواق، فقد تعافت أسعار النفط بأكثر من 2 في المائة في ختام تعاملات الأسبوع المنصرم بعد خسائر استمرت خمس جلسات، وذلك بفعل توقعات بتمديد اتفاق “أوبك” لخفض الإنتاج وإغلاق خط أنابيب أمريكي رئيسي لنقل الخام.
بيد أن الأسعار سجلت أول خسارة أسبوعية في ستة أسابيع مع وجود إشارات على زيادة الإمدادات الأمريكية إلى جانب شكوك في أن روسيا ستدعم تمديد اتفاق خفض إنتاج الخام المبرم مع منظمة البلدان المصدرة للبترول “أوبك”.
وارتفعت الأسعار بعدما ألمح المهندس خالد الفالح وزير الطاقة والصناعة والثروة المعدنية إلى رغبة السعودية في تمديد قيود الإنتاج عندما تعقد المنظمة اجتماعها في 30 منن وفمبر.
وبحسب “رويترز”، فقد ارتفع خام القياس العالمي مزيج برنت 1.36 دولار، أو ما يعادل 2.2 في المائة، إلى 62.72 دولار للبرميل بينما أغلق خام غرب تكساس الوسيط الأمريكي على زيادة قدرها 1.41 دولار تعادل 2.6 في المائة إلى 56.55 دولار للبرميل، وعلى أساس أسبوعي، انخفض برنت 1.3 في المائة بينما نزل خام غرب تكساس الوسيط 0.3 في المائة.
وظل خط أنابيب كيستون البالغة طاقته 590 ألف برميل يوميا مغلقا بعد تسرب في ساوث داكوتا يوم الخميس الماضي، وهبطت الأسعار هذا الأسبوع مع استمرار المخاوف بشأن تخمة المعروض، حيث أظهرت بيانات حكومية أمريكية أن إنتاج الخام لامس مستوى قياسيا بلغ 9.65 مليون برميل يوميا الأسبوع الماضي.
وقدرت وكالة الطاقة الدولية أن الولايات المتحدة ستكون مسؤولة عن نحو 80 في المائة من الزيادة العالمية في إنتاج الخام على مدار السنوات العشر المقبلة.