«شيفرون» الأمريكية تقتحم صراع التنقيب عن غاز شرق المتوسط

للمرة الأولى في تاريخ الصراع على الغاز في شرق البحر المتوسط، تخطو أمريكا بقوة إلى ساحة المنافسة، وتقتحم شرق البحر المتوسط عن طريق شركة شيفرون ، التي ظلت بعيدة عن منطقة الشرق الأوسط باستثناء السعودية لسنوات طويلة. شيفرون استحوذت أخيرا على نوبل إنيرجي التي تملك نسبة كبيرة من المصالح في إسرائيل ومصر وقبرص في صفقة قيمتها 5 مليارات دولار، لكن أهميتها الجيوستراتيجية تفوق ذلك المبلغ بكثير.
وكانت شيفرون قد بدأت منذ نحو عامين محاولة طموحة لوضع قدم لها في قطاع النفط والغاز المصري، وفازت فعلا بعدد من الامتيازات في مناطق التنقيب الجديدة في البحر الأحمر وغرب الإسكندرية. ويمثل دخول شيفرون إلى ساحة الصراع على تقسيم ثروة النفط والغاز في شرق المتوسط تحولا مهما في خريطة توزيع المصالح في المنطقة الأشد سخونة في العالم من حيث تشابك وتضارب أهداف القوى الطامحة للحصول على نصيب أكبر من تلك الثروة. كذلك فإن دخول شيفرون إلى ساحة الصراع يعني أن الولايات المتحدة قد تصبح إحدى القوى الحاضرة مباشرة، في صراع انتقل من مجرد المنافسة الاقتصادية بين الشركات، إلى محاولة للسيطرة باستخدام القوة المسلحة من جانب الدول، تتصدرها تركيا في الوقت الحاضر .
وبعيدا عن الادعاءات القومية، يعبر الصراع على غاز شرق المتوسط عن غلبة النزاعات السياسية على المصالح الاقتصادية بين الدول المتشاطئة، وكذلك عن غياب أي إطار إقليمي جماعي لحل المنازعات، وثالثا فإنه يعبر أيضا عن استقطاب دولي حاد أسفر عمليا عن حالة شلل دولي على صعيد الوساطة لتسوية النزاع بين دول شرق المتوسط. وعلى الرغم من أن ثروة غاز شرق المتوسط تصب مباشرة في صلب استراتيجية أمن الطاقة للاتحاد الأوروبي إلا أن الاتحاد فشل حتى الآن في تقديم إسهام إيجابي لتخفيف حدة النزاعات، وتوفير أرضية تفاوضية تساعد على التوصل إلى إطار إقليمي مقبول لتسوية القضايا موضع النزاع، وأهمها على الإطلاق هي تلك المتعلقة بترسيم حدود المناطق البحرية الخالصة حسب القانون الدولي للبحار. في حقيقة الأمر فإننا نجد أن الاتحاد الأوروبي لم يفشل فقط، وإنما أسهمت إحدى دوله القائدة، وهي فرنسا، في تأجيج حدة النزاعات، بالمشاركة في استعراضات القوة البحرية مع اليونان ضد تركيا التي تتجه إلى عسكرة الصراع على الغاز منذ صفقة الترسيم التي عقدتها مع حكومة طرابلس في نوفمبر/تشرين الثاني من العام الماضي. في الوقت نفسه أرسلت الولايات المتحدة إشارة متناقضة بالمشاركة بسفن وطائرات في مناورات عسكرية مع تركيا في بحر إيجه.

يعبّر الصراع حول غاز شرق المتوسط بين الدول المتشاطئة عن غلبة النزاعات السياسية على المصالح الاقتصادية

وبينما كان استعراض القوة يجري على سطح البحر وفي الجو، فإن جوزيب بوريل ممثل الشؤون الخارجية في الاتحاد الأوروبي، أعرب عن قلق الاتحاد من «التحركات البحرية» للأطراف المختلفة في شرق المتوسط، وأكد أنها لا تخدم تركيا أو الاتحاد الأوروبي، ولن تسهم في إيحاد حلول للمشاكل القائمة. وقال إنها على العكس من ذلك «ستؤدي إلى قدر أكبر من العداء وانعدام الثقة». وطالب بوريل في بيانه بأن يتم تحديد الحدود البحرية للمناطق الاقتصادية الخالصة من خلال الحوار والمفاوضات وفقا للقانون الدولي، وليس بالإجراءات الأحادية الجانب وتعبئة القوات البحرية. وأكد بوريل أن الاتحاد الأوروبي ملتزم بالمساعدة في حل هذه الخلافات، لأن ذلك يمثل مصلحة أمنية حيوية. الأكثر من ذلك أن بوريل تعهد ببذل كل الجهود التي تسهم في وضع الأساس للعمل المشترك من أجل الأمن في البحر المتوسط، لكنه لم يقدم أي مبادرة عملية لنقل رؤيته من موقع التصور إلى موقع الفعل. في الوقت نفسه تقريبا كانت تجري مشاورات بين تركيا وسويسرا حول مبادرة سويسرية للوساطة بين كل من تركيا واليونان بخصوص النزاع بشأن التنقيب عن النفط والغاز في حوض شرق المتوسط.
المشكلة التي ينطوي عليها التصور الأوروبي للأمن والتعاون في شرق البحر المتوسط هي أنه يراها فقط متجسدة في تهديد الأمن والتعاون لدول حلف الأطلنطي الشريكة في المنطقة، وليست في التهديدات التي تتعرض لها كل دول شرق المتوسط، الأعضاء في الحلف وغير الأعضاء. وإذا اقتصرت الرؤية الأوروبية عند حدود العمل على منع وقوع اشتباكات بين تركيا واليونان، فإن انفجار الصراعات بسبب نزاعات أخرى، منها مثلا النزاع على الترسيم بين إسرائيل ولبنان، أو بين تركيا ومصر، أو نزاعات مستقبلية محتملة تشمل سوريا وتركيا ولبنان وإيران (من خلال نفوذها غير المباشر في سوريا ولبنان وغزة) ومصر وليبيا وغزة، يعني أن المنطقة ستغرق في بحر من النزاعات الطويلة، تتجاوز دول حلف الأطلنطي.
قبل صفقة شيفرون كانت نوبل إنيرجي المسجلة في تكساس، وإيني الإيطالية أهم اللاعبين في حلبة السباق على ثروة شرق المتوسط من النفط والغاز، ومعهما عدد من الشركات الأخرى الكبرى مثل روسنفط الروسية وبريتش بتروليوم البريطانية وشل الهولندية – البريطانية وتوتال الفرنسية إلى جانب شركات أصغر مثل إديسون الإيطالية ومبادلة الإماراتية. وتتحكم إيني في امتيازات قطاع شروق في مصر أغنى مناطق إنتاج الغاز حتى الآن في شرق المتوسط.
ويعتبر حقل ظهر جوهرة تاج قطاع شروق حتى الآن. هذا الحقل تملك إيني حقوق تشغيله وتستحوذ وحدها على 50 في المئة منه بينما يبلغ نصيب روسنفط الروسية 30 في المئة، وبريتش بتروليوم 10 في المئة ومبادلة الإماراتية نسبة مماثلة. أما نوبل إنيرجي فإنها تمثل اللاعب الرئيسي في المنطقة الاقتصادية الخالصة لإسرائيل، وتملك 40 في المئة من حقل ليفياثان أكبر حقول الغاز الإسرائيلية (23 تريليون قدم مكعب) و25 في المئة من حقل تمار، إضافة إلى أنها تتولى تشغيل حقل أفروديت القبرصي، وتشارك بحصص كبيرة في أربعة امتيازات أخرى للتنقيب عن النفط والغاز في المياه البحرية الإسرائيلية، كما حصلت على حصة تبلغ 27 في المئة من امتيازين للتنقيب عن النفط والغاز في المياه البحرية المصرية شمال غرب الإسكندرية.
هذا يعني عمليا أن استحواذ شيفرون على نوبل إنيرجي، وإتمام عملية الاستحواذ نهائيا في الربع الأخير من العام الحالي، سيضع في قبضة الشركة الأمريكية مجموعة من الأصول الاستثمارية الممتازة المنتجة والمصدرة في إسرائيل ومصر وقبرص، تدر على الشركة حوالي 30 مليار دولار من تصدير الغاز الإسرائيلي (10 مليارات للأردن 19.5 مليار إلى مصر) إضافة إلى ما تملكه نوبل من أصول خارج منطقة شرق البحر المتوسط أهمها استثماراتها المنتجة في غينيا الاستوائية. وبإضافة الامتيازات الجديدة التي حصلت عليها شيفرون في مصر سواء في مناطق الامتيازات البحرية في البحر المتوسط أو في البحر الأحمر، فإن شيفرون ستصبح لاعبا رئيسيا في ساحة المنافسة والصراع على ثروة الغاز والنفط في شرق المتوسط والشرق الأوسط عموما، مع الأخذ في الاعتبار امتيازاتها الحالية في المنطقة المقسومة بين السعودية والكويت وفي كردستان العراق، مع احتمال تورطها في سرقة النفط السوري، وامتيازاتها القديمة في ليبيا. وبهذا ستشكل شيفرون مع إكسون موبيل وأوكسيدنتال وكونوكو- فيليبس رأس الرمح الأمريكي النشط في قطاع النفط والغاز في الشرق الأوسط، وستكون أهم الشركات الأمريكية العاملة في شرق البحر المتوسط.

وبالنظر إلى العلاقة القوية بين لوبي شركات النفط الأمريكية وبين البيت الأبيض، وهي العلاقة التي عبر عنها اختيار ريكس تيلرسون رئيس إكسون موبيل وزيرا للخارجية في بداية رئاسة ترامب، فإننا نستطيع القول بأن الولايات المتحدة من المرجح أن تصبح أكثر انخراطا في صراعات النفوذ في شرق المتوسط إلى جانب كل من إيطاليا وروسيا وفرنسا وبريطانيا. ومع حضور السفن التركية إلى المشهد، فإن الدبلوماسية الأمريكية قد تلعب دورا نشطا أكثر فاعلية يتجاوز التصريحات الأوروبية إلى دائرة الفعل، كما يتجاوز تجربتها المتواضعة التي جرت على استحياء لترتيب وساطة لحل النزاع بشأن ترسيم المنطقة الاقتصادية الخالصة بين إسرائيل ولبنان، وهي المحاولة التي لم تثمر بسبب تعقيدات الوضع اللبناني.
الرؤية التي قدمها بوريل بوصفه مسؤولا عن العلاقات الخارجية للاتحاد الأوروبي تظل رؤية صحيحة بثلاثة شروط، الأول هو أن تنتقل إلى دائرة الفعل، والثاني هو أن تمتلك أوروبا أدوات المحافظة على بقاء أي اتفاق يتم التوصل إليه، والثالث هو أن تتسع لاتفاق مبادئ إطاري يشمل كل دول حوض شرق البحر المتوسط، متجاوزا حدود الخلاف التركي- اليوناني – المصري. ونظرا لوجود الولايات المتحدة كلاعب جديد في صراع الغاز في تلك المنطقة، فإن الدبلوماسية الأمريكية يمكن أن تضيف بعدا جديدا إلى محاولة التفاوض الجماعي لإيجاد إطار إقليمي ينظم التعاون بين شركات النفط العاملة في المنطقة على أسس اقتصادية، بعيدا عن الصراعات الجيوسياسية بين الدول. وهذا لا يعني تجاهل تلك الصراعات، وإنما يعني ضرورة وجود اتفاق بين الدول على تحييد صراعاتها السياسية والسباق على النفوذ الإقليمي لمصلحة تحقيق منافع اقتصادية في المحل الأول، وهذا ليس بالشيء الهين، ولكنه يستحق عناء المحاولة.