عالمي

سوق عصية على التراجع… من يقف وراء أزمة الغلاء في مصر؟

في القاهرة، حُملت الحرب الروسية – الأوكرانية بأكثر مما تحتمل في مسؤوليتها حيال التضخم المستشري في البلاد، فكانت الجلاد الذي يضرب ظهور ضحاياه بسوط لا يرحم، وينكأ جراحهم، على رغم انحسار تداعياتها على الحبوب والطاقة والمواد الخام ومستلزمات الإنتاج الصناعية التي تستوردها القاهرة بشراهة كل عام.

بتقصي بيانات ستة من السلع الغذائية التي تثقل كاهل مصر كل عام لاستيرادها، تكشف منصة البيانات الاقتصادية “تريدينغ إيكونومي” تراجع أسعار كل من: القمح والذرة وفول الصويا وزيت النخيل وزيت عباد الشمس والنفط بنحو النصف تقريباً.

تآكلت الأجور والمدخرات حتى لم يتبقَ منها سوى قيمة اسمية لا تعبر عن ذات القدرة الشرائية التي كانت عليها قبل عام ونصف، وتخلت الأسر عن كثير وبدلت أولويات إنفاقها للموازنة بين أجر محدود وحاجات لا تنتهي.

بشيء من التمعن يتجلى موضع الداء، وعين الحقيقة أن الجاني جناة وأن الجريمة على المشاع من عديدين وجدوا في الأزمة التي تعصف بالبلاد فرصة ثمينة للتربح.

في رحلة البحث عن الجاني، تقابلنا مع تجار ومنتجين ووسطاء فاعلين في مؤسسات مجتمع الأعمال، وقد اجتهد كل فريق منهم في نفي مسؤوليته عن التضخم، وألقى بنفسه صريع الفريق الآخر وضحيته، غير أن الضحية في واقع الأمر هو المستهلك، الذي يسدد الفاتورة كاملة.

تضخم ينحسر ولكن

وبينما يعزو البعض أسباب التضخم في مصر إلى الحرب الروسية- الأوكرانية، تأتي بيانات تاريخية لتكشف انحسار موجات الصدمة التضخمية التي أرسلتها الحرب إلى أسواق السلع، إذ إنه في أعقاب الحرب، وتحديداً في مايو (أيار) 2022، ارتفعت أسعار القمح الذي تستورده مصر أكثر من أي دولة أخرى في العالم، إلى 9.34 دولار للبوشل (27.2 كيلوغرام) مستوى ستة بوشلات في مايو الماضي، بينما حبوب الذرة صعدت إلى مستوى ثمانية دولارات للبوشل (20.4 كيلوغرام) قبل أن تتراجع إلى 5.5 دولار.

ارتفعت عقود فول الصويا إلى 17.4 دولار للبوشل في مايو 2022، قبل أن تهبط إلى 11 دولاراً في الشهر المثيل العام الحالي، بينما هبط طن زيت النخيل إلى 719 دولاراً للطن من 1525 دولاراً، ومثله زيت عباد الشمس الذي تراجع من 2340 دولاراً للطن إلى 800 دولار، في حين تراجع خام برنت إلى مستوى 72 دولاراً من 128 دولاراً خلال العام المنتهي في مايو الماضي.

تقف أزمة العملة في البلاد كأحد أسباب موجات الغلاء التي يعيشها المصريون، إذ هبط سعر الجنيه المصري رسمياً أمام الدولار الأميركي من مستوى 15.75 للدولار الواحد في مارس (آذار) 2022 وصولاً إلى متوسط 30.85 للدولار في يوليو (تموز) الحالي، في حين احتفظت السوق السوداء بأسعار أكبر للدولار عند مستوى قريب من 40 جنيهاً (1.29 دولار بالسعر الرسمي) في المتوسط.

وأضعف شح الدولار من القيمة الشرائية للجنيه المصري عقب دورة التشديد النقدي التي مارستها البنوك المركزية، وفي مقدمها مجلس الاحتياط الفيدرالي نهاية عام 2021، وأدت إلى خروج 20 مليار دولار من سوق أدوات الدين الحكومية بنهاية الربع الأول من عام 2022، وتراجع الجنيه المصري أمام الدولار الأميركي 97.7 في المئة عبر ثلاث عمليات من تحرير سعر الصرف.

لكن نشاط السوق السوداء للعملة ووكلائها يقفان جنباً إلى جنب مع سماسرة الأزمات وأمراء الحروب وأثريائها الذين امتدوا على طول سلاسل التوريد في مصر، بدءاً من الإنتاج وصولاً إلى التسويق والبيع، وراء التضخم الفاحش على هذا النحو، يضيفون إلى ثمن السلعة أثماناً مضافة وهوامش ربحية وعمولات تسويق تجعل من تضاعف السعر أمراً واقعاً، بل وفي كثير من الأحيان تصبح هوامشهم وعمولاتهم أجدى من مكاسب المنتجين أنفسهم، الأمر الذي شجع على انتشار الفاعل والممارسة.

في فبراير (شباط) الماضي، قال الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، خلال افتتاح مدينة “سايلو فودز” للمنتجات الغذائية بمحافظة المنوفية، إن الدولة يصعب عليها السيطرة على جميع الأسواق، لكن المواطن بإمكانه إعطاء دروس لهؤلاء الأشخاص عبر مقاطعتهم إذا بالغوا في أسعارهم.

وفي مايو الماضي ارتفع المعدل السنوي للتضخم الأساس ليصل إلى 40.3 في المئة من معدل 38.6 في المئة و39.5 في المئة في أبريل (نيسان) ومارس الماضيين على التوالي بالقرب من أعلى مستوى له على الإطلاق منذ يوليو (تموز) 2017، بحسب بيانات البنك المركزي المصري، في حين ارتفع المعدل الشهري للتضخم العام ليصل إلى 2.7 في المئة الشهر قبل الماضي من 1.7 في المئة في الشهر السابق له.

قبل أيام، كشفت دراسة حديثة لثلاثة من الاقتصاديين في صندوق النقد الدولي، أن الشركات في أوروبا استغلت الحرب في أوكرانيا لتمرير تضخم أسعار منتجاتها إلى المستهلكين محملة بأرباح تمثل 45 في المئة من الأسعار للمستهلكين، في استغلال واضح للأزمة.

ظلت معدلات التضخم عصية على التراجع أمام مواصلة البنك المركزي الأوروبي رفع أسعار الفائدة، في حين لم تتنازل الشركات عن هوامش الربح المغرية منذ بداية العام الماضي، بحسب المذكرة البحثية لمحللي “الصندوق”.

نتائج دراسة “الصندوق الدولي” تتشابه إلى حد قريب مع ما يحدث في مصر من حيث مبالغة بعض المنتجين في تقدير هوامشهم الربحية، ففي البورصة المصرية، تفاخر الشركات بأرباحها المحققة في الإفصاحات المرسلة إلى السوق، كونها وسيلة لجذب حملة الأسهم، ومن تلك شركات الصناعات الغذائية التي حققت خلال العام الماضي صافي أرباح 30 في المئة في المتوسط.

منتجون في دائرة الاتهام

في تصريحات له قبل أيام، قال مدير أحد صناديق الاستثمار بإحدى شركات الأوراق المالية، محمد حسن، إن أرباح كثير من الشركات تجاوزت 100 في المئة، بفعل زيادة أسعار السلع والاستهلاك الشره، وإن هذه الشركات استغلت تحركات سعر الصرف لتبرير ارتفاع أسعارها، رغم عدم اعتمادها على مدخلات إنتاج محدودة مستوردة.

بينما يعتقد المتخصص الاقتصادي عمرو حسين الألفي، أن كلفة إنتاج السلع الغذائية اعتمدت على مخزون ضخم من مدخلات الإنتاج بأسعار منخفضة، لكن الشركات في المقابل استغلت الأمر ورفعت الأسعار، وحققت إثر ذلك أرباحاً مرتفعة.

بينما يتجلى الجانب الأكبر من التضخم في نشاط الأغذية بشكل عام، والوجبات بصفة خاصة، يقر أحد الفاعلين في غرفة المنشآت والمطاعم السياحية، في شأن ارتفاع أسعار الوجبات الجاهزة في مصر، أن التسعير يخضع للمطاعم، إذ لا تملك الغرفة وسائل إلزامية لضبط قوائم الأسعار.

ويقول لـ”اندبندنت عربية”، إن الغرفة ترى أن هامش الربح العادل لصناعة المطاعم في مصر 10 في المئة بينما الواقع أن الأمر يختلف من مطعم لآخر، بل ويتجاوز هذا الرقم بكثير بالنظر إلى اختلاف طبيعة وجودة وسعر مدخلات الإنتاج لدى كل منها.

أما أحد أبرز أعضاء شعبة المواد الغذائية بالاتحاد العام للغرف التجارية، فيحمل المنتجين، الجانب الأكبر من المسؤولية حيال تضخم أسعار السلع في البلاد، ويقول إن بعض الأنشطة مثل الصناعات الغذائية لا تعرف الوسطاء ولا السماسرة، ولا تعرف تعدداً لحلقات التداول كما في أنشطة تجارية كإنتاج وتجارة الدواجن واللحوم، إلا أن المنتجين في قطاع الأغذية يتحملون المسؤولية الأكبر عن التضخم، كونهم يبيعون بأكثر من سعر، ويقدرون هوامش ربحية مرتفعة.

“نشاط إنتاج وتجارة الأغذية في مصر غير منظم”، بهذا يستهل عضو الشعبة حديثه لـ”اندبندنت عربية” ويقول إن المنتج يقدر لنفسه أرباحاً تصل إلى النصف في كثير من الأوقات، ويبيع لتاجر الجملة بسعر ولتاجر التجزئة بسعر آخر، وتحظى السلاسل التجارية الكبرى المنتشرة بالمدن بسعر مخفض بالنظر إلى حجم مسحوباتها مقارنة مع المحال التجارية الصغيرة المنتشرة في الريف كمثال، وهو ما يخلق حالة من انعدام العدالة الاجتماعية بالنظر إلى تدني دخول المستهلكين في الريف مقارنة مع سكان المدن.

ويقر بـ”تضخم الجشع” لدى عديد من المنتجين، ومنهم من يقول إنه يستغل قرارات حكومية قد تطبيق مستقبلاً في تبرير البيع بأسعار مبالغ بها، ومن ذلك يلفت إلى تصريحات وزير المالية المصري محمد معيط، في شأن عزم وزارته زيادة رسوم استيراد البن 10 في المئة مستقبلاً، التي استغلت من قبل بعض المنتجين في اليوم التالي من التصريحات، ممن سارعوا إلى تمرير الزيادة إلى المستهلك رغم عدم تطبيقها بعد.

ولم ينكر عضو شعبة المواد الغذائية بالاتحاد العام للغرف التجارية، وجود تأثير للحرب الروسية – الأوكرانية على السوق المصرية وتضخم أسعار عديد من السلع بالبلاد، لأسباب تتعلق بارتفاع كلفة الشحن والتأمين وارتفاع سعر الصرف، لكن يلفت أيضاً إلى وجود استغلال في المقابل، من قبل البعض بالسوق المحلية.

تجار في دائرة الاتهام

أمام فارق سعر طن حديد التسليح بين المنتجين والتجار، الذي وصل سابقاً إلى 10 آلاف جنيه (326 دولاراً)، يقف أحد كبار ممثلي منتجي حديد التسليح في مصر، مكتفياً بالقول إنه ليس ثمة ما يمكن أن يجبر التجار على الالتزام بالبيع بأسعار المصانع أو يضع سقفاً لهامش أرباحهم.

في مصر، سعران للبيع، الأول معلن من جانب الشركات المنتجة، بينما الثاني الذي يفوقه بـ10 آلاف جنيه لتجار التجزئة، وهو لا يعبر عن مصروفات انتقال وخدمة وتخزين، بقدر ما يعبر عن أكثر من ذلك.

باقتضاب يقول منتج الحديد لـ”اندبندنت عربية”، “ماذا عساي أن أقول؟ هل أتهم التجار بأنهم لصوص؟ تصريحاتي ستغضب الغالبية منهم”.

سماسرة ووكلاء تسويق

شيء من المسؤولية يتحمله السماسرة في مصر، بحسب ما تشير شهادات لعاملين في قطاعات مختلفة، وتقر بذلك دراسات أكاديمية مصرية صادرة في شأن توصيف الظاهرة.

من ذلك، دراستان صادرتان عن معهد التخطيط القومي في مصر، الذراع البحثية لوزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية، أشارت إلى الظاهرة مفهوماً واصطلاحاً وتطبيقاً وأثراً، في أطروحتين، الأولى في 2014 بعنوان “السوق المحلية للسلع الغذائية… جوانب القصور والتطوير” والثانية في 2018 بعنوان “الممارسات الاحتكارية في أسواق السلع الغذائية الأساسية في مصر” باعتبارهم “وسطاء” أو “وكلاء” مهمتهم تسويق المنتج في مرحلة وسط بين المنتجين الكبار وتجار الجملة الذين يبيعون بدورهم لصغار تجار التجزئة، وكل من السابقين أحرص على إضافة هوامش ربحية تفوق الكلفة الفعلية للمنتج بما لا يقل عن 10 في المئة لكل منهم.

بينما حملت الدراسة الأولى، السماسرة مسؤولية تحقيق أرباح غير عادية ومبالغ بها، إلى بعض جانب المسؤولية حيال الممارسات الاحتكارية والمضاربة على السلع في السوق، أشارت الدراسة الأخيرة إلى أن سعر المنتج يمثل 74.8 في المئة من سعر البيع النهائي للمستهلك، ما يعني أن المنتج حين باع وحصل على 74.8 في المئة من سعر البيع النهائي بعد تقدير هامش ربح له، ترك في المقابل 25.2 في المئة من سعر سلعته للوسطاء والسماسرة وتجار الجملة وتجار التجزئة، وخلصت الدراسة إلى ضرورة تطوير التعامل مع أسواق الجملة مباشرة من دون المرور بالوسطاء.

لا يعرف عدد السماسرة في مصر فلا إحصاء رسمي أو تقدير جزافي حتى بتعدادهم، غير أن تعداد سكان الداخل البالغ 105 ملايين نسمة ينفقون مليارات كل يوم على استهلاك السلع يجعل من المنطقي تصورهم ملايين الأشخاص، كما تفتقد البلاد إلى تشريع حديث ينظم عمل السمسار من حيث الترخيص بمزاولة النشاط وتحديد هامش الربح التسويقي.

في شمال البلاد، يجد محيي عبدالعزيز، أحد مربي الدواجن في محافظة دمياط نفسه واقعاً بين سندان مدخلات الإنتاج المرتفعة وأخطار فقدان الإنتاج لموت أو مرض يصيب بعضها من جهة، ومطرقة السماسرة وتجار التجزئة من جهة أخرى، فيقول لـ”اندبندنت عربية”، إن هامش ربحه لا يتجاوز في بعض الأحيان 10 جنيهات (0.32 دولار) في الكيلوغرام طوال دورة الإنتاج التي تصل 35 يوماً في المتوسط، في حين تصل عمولة السمسار عند البيع في نهاية الدورة الإنتاجية ثلاثة جنيهات (0.097 دولار) في المتوسط.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

عن مهنة السمسار، يقول محيي عبدالعزيز، إنه وسيط التسويق الذي يحضر بضع ساعات أو يرسل سياراته لتحميل الدواجن في نهاية الدورة الإنتاجية لتسويقها إلى تجار التجزئة في المحلات التجارية، ويحصل على عمولة مقطوعة على الكيلوغرام الواحد أو على السيارة والأخيرة هي الأكثر شيوعاً.

شغل المصريون في أسعار الدواجن، البروتين الحيواني الأكثر استهلاكاً في البلاد، وكانت من بين الكلمات الأكثر بحثاً على محرك البحث “غوغل” العام الماضي، بعد أن تضاعف سعر الكيلوغرام الواحد في أعقاب تحرير سعر الصرف ببضع أسابيع، لكن مع ذلك لا ينكر أحد أعضاء شعبة الثروة الداجنة، مسؤولية غياب التسعير العادل عن الأزمة.

يقول عضو الشعبة إن البلاد تفتقر إلى بورصة رئيسة لها مجلس إدارة منتخب من ذوي الخبرة الذين لا يعملون بالصناعة، لتحديد السعر العادل في ضوء الكلفة الفعلية للإنتاج وتحديد هامش ربح مناسب للمنتجين، وهو أمر لا يظلم المنتج ولا المستهلك على حد سواء.

لكن العرف السائد في الصناعة، تسعير خاضع لأهواء المتنفذين وأصحاب المصالح بالبورصات المنتشرة في محافظات الجمهورية، كما يقول عضو الشعبة، موضحاً أن تلك لا تراعي حجم العرض والطلب عند التسعير، وتظلم كلاً من المستهلك والمنتج معاً.

يقف السمسار في نشاط إنتاج الدواجن في مصر، وهو نشاط إنتاجي وتجاري قصير الحلقات، في مرحلة وسيطة، بعكس نشاط الصناعات الدوائية الذي يقف فيه السمسار في عدة مراحل، تارة كوكيل أو مندوب توزيع للشركات الكبرى أو حتى صاحب مخزن للأدوية بقصد تغذية الصيدليات، وبخاصة الكبرى في البلاد بما يلزم نظير عمولة على المبيعات، كما هي حال أيمن عبدالحميد، الذي يقول لـ”اندبندنت عربية” إنه كان قبل سنوات يقوم بمهمة توزيع الأدوية لصالح إحدى الشركات نظير عمولة على المبيعات، قبل أن يستقل بنفسه ويؤسس “كشكول” في إشارة دارجة بالعامية إلى مهنة توريد الأدوية بالطلب، عبر إنشاء مخزن لتخزين الأدوية وتزويد الصيدليات بما تحتاج إليه منها وبخاصة من الأصناف التي تعاني شحاً، وتحمل مكسباً أكبر لدى توفيرها بالطلب.

وبينما يخلع الجميع في مصر رداء المسؤولية عن ارتفاع الأسعار ويحملونها لأطراف أخرى، يظل المستهلك في البلاد هو الأكثر تحملاً لمساعي البعض في التربح والثراء استغلالاً للأزمة التي تعيشها البلاد.




Source link

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى