سراب الابتعاد عن النفط..!

بقلم: سعيد الفرحة الغامدي

كلما تصوَّر المحللون أن نهاية عصر النفط اقتربت من الزوال يعود الذهب الأسود إلى مقدمة الأحداث الدولية، فبدلاً من سراب النفط يصح أن نقلب المعنى ليصبح سراب الابتعاد عن النفط، وهذا ما تؤكده الأحداث الأخيرة، لأن حضارة العصر تكيفت حول سحر النفط الذي اكتشف الإنسان مكامنه في أماكن محددة بكميات كبيرة، وكان نصيب بعض المواقع الجغرافية أفضل من البعض الآخر، وجزيرة العرب حظيت بنصيب الأسد من تلك الثروة الطبيعية، ومن خلال استخراجه وتصديره أصبح عنصرًا رئيسيًا بين وسائل حياة الإنسان وظروفه المعيشية في أنحاء العالم وعلى وجه الخصوص في الدول الصناعية والنفطية، والمستفيد الأكبر كان ومازال الدول الصناعية الكبرى في أمريكا واليابان وأوروبا والصين وغيرها، وروسيا التي لديها مخزون يكفي لحاجتها ويزيد.

في كتاب سراب النفط للكاتب «ريتشارد هاينبرغ» يزعم أن حفلة النفط اقتربت من النهاية، ويطرح فرضية النفط والحرب ومصير المجتمعات ومعها أسئلة: ماذا نفعل؟ كيف سنسافر؟ كيف سنأكل؟ كيف ستبدو حياتنا جميعًا؟، هذه أسئلة لا يجب أن يظن البعض أنها تخص الدول المصدِّرة بمفردها لأن العالم بأسره أصبح يعتمد على الطاقة النفطية وأي خلل في مصادرها وسلامة نقلها يؤثر على الاقتصاد العالمي بشكل فوري.

في حرب أكتوبر 1973م عندما أوقفت المملكة تصدير النفط دعماً لمصر في مجهودها الحربي ضد إسرائيل خرج بعض المحللين في الغرب ينادون باحتلال منابع النفط والسيطرة على الإنتاج والتحكم في تصديره، وكان رد المملكة: إذا أردتم ذلك سنفجر آبار البترول ونعود جميعًا إلى ما قبل النفط، ومن ذلك الموقف أخذ العالم درساً بأن النفط أصبح من ضرورات الحياة المعاصرة حتى ينضب أو يظهر له بديل أجدى اقتصاديًا.

الاعتداءات الأخيرة على معامل النفط في بقيق وخريص ليست مجرد شأن محلي أو مدار نزاع ثنائي بل إنه شأن عالمي يهدد بما هو أبعد ويُلحق أضراراً جسيمة بالصناعة والاقتصاد العالمي والرد ينبغي أن يكون من قمة القرار السياسي الدولي لأن الدول المارقة لا تفهم خلاف ذلك الحسم الذي يعيدها عقودًا إلى الوراء ويمس حياة شعوبها بشكل مباشر.

إن الفوضى التي اجتاحت العراق وسوريا وليبيا واليمن أدخلت شعوب المنطقة في نفق مظلم والتماهي معها لن يؤدي إلى مسار عقلاني ومن يظن أنه يسجل موقفاً بالاعتداء على منشآت النفط العالمية في السعودية يجب أن يكون الرد عليه في مستوى الحدث حتى تتوقف مهزلة المروق على القوانين والأعراف الدولية.

وآخر القول، إن معضلة إيران بقدر ماهي معضلة شعبها في المقام الأول والمنطقة العربية تباعًا، فمن المؤكد أنها عالمية وعلى الدول الكبرى على وجه الخصوص التوقف عن مغازلة إيران -بدافع المصالح الضيقة- واتخاذ قرار أممي يُحدث تغييراً جذرياً في سلوك إيران ويقضي على أذرعتها الإرهابية المنتشرة في العالم العربي، وتلحق أضرارها جميع دول العالم سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا.

ولعل الاعتداء الأخير على أكبر منشأة نفط في العالم وتداعياته وحكمة القيادة السعودية في التعامل معه يضع العالم أمام أمر واقع وإدراك مخاطر عبث نظام إيران والتصدي له بقرار دولي صارم بدلاً من المراوغات والتمني بأن الدولة المارقة ستغير سلوكها بالطرق السلمية.. كما أن ردود الأفعال والتفاعلات الدولية التي تدين تلك الاعتداءات الإرهابية تثبت أن العالم يعيش سراب الابتعاد عن النفط وأوهام الاستغناء عن الذهب الأسود في المنظور البعيد من القرن الحالي وعليه أن يحافظ على أمن مصادره ووسائل تصديره إلى المستهلك.