زيادة أسعار النفط كابوس لاقتصاد الهند

تواصل أسعار النفط الخام ارتفاعها على الصعيد العالمي، إذ حققت ارتفاعا كبيرا بنحو 25 في المائة خلال الشهرين الماضيين فحسب، مما يشكل علامات مثيرة للمزيد من القلق بالنسبة للهند.

وعلى مدار الشهر الماضي فقط، سجلت أسعار خام برنت، وهو المؤشر القياسي المعتمد لدى الهند، ارتفاعا بنسبة 14 في المائة، وصولا إلى 64 دولارا للبرميل. ومنذ يوليو  من العام الحالي، سجلت أسعار النفط الخام القياسي العالمية ارتفاعا بواقع 33 نقطة مئوية كاملة.

وتعتمد الهند بشكل رئيسي وكبير على الواردات في جزء كبير من النفط الخام الذي تستهلكه. وبين عامي 2016 و2017، كانت نسبة 82.1 في المائة تقريبا من إجمالي استهلاك الهند من النفط الخام مستوردة من الخارج، وبلغ صافي واردات النفط الهندية نحو 56 مليار دولار؛ أو ما يساوي 2.5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد اعتبارا من السنة المالية لعام 2017 الحالي.

متى وكيف بدأ الأمر في إيلام الهند؟

مع اعتبار أن الهند هي مستورد صاف للنفط الخام مع الطلب المستمر غير المرن، فإن التحركات في أسعار النفط الخام العالمية تميل إلى أن تضفي المزيد من التأثير على مخاطر الاستقرار الكلي في البلاد (أي التضخم، وعجز الحساب الحالي، والعجز المالي)، وبالتالي توقعات النمو الاقتصادي بأسرها. ووفقاً إلى خلية التخطيط والتحليل النفطي، فإن ارتفاع أسعار النفط بمقدار 10 دولارات للبرميل يضاعف من فاتورة الواردات الهندية، ويؤدي إلى ارتفاع عجز الحساب الحالي بمقدار 8 مليارات دولار (أو ما يساوي 0.3 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد).

ووفقاً لتقديرات بنك الاحتياطي الهندي، إذا ما ارتفعت أسعار النفط الخام أو حتى استقرت عن المستوى الحالي طوال العام وحتى مارس  من عام 2018، فمن شأن التضخم أن يرتفع بنسبة 30 نقطة أساس، وقد ينخفض مقياس النمو الرئيسي بمقدار 15 نقطة أساس.

وقال آجاي بودك، الرئيس التنفيذي ومدير الحافظات الرئيسية لدى شركة “برابهوداس ليلادهر” للوساطة المالية: تحتاج الهند إلى توخي الحذر حيال الارتفاع المطرد في أسعار النفط الخام، حيث إن ارتفاع أسعار النفط بمقدار دولار أميركي للبرميل يؤدي إلى ارتفاع فاتورة الواردات الهندية بمقدار 1.33 مليار دولار.

كذلك، من شأن ارتفاع فاتورة الواردات أن تضفي المزيد من الضغوط على الروبية الهندية. وارتفاع فاتورة الواردات الهندية بمقدار 1.03 مليار دولار لكل روبية يؤدي إلى إضعاف قيمة الروبية مقابل الدولار، كما أضاف السيد بودك.

وعلى الصعيد العالمي، تواصل أسعار النفط العالمية ارتفاعها بما يكاد يصل نحو مستوى 70 دولارا للبرميل، الأمر الذي يشكل المزيد من التحديات في مواجهة صناع السياسات. والارتفاع الحاد في أسعار النفط سوف يُقابل بقلق بالغ داخل الهند التي تواجه في الآونة الأخيرة تحديات قائمة تتمثل في محاولات إحياء النمو الاقتصادي الذي تراجع إلى أدنى مستوياته منذ ثلاث سنوات خلال الربع الثاني من السنة المالية الحالية، مسجلا 5.7 نقطة مئوية.

وتعتبر أية حركة تصاعدية في أسعار النفط الخام العالمية من قبيل الأنباء السيئة بالنسبة إلى نيودلهي. حيث تؤثر أسعار النفط المرتفعة سلبيا على الاقتصاد والشعب الهندي من زاويتين. أولا، الارتفاع الكبير في فاتورة الواردات، مما يؤدي إلى اتساع العجز الحالي في الحساب الجاري.

ويظهر الأثر السلبي الثاني من ارتفاع أسعار النفط على صعيد التضخم. إذ يعني ارتفاع أسعار النفط ارتفاعا مطردا في أسعار البنزين والديزل داخل البلاد، الأمر الذي يؤدي بدوره إلى ارتفاع الأسعار الإجمالية نظرا لارتفاع أسعار النقل والمواصلات. ونتيجة لما تقدم، سوف يرتفع التضخم، مما يضطر البنك المركزي الهندي إما إلى تثبيت أسعار الفائدة أو رفع أسعار الفائدة.

ويرى الكثيرون أن احتياطيات النقد الأجنبي في البلاد سوف تتعرض للمزيد من الضغوط، ويمكن للاقتصاد الهندي أن يدخل في منطقة الخطر إذا ما تجاوز سعر برميل النفط 65 دولارا في المرحلة المقبلة.

ومن المرجح لارتفاع أسعار النفط العالمية أن تؤثر أيضا على هوامش الشركات الهندية، مع ارتفاع تكاليف المدخلات. وتعتزم وزارة المالية، بالفعل، كبح جماح العجز المالي في البلاد، والذي تجاوز 90 في المائة من إجمالي الميزانية خلال ستة أشهر.

وفي واقع الأمر، فإن المستويات المرتفعة والمطردة من أسعار النفط من شأنها أن تشكل اختبارا عسيرا لعزم الحكومة على إجراء الإصلاحات في هذا القطاع.

 تحديات تواجه الحكومة الهندية:

يعتبر ناريندرا مودي أحد أكثر رؤساء الحكومات حظا، نظرا لأنه بعد فترة وجيزة من توليه المنصب انهارت أسواق النفط العالمية، من مستوى 114 دولارا للبرميل في صيف 2014، إلى نحو 40 دولارا فقط للبرميل في منتصف نفس عام 2016. الأمر الذي ساعد الحكومة الهندية بوجه خاص، نظراً لأن الهند هي واحدة من أسرع أسواق النفط نموا على مستوى العالم.

ويقول بعض خبراء الاقتصاد، مثل ساجيد شينوي من “جيه بي مورغان”، إن الركود النفطي كان أحد أبرز الأسباب التي أسفرت عن نمو الناتج المحلي الإجمالي الهندي إلى 8 نقاط مئوية كاملة خلال تلك الفترة الزمنية.

ولقد ألغت الحكومة الهندية الضوابط التنظيمية على أسعار البنزين في عام 2010، وتبعتها أسعار الديزل في عام 2014 للاتساق مع أسعار النفط العالمية. ولقد استفادت الهند، باعتبارها من كبار مستوردي النفط الخام، من انخفاض الأسعار العالمية كثيرا.

ومن المتوقع أن يشكل ارتفاع أسعار النفط الخام اختبارا قويا لرئيس الوزراء الهندي وهو يستعد لإعادة انتخابه في عام 2019… إذ لا تزال الحكومة تتصارع مع النمو الاقتصادي الضعيف في البلاد.

ويُقال إن الخطوات الحازمة التي اتخذتها الحكومة الهندية في العام الماضي، من إيقاف التعامل بالفئات النقدية الكبيرة من العملة المحلية، ثم في العام الحالي من فرض ضريبة السلع والخدمات الجديدة، هي من بين الأسباب التي أسفرت عن بطء النمو الاقتصادي في البلاد.

وكيفية تعامل السيد مودي مع ارتفاع أسعار النفط سيكون من بين محددات مصداقية الانتقادات الموجهة لحكومته بأنه كان محظوظا للغاية بانخفاض أسعار النفط العالمية، وهي المزاعم التي يرفضها الرجل دائما.

وقالت سونال فارما، كبير خبراء الاقتصاد لدى مجموعة “نومورا” الهندية القابضة، في تقرير صادر الأسبوع الماضي: «بالنسبة لمستورد نفطي صاف مثل الهند، فإن الارتفاع المطرد في أسعار النفط الخام من شأنه أن يرجع بآثار سلبية واضحة على الاقتصاد الكلي في البلاد».

وفي حين أن الحكومة الهندية قد اتخذت بعض الخطوات الجادة لزيادة إنتاج النفطي محليا، ولا سيما في أعقاب تولي حكومة السيد مودي السلطة، فإن التوقعات تفيد بأن أي زيادة محلية في إنتاج النفط الخام سوف تكون هامشية ليس إلا.

وبينما تبذل الحكومة الجهود الكبيرة في تطوير مصادر الطاقة البديلة وغير التقليدية، مثل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، فإن آثار تنمية مصادر الطاقة غير التقليدية لن تحدث فارقا كبيرا في الاعتماد الهائل على الواردات النفطية الخارجية، مع اعتبار الحاجات الهائلة للطاقة في البلاد.

ومع ارتفاع أسعار النفط الخام، تحركت الحكومة الشهر الماضي لخفض الضرائب على البنزين والديزل معا، الأمر الذي أسفر عن خسائر كبيرة في الإيرادات.

ويقول خبراء السوق إن الكيفية التي تعالج بها حكومة السيد مودي الارتفاع العالمي في أسعار النفط سوف تحدد المسار المستقبلي للحكومة. وفي المستقبل، ونظرا للارتفاع المطرد في أسعار النفط، سوف تكون هناك آثار اقتصادية واسعة النطاق في الأيام المقبلة.

غير أن الدراسة الاقتصادية التي رُفعت إلى البرلمان الهندي في وقت سابق من العام الحالي قد رسمت صورة مغايرة بعض الشيء، إذ ذكرت أنه حتى مع ارتفاع الأسعار فقط إلى مستوى 60 – 65 دولارا للبرميل، فإن الاقتصاد الهندي سوف يتأثر وفقاً لذلك، عن طريق انخفاض الاستهلاك، وتقلص مجال الاستثمار العام، وانخفاض هوامش الشركات، وزيادة استثمارات القطاع الخاص. ومن شأن نطاق التسهيلات النقدية أن يتضاءل أيضاً، إذا ما أسفر ارتفاع الأسعار النفطية عن زيادة الضغوط التضخمية.

ويتوقع المحللون استمرار ارتفاع أسعار النفط الخام. ويقول مارتن راتس وإيمي سيرجينت من “مورغان ستانلي” في مذكرة بحثية نشرت في 6 نوفمبر  الحالي: يتزايد الطلب على النفط الخام ارتفاعا بمرور الوقت، ولا تزال هناك قيود على الإنتاج تفرضه مجوعة دول أوبك، كما أن النمو منخفض في أماكن أخرى. وإننا نرفع توقعاتنا إلى 63 دولارا للبرميل بحلول منتصف عام 2018.

ووفقاً للتقارير الصادرة عن “بلومبيرغ” و”رويترز”، فإن بعض المحللين الدوليين يتوقعون ارتفاع أسعار النفط الخام إلى 70 دولارا للبرميل بحلول عام 2018.

ومع ذلك، لا يزال هناك بصيص أمل في نهاية النفق. إذ يثير كثير من المحللين الدوليين بعض الشكوك حيال ما إذا كانت أسعار النفط الخام سوف تستمر عند مستويات تبلغ 65 – 70 دولارا للبرميل.

ونقلت وكالة بلومبيرغ الإخبارية عن المحلل المخضرم في أسواق النفط ورئيس مجلس إدارة مؤسسة «إف جي إي» الاستشارية، فيريدون فيشاراكي قوله: أحسنت (أوبك) صنعا بتقييد خط إنتاجها مع انخفاض أسعار النفط، ولكن مع استعادة الأسعار عافيتها، فمن شأن الانضباط الصارم أن يتقلص داخل مجموعة (أوبك) وخارجها.

ونظراً لوضع الاقتصاد الكلي في الهند، فإن تأثير ارتفاع أسعار النفط على المؤشرات الفردية قد لا يبدو مثيراً للقلق حتى الآن، ولكن جنباً إلى جنب مع ارتفاع وتيرة عدم اليقين المتعلقة بالإيرادات والنشاط الاقتصادي نظراً للمشكلات العسيرة الناشئة عن فرض ضريبة السلع والخدمات، يمكن للأمر أن يسفر عن تردي التوقعات الهندية.