رغم أنف كوفيد19.. الذهب الأسود يستعيد بريقه من جديد مع اشراقة 2022

كتب – أسامة جلال:
في الوقت الذي يحتفل فيه العالم بنهاية عام وبداية العام الجديد 2022.. وفي ظل جائحة كورونا (كوفيد 19).. ذلك الفيروس الذي غير المفاهيم وقلب الموازين رأسا على عقب.. تظل أسعار النفط لبنة أساسية تتحكم في مصير دول وشعوب وتتحكم في اقتصادياتها وخططها المستقبلية وموازناتها العامة ولا شك أن هذا التأثير زاد تأكيده وثبت منذ ظهور الفيروس في نهاية 2019 وحتى هذا اليوم الأخير من 2021 خصوصا في الدول التي تعتمد على النفط كمصدر أساسي وربما وحيد للدخل القومي ومنها الكويت التي يشكل النفط نحو 95 في المئة من دخلها القومي.
وكانت أسعار النفط تعرضت لأكبر انتكاسة في التاريخ بفعل الفيروس عندما واصلت سقوطها الحاد في ابريل قبل الماضي مع قرب انتهاء أجل تعاقدات النفط الأمريكي تسليم مايو قبل الماضي وانخفض سعر خام غرب تكساس الوسيط وهو الخام القياسي للنفط الأمريكي وبعد جلسة تداول عاصفة تدهور سعر برميل النفط تسليم مايو المدرج في سوق نيويورك إلى ما دون الصفر لأول مرّة في التاريخ مع انتهاء التعاملات ما يعني أن المستثمرين مستعدّون للدفع للتخلّص من الخام.
ونظرا إلى انقضاء مهلة عقود ذلك الشهر على المتعاملين العثور على مشترين في أقرب وقت ممكن ومع امتلاء منشآت التخزين في الولايات المتحدة بشكل هائل في ذلك الوقت أجبر المتعاملون على الدفع للناس للعثور على مشترين ما تسبب ببلوغ سعر برميل خام غرب تكساس الوسيط 63ر37 دولارا تحت الصفر مع انتهاء التعاملات في تلك الجلسة.. وهو ما يفسر اختلال التوازن بين العرض والطلب.
وإن كان يعتبر العام 2020 عام أسود على منتجي ومصدري النفط إلا أن الأسعار في الأشهر الأخيرة ومنذ بداية 2021 عادت لتتعافى مع توقعات بإنتعاشة قوية للطلب العالمي على النفط قد يدفع أسعار خام “برنت” القياسي العالمي لتتجاوز 90 دولارا للبرميل.. بحسب بنك الاستثمار “غولدمان ساكس”.
كما توقع بنك الاستثمار الأمريكي أن يصل الطلب على النفط في وقت قريب إلى مستويات ما قبل الجائحة ليصل إلى 100 مليون برميل يوميا مع زيادة الاستهلاك في آسيا بعد موجة السلالة المتحورة للفيروس.
ورغم اصابة نحو 222ر901ر286 شخصا في العالم بفيروس كورونا منذ ظهور الوباء بحسب احصاءات منظمة الصحة العالمية منهم 631ر416 في الكويت ووفاة 570ر446ر5 شخصا جراء الفيروس منهم 468ر2 في الكويت إلا أنه من الواضح أن كورونا لم يعد ذلك الشبح المخيف رغم أنه راح ضحيته يوم أمس 30 ديسمبر 2021 فقط 613 شخصا على مستوى العالم.
ولأنه من الطبيعي والمنطقي أن تستمر الحياة مع زيادة الاستهلاك وزيادة عدد سكان المعمورة البالغ حتى اليوم بحسب موقع وورلد ميترز العالمي والمتخصص في الاحصاءات 9ر7 مليار نسمة وبلوغ عدد المواليد هذا العام 2021 نحو أكثر من 140 مليون مولود ووفاة نحو 59 مليون شخصا بمعدل نمو سكاني يبلغ نحو 81 مليونا هذا العام يتأكد أن استهلاك النفط وزيادة الطلب عليه أمر حتمي مع عدم وجود بدائل حقيقية للنفط (الطاقة البديلة والمتجددة) في الصناعة وإمداد البشرية بمنتجات ضرورية وحتى تكنولوجية وترفيهية.
ويعود هنا السؤال مجددا.. ما هو مستقبل أسعار النفط؟ وتظل الإجابة ثابتة.. مستقبل مشرق مزدهر وإن تعرضت الأسعار لبعض الانتكاسات والتراجع المؤقت بفعل عوامل تقنية وسياسية وربما أيضا صحية تؤثر على العنصر الأساسي المتعلق بالعرض والطلب.
وبنظرة على النفط الكويتي وأسعاره نجد أن سعر برميل النفط الكويتي في ال 30 من ديسمبر 2021 “أمس” ارتفع إلى 32ر79 دولارا للبرميل في حين بدأ الشهر ذاته بسعر 24ر73 دولار للبرميل وهو ما يعني الارتفاع المطرد للأسعار برغم كل ما تعانيه البشرية من جراء جائحة كورونا.
وبحسب تقرير لمنظمة الدول المصدّرة للنفط أوبك الأخير من المتوقع أن يتجاوز الطلب العالمي على النفط مستويات ما قبل كورونا على أن يصل لذروة الطلب أواخر 2022 مشيرا الى ان الطلب على النفط سينمو في 2022 ليصل إجمالي الطلب إلى 59ر100 مليون برميل يوميا بزيادة نحو 4 مليون برميل عن عام 2021 الذي سجل إجمالي الطلب عند 6ر96 مليون برميل يوميا.
وتوقع مصرف غولدمان ساكس وصول الطلب على النفط إلى مستويات قياسية نتيجة زيادة الطلب على الطيران والنقل وذلك خلال العامين المقبلين.
وبالنظر إلى الاحتياطي العالمي المؤكد من النفط دون النفط الصخري وبحسب بيانات صادرة عن منظمة الدول المصدر للبترول (أوبك) فإن الاحتياطي يبلغ نحو 55ر1 تريليون برميل وهو ما يعني أنه في حالة استمرار الطلب بنفس المعدل فإن عمر النفط سيصل إلى نحو 42 عام مقبلة.
وهذه بالطبع معادلة تقريبية غير دقيقة لأن الطلب مؤكد سيرتفع وكذلك الانتاج والاستهلاك كما أنه من المتوقع أن نشهد اكتشافات نفطية جديدة ناهيك عن احتياطيات النفط الصخري وعن تفاوت نسب الاحتياطيات المؤكدة في الدول المنتجة.
فدولة كالكويت التي تمتلك نحو 5ر101 مليار برميل احتياطيات مؤكدة من النفط ما يعادل 6ر6 في المئة من الاحتياطي العالمي وتحتل المرتبة الخامسة عالميا وتنتج نحو 8ر2 مليون برميل يوميا وهي حصتها من انتاج (أوبك).. إذا ما استمرت في نفس معدل الانتاج فهذا يعني انها ستظل تنتج النفط لمدة تصل إلى نحو 100 عام دون أي زيادة في الاحتياطيات أو الاكتشافات الجديدة وكذلك الانتاج.
كما أن دولة كالمملكة العربية السعودية والتي تحل كثاني أكبر دول العالم من حيث احتياطيات النفط المؤكدة بنحو 1ر267 مليار برميل بحصة 2ر17 في المئة من الاحتياطي العالمي النفطي والتي تنتج وفقا ل (أوبك) نحو 10 ملايين برميل يوميا إذا ما افترضنا انها استمرت على نفس معدل الانتاج ستظل تنتج لما يقارب 73 عام دون أي زيادة في الاحتياطيات أو الاكتشافات الجديدة وكذلك الانتاج.
في حين أن دولة مثل الإمارات العربية المتحدة والتي تحتل الترتيب الرابع عالميا في احتياطات النفط المؤكدة بما يبلغ 107 مليارات برميل يشكل 9ر6 في المئة من الاحتياطي العالمي وتنتج وفقا لحصتها في (أوبك) 5ر3 مليون برميل يوميا إذا ما افترضنا انها استمرت على نفس معدل الانتاج ستظل تنتج لما يقارب 31 عام دون حساب أي زيادة في الاحتياطيات أو الاكتشافات الجديدة وكذلك الانتاج.
وبنظرة نحو المستقبل على المستوى البعيد أسعار النفط إلى ارتفاع شئنا أو أبينا وإن تذبذبت في بعض الأحيان وانخفضت في أخرى بفعل عوامل السوق الاقتصادية والسياسية وتداعيات خاصة بالإمدادات وعناصر طبيعية ومناخية متقلبة وظروف خاصة بالنقل.. كلها تؤثر على طبيعة العرض والطلب.
ولعل ما حققته أسعار النفط في 2021 من مكاسب قوية مدعومة بعدد من العوامل بعضها اقتصادي والآخر سياسي والظروف الطبيعية وتداعياتها على الإمدادات وارتفاع سعر خام برنت القياسي بنسبة 47 في المئة في حين شهد سعر خام غرب تكساس الوسيط زيادة تقارب ال 50 في المئة.. لعل ذلك يبشر بأسعار أكثر ارتفاعا في 2022.
ففي عام 2021 استفادت أسعار النفط من التوسع في النشاط الاقتصادي مع عودة الطلب على النفط بعد تخفيف قيود الإغلاق المتعلقة بالوباء وانتشار اللقاحات المضادة لكورونا ودعم ذلك أيضا سياسات منظمة الدول المصدرة للبترول (أوبك) التي حافظت على معدلات انتاج تتماشى والطلب العالمي على النفط بالإضافة إلى تفاقم أزمة الطاقة في العالم تحوّل الطلب من الغاز الطبيعي والفحم إلى النفط نتيجة ارتفاع أسعارهما واستخدامهما وقودا لمحطات توليد الكهرباء.
وبالرغم من تعرض أسعار النفط في 2021 لعوامل هبوط ومنها عدم اليقين بشأن تعافي الطلب وظهور سلالات جديدة من كورونا مثل دلتا ومتحور أوميكرون وارتفاع سعر صرف الدولار الامريكي الا انها ظلت في مستويات مرتفعة.
وقد أثرت عوامل كثيرة أخرى على اسعار النفط في 2021 صعودا وهبوطا على سبيل المثال استخدام الصين للاحتياطي النفطي الإستراتيجي وقرار الرئيس الأميركي بالسحب من الاحتياطي الإستراتيجي بالتعاون مع عدد من الدول مثل الهند والمملكة المتحدة بعد محاولات إقناع تحالف أوبك+ لزيادة إنتاج النفط باءت بالفشل.
وكان من العوامل الأخرى المؤثرة على أسعار النفط العوامل الطبيعية التي شهدها عام 2021 ما أدى إلى حدوث تقلبات في المعروض النفطي والأعاصير التي ضربت خليج المكسيك وبحر الشمال والجفاف في البرازيل والغرب الأميركي وظروف الشتاء القارس والصيف الحار في أوروبا.
وأما حول توقعات أسعار النفط في 2022 فكل المعطيات تشير إلى ارتفاعها بعدما أصبح تأثير فيروس كورونا محدود على الاستهلاك والطلب بالرغم من ظهور المتحور الجديد وبعض الإغلاقات في عدد من دول أوروبا.
وتوقع عدد من المحللين المعتبرين وبيوت الخبرة العالمية أن يظل متوسط سعر برميل نفط خام القياس العالمي مزيج برنت على ما هو عليه فوق 70 دولار للبرميل مع زيادة تصل إلى 5 دولارات بنهاية العام ليكون النطاق السعري بين 75 إلى 80 دولار للبرميل.. في حين ذهب البعض لأكثر من هذا ليلامس سعر البرميل ال 90 دولارا.
ومن ناحيتها خفضت إدارة معلومات الطاقة الأميركية في تقرير لها توقعاتها بشأن أسعار النفط خلال 2022 وقلصت توقعاتها لسعر الخام القياسي برنت إلى متوسط 60ر70 دولارا للبرميل في حين وتوقع بنك الاستثمار المصري أن يسجل النفط متوسط 79 دولارا للبرميل في 2022 معللا ذلك باستمرار نمو الطلب في النصف الأول من العام الجديد مما سيبقي الأسعار أعلى من 75 دولارا للبرميل.
وكان وزير الطاقة الإماراتي سهيل المزروعي استبعد في تصريحات على هامش فاعليات معرض ومؤتمر أديبك نوفمبر الماضي وصول أسعار النفط إلى 100 دولار في 2022 مشيرا الى أن العوامل الأساسية لا تشير إلى ذلك “إذ سيكون هناك فائض في المعروض”.
في النهاية وبحسب تقديرات إدارة معلومات الطاقة الأميركية فإن مخزونات النفط التجارية لدى دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بلغت في عام 2021 نحو 742ر2 مليار برميل انخفاضا من 025ر3 مليار برميل العام الماضي وبالنظر إلى جميع المعطيات الموجودة فإن أسعار الذهب الأسود في العام الجديد 2022 إلى ارتفاع لا محالة طالما ظلت المعطيات على وتيرتها الحالية.(النهاية)