دراسة: أهمية اقتصادية وإستراتيجية إسرائيلية لتصدير الغاز لمصر

رأى الدبلوماسي السابق والباحث في “معهد أبحاث الأمن القومي” في جامعة تل أبيب، عوديد عيران، أن صفقات الغاز الذي تصدره إسرائيل إلى مصر والأردن والسلطة الفلسطينية، تنطوي على مكاسب اقتصادية وإستراتيجية، ولكن على مخاطر أيضا، بينما الخياران الآخران، بتصدير الغاز إلى تركيا ومنها إلى أوروبا، أو إلى اليونان ومنها إلى أوروبا، ليسا قابلان للتنفيذ حاليا.

وكانت شركتا “ديلك” الإسرائيلية و”نوبل إنرجي” الأميركية، صاحبتا الامتياز باستخراج الغاز من حقلي “تمار” و”ليفياتان” في البحر المتوسط، أعلنتا في 19 شباط/فبراير الماضي، عن إبرام اتفاق مع شركة “ديلفينوس” المصرية، وبموجبه ستزودان مصر بـ3.5 مليار متر مكعب من الغاز سنويا، على أن تكون الكمية كلها 32 مليار متر مكعب من حقل “تمار” وكمية مشابهة من “ليفياتان”، بمبلغ إجمالي يصل إلى 15 مليار دولار.

كذلك أعلنت “ديلك”، في 27 أيلول/سبتمبر الماضي، أن شركة East Mediterranean Pipeline (EMED)، التي تملك “ديلك” 25% من أسهمها، اشترت 39% من أسهم الشركة المصرية Eastern Mediterranean Gas (EMG)، بمبلغ 518 مليون دولار، وهذه النسبة عبارة عن أنبوب النفط بطول 90 كيلومترا، الممتد من أشكلون (عسقلان) إلى العريش في مصر، وحقوق حصرية لتفعيله. وهذا الأنبوب هو جزء من الأنبوب الذي كان ينقل الغاز الطبيعي من مصر إلى إسرائيل والأردن بواسطة أنبوب آخر يمتد من العريش إلى العقبة، والذي جرى إلحاق أضرار فيه جراء قيام تنظيمات في سيناء بتفجيره.

وأشار عيران إلى أن استكمال الصفقة مشروط بالحصول على عدة تصاريح من الحكومتين المصرية والإسرائيلية. لكنه اعتبر أن شركتي “ديلك” و”نوبل” تخاطران بشرائهما قسما من الأنبوب المصري كي تطبقان الاتفاق لتزويد مصر بـ64 مليار متر مكعب خلال عشر سنوات تبدأ في العام 2019 المقبل. ورغم ذلك، رأى عيران بهذه الصفقة، وعدا جوانبها الاقتصادية، أنها تنطوي على تبعات سياسية. فمستهلكو الغاز هم مصر والأردن والسلطة الفلسطينية. ومن أصل 400 مليار متر مكعب جاهزة للتصدير، من الحقلين المذكورين، توجد التزامات بشراء 115 مليار متر مكعب منها.

وأضاف عيران أن الصفقات الثلاث بين إسرائيل وبين مصر والأردن والسلطة الفلسطينية “مستقرة من الناحية التجارية، لكنها تخضع لعدد من المخاطر السياسية والأمنية ولمنافسة تجارية محتملة”. ولفت إلى أن مصر قد تتخلى في المستقبل عن استيراد الغاز من إسرائيل، في حال تطوير حقول الغاز المصرية. “ورغم ذلك، فإن الصفقة الأخيرة بين إسرائيل ومصر ما زالت هامة بسبب إمكانية نقل الغاز الإسرائيلي إلى منشآت تسييل قبالة الساحل المصري. ويمكن أن تقود هذه الصفقة إلى حل خلاف تجاري بين شركة الكهرباء المصرية ومجموعة شركات مصرية يتعلق بتعويض جراء الغاز الذي لم يُزود من الجانب المصري”.

ورغم أن EMG لم تحصل على أي دفعة مالية حتى الآن، في أعقاب قرار التحكيم الدولي بأن تدفع مصر مبلغ 1.76 مليار دولار لشركة الكهرباء الإسرائيلية و324 مليون دولار لـEMG، “إلا أن لحكومتي إسرائيل ومصر مصلحة واضحة في منع تحول الخلاف إلى عقبة أمام التعاون المتزايد بين الحكومتين، ولا شك في أن الاتفاق الذي جرى توقيعه مؤخرا يشكل خطوة في هذا الاتجاه”.

الخياران التركي والإيراني

أكد عيران على أن توقيع اتفاقية بيع الغاز لمصر جاء على خلفية تراجع احتمالية خيارين آخرين، يتعلقان بنقل الغاز من إسرائيل إلى تركيا واليونان. وأشار إلى أن السوق التركية كانت من الممكن أن تشكل خيارا جذابا بالنسبة للغاز من إسرائيل ودول أخرى في شرقي البحر المتوسط. “ورغم ذلك، فإن انعدام القدرة على توقع الأداء السياسي للنظام الحالي في تركيا (برئاسة رجب طيب إردوغان)، الذي يتم التعبير عنه بتعامله مع إسرائيل، إضافة إلى انعدام الاستقرار السياسي في لبنان وسورية، وعدم وجود حل سياسي للصراع في قبرص، جعلت بيع الغاز الطبيعي إلى تركيا واستخدام هذه الدولة كمركز توزيع لأسواق أخرى غير قابل للتطبيق، وعمليا خطيرا لأسباب سياسية وأمنية. ولذلك، فإن انعدام الاستقرار الاقتصادي في تركيا يمس بجاذبية هذا الخيار لتصدير الغاز الطبيعي من إسرائيل”. واللافت في تحليل عيران أنه يتجاهل الصراع الإسرائيلي – الفلسطيني وانعدام أي أفق لحله حاليا، وهو الأمر الذي يؤثر كثيرا على العلاقات الإسرائيلية – التركية.

والخيار الآخر، وفقا لعيران، هو أن مد أنبوب من الساحل الشرقي للمتوسط نحو اليونان عن طريق قبرص معقد جدا من الناحية التقنية وينطوي على عدة مشاكل سياسية، مرتبطة بالصراع في قبرص. وأشار إلى أن هذه الإمكانية مرتبطة اقتصاديا بموافقة دول أخرى مصدرة للغاز في الشرق الأوسط على تقاسم قدرات ضخها للغاز مع إسرائيل من أجل تبرير الاستثمار المالي الهائل المطلوب.

واعتبر عيران أنه “من الناحية السياسية، تكمن في مشروع كهذا أفضليات سياسية واقتصادية بالنسبة لإسرائيل، كونه يضمن سوقا كبيرة ومستقرة، ويضيف بعدا هاما لعلاقات إسرائيل مع الاتحاد الأوروبي، المتخلخلة منذ فترة طويلة، ويعزز الاستقرار في الشرق الأوسط، لأن جميع الدول المصدرة للغاز والتي تستخدم الأنبوب ستكون معنية بمداخيل تنبع من عمل الأنبوب الآمن والمتواصل. لكن هذا مشروع للأمد البعيد، خاصة إذا تم الأخذ بالحسبان بحقيقة أن عدة شروط مسبقة لتطبيق ذلك غير موجودة بعد”.

الخيار المصري وحقل الغاز “غزة – مارين”

إثر ذلك، يتوصل عيران في دراسته إلى أن “الخيار المصري، سواء كسوق أو كجسر لتصدير الغاز السائل إلى أوروبا، هو الخيار الموجود والدائم الوحيد لتصدير الغاز الطبيعي من إسرائيل”. وأضاف أن هذا الخيار “يضيف بعدا آخر للتطور الإيحابي في العلاقات بين إسرائيل ومصر، لأن ثمة أهمية لتوسيع هذه العلاقات أكثر من التعاون الأمني الوثيق”.

رغم ذلك، فإنه ما زالت هناك مخاطر معينة حيال مستقبل بيع الغاز من إسرائيل لمصر. “فالعلاقات الحالية بين إسرائيل ومصر تبدو أفضل من الماضي، لكن هذا على مستوى الحكومتين، وهذا يعني أن صفقات الغاز جرى توقيعها بين الشركات، لكن تطبيقها مقرون بالاعتبارات السياسية للحكومة المصرية. ثانيا، حقول الغاز الطبيعي المصرية قد تتسع بشكل كبير وقد تؤثر على المحفزات والاعتبارات المصرية بكل ما يتعلق بشراء الغاز أو الكميات التي يتم ضخها للتسييل في منشآتها”.

وبحسب عيران، فإن قضية الغاز قبالة شواطئ قطاع غزة، حقل “غزة – مارين”، ليست مطروحة بسبب كميته الصغيرة نسبيا، بحجم 30 مليار متر مكعب، وبسبب الوضع الاقتصادي الصعب ومستقبل القطاع غير الواضح. “والمحادثات التي تجريها مصر على حدة مع كل من إسرائيل والسلطة الفلسطينية وحماس، بهدف التوصل إلى استقرار في غزة، من شأنها أن تساعد على بحث خطط لتحسين الوضع الاقتصادي في القطاع، وبينها استغلال حقل مارين. والغاز الطبيعي، في حال اكتشافه، يمكن أن يباع لإسرائيل أو مصر بواسطة إضافة أنبوب قصير إلى أنبوب أشكلون – العريش، بينما يتم ربط غزة والضفة الغربية بشبكة الكهرباء الإسرائيلية، وبذلك يتم توفير جزء كبير من الاستثمار المطلوب من أجل ربط حقل مارين مباشرة بغزة والضفة”.