حرب إيران: خسائر السياحة ستراوح ما بين 34 و56 مليار دولار

تشير تقديرات “أكسفورد إيكونوميكس” إلى أن صراعاً قصير الأمد قد يؤدي إلى تراجع عدد السياح إلى الشرق الأوسط بنسبة 11 في المئة هذا العام مع خسائر متوقعة بنحو 34 مليار دولار بسبب الحرب العسكرية الأميركية – الإسرائيلية من جهة وإيران من جهة أخرى.
وقالت شركة الاستشارات إن الصراع الأحدث في الشرق الأوسط سيكون له تأثيرات كبيرة وفورية في حركة السفر في المنطقة وخارجها، إذ أُغلقت معظم الأجواء، مع إلغاء أكثر من 5 آلاف رحلة جوية خلال اليومين الأولين من الصراع. وعند استئناف الرحلات، ستُعطى الأولوية للمسافرين العالقين – سواء داخل الشرق الأوسط أو خارجه – الذين سيمرون عبر المطارات الإقليمية، إضافة إلى السكان الراغبين في المغادرة لأسباب أمنية.
ووضعت “أكسفورد إيكونوميكس” نموذجين لتأثير الصراع في الشرق الأوسط: الأول، سيناريو الحل المبكر، وفيه ستستمر الحرب القائمة إلى أسبوع إلى ثلاثة أسابيع، وفي هذا السيناريو، من المتوقع انخفاض عدد السياح الوافدين إلى الشرق الأوسط بنسبة 11 في المئة سنوياً في عام 2026، ويعني ذلك خسارة نحو 23 مليون زائر دولي مقارنة بالبيانات الأساسية لديسمبر (كانون الأول) 2025، وما يعادل 34 مليار دولار من الإنفاق السياحي.
أما السيناريو الثاني فيتمثل في الصراع المطوّل، فيفترض أن إيران لن تستمر في القتال لأكثر من شهر أو شهرين، إذ يتوقع تسجيل خسائر أكبر تصل إلى نحو 38 مليون زائر دولي في عام 2026، مما ينتج عنه انخفاض بنسبة 27 في المئة على أساس سنوي، وخسارة تقدر بنحو 56 مليار دولار من الإنفاق السياحي.
وتوقع التقرير أن تشهد دول مجلس التعاون الخليجي أكبر الخسائر، نظراً إلى أنها تمثل كبرى الوجهات السياحية في المنطقة وتعتمد على صورة الأمان والاستقرار التي جذبت الزوار في السابق.
ومع ذلك، يظهر تأثير أكبر مقارنة بالتوقعات الأساسية في بعض الدول غير الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي، ولا سيما إسرائيل وإيران، اللتين كان من المتوقع أن تشهدا تعافياً في السياحة بعد الصراع الذي شهدته المنطقة العام الماضي.
ويُعد الشرق الأوسط مركز عبور عالمياً رئيساً، إذ تمثل مطاراته نحو 14 في المئة من إجمال حركة العبور الدولية في العالم، ومن شأن ذلك أن يؤدي حتماً إلى تأثيرات غير مباشرة خارج المنطقة، فالتعطّل الحالي سيؤثر في تدفقات السفر التي تمر عادة عبر مراكز العبور في الشرق الأوسط، بما في ذلك المسارات الرئيسة بين أوروبا ومنطقة آسيا والمحيط الهادئ.
التأثير المباشر في السياحة بالشرق الأوسط
وفقاً لـ”أكسفورد إيكونوميكس” يمثل الشرق الأوسط نحو خمسة في المئة من إجمال عدد الوافدين الدوليين للمبيت حول العالم في عام 2026 وفقاً لتوقعات ديسمبر 2025.
ومع استمرار الصراع، يتوقع انخفاض ملحوظ في أعداد الزوار خلال العام الحالي، ومن المرجح أن يكون تأثير هذا الصراع أكبر من تأثير الصراع الذي وقع العام الماضي، بسبب الضربة الانتقامية التي نفذتها إيران ضد دول مجلس التعاون الخليجي المجاورة، إضافة إلى اتساع نطاق إغلاق المجال الجوي في المنطقة مقارنة بالعام الماضي.
شهدت المنطقة إغلاقاً واسعاً للمجالات الجوية، فقد أُغلق المجال الجوي بالكامل في إيران وإسرائيل والعراق وقطر والبحرين الكويت وسوريا، بينما فُرضت إغلاقات جزئية في الإمارات والسعودية. ووفقاً لمنصة تتبع الرحلات الجوية “فلايت رادار 24″، جرى تسجيل أكثر من 5 آلاف رحلة ملغاة الأحد والإثنين، مع استمرار ارتفاع العدد مع تمديد إغلاقات المجال الجوي، وصدرت تحذيرات سفر للمسافرين لتجنب السفر إلى المنطقة.
ونتيجة لذلك، لا يزال كثير من الركاب عالقين في مختلف أنحاء المنطقة، كذلك فإن إلغاء الرحلات أدى إلى بقاء الطواقم الجوية والطائرات في مواقع غير مخطط لها، مما يجعل استئناف جداول الرحلات في الأيام المقبلة أكثر صعوبة حتى في حال تغيير أو تخفيف قيود المجال الجوي.
تأثيرات في السفر الدولي والأسواق الخليجية
وفقاً لتقرير “أكسفورد إيكونوميكس” سيشهد السفر الدولي إلى هذه الأسواق تراجعاً كبيراً في أعداد الرحلات الوافدة والمغادرة خلال فترة إغلاق المجال الجوي، وكذلك خلال مرحلة العودة التدريجية للنشاط الطبيعي بعد استئناف الحركة، وستتفاقم هذه التأثيرات نتيجة العوامل المرتبطة بثقة المسافرين خلال الأشهر اللاحقة، التي ستعتمد على مدة استمرار الصراع وطريقة انتهائه.
وتعد الإمارات والسعودية الأكثر عرضة لخسارة أعداد كبيرة من الزوار، نظراً إلى ضخامة أعداد السياح الدوليين واعتمادهما الكبير على النقل الجوي، بجانب أن النقل الجوي يتأثر بشكل أكبر بتراجع ثقة المسافرين مقارنة بخيارات النقل البري.
بالمقابل، تشكل الرحلات البرية نحو 32 في المئة من إجمال الوصول إلى قطر و74 في المئة إلى البحرين، مما يجعل تأثير الاضطرابات أقل نسبياً عليهما، ومع الضربات الانتقامية الواسعة التي نفذتها إيران خلال عطلة نهاية الأسبوع، من المرجح أن تمتد تأثيرات تراجع الثقة إلى نطاق أوسع عبر دول مجلس التعاون الخليجي.
الشرق الأوسط كمركز عالمي للطيران
يؤدي الشرق الأوسط دوراً كبيراً كمركز عبور عالمي، إذ يمر نحو 14 في المئة من جميع المسافرين الدوليين عبر مطارات المنطقة، وأسهم هذا الدور في تطوير البنية التحتية للطيران، مع وجود ثلاث شركات طيران رئيسة وهي “طيران الإمارات” في دبي، و”الخطوط الجوية القطرية” في الدوحة، و”الاتحاد للطيران” في أبوظبي، وتعد هذه الشركات أساسية لتدفقات السفر بين أوروبا وآسيا وأوقيانوسيا. ومع تراجع نشاط هذه الشركات وإغلاق الأجواء، تتأثر شبكات الرحلات الطويلة، وهو ما يُرى بالفعل مع الركاب العالقين في مدن مثل فرانكفورت وبالي ونيبال.
تأثيرات الانعكاس على أوروبا وآسيا
بدأت شركات الطيران غير الخليجية التي تسير رحلات بين أوروبا ومنطقة آسيا والمحيط الهادئ بإعادة توجيه مساراتها لتجنب إغلاق المجال الجوي في الشرق الأوسط، وهذه المسارات المعاد توجيهها تؤدي إلى زيادة أوقات الرحلات، وزيادة استهلاك الوقود، وارتفاع الكلفة المرتبطة بذلك.
وستؤدي الكلفة الأعلى وانخفاض كفاءة الشركات إلى إلغاء بعض الرحلات، وقد يختار بعض الركاب عدم السفر إذا جرى تمرير الكلفة الإضافية إليهم، بينما تشكل زيادة أوقات السفر والمخاوف المحتملة في شأن السلامة عوامل إضافية لردعهم عن السفر.
وفي سيناريو الصراع المطوّل، ستتأثر قدرة العبور وسيصبح بعض خطوط الرحلات الطويلة أقل تواتراً وربما أكثر كلفة، وبما أن الشرق الأوسط يمثل نقطة ربط شائعة بين أوروبا ومنطقة آسيا والمحيط الهادئ، فمن المرجح أن تشهد هذه الزوجية الإقليمية أكبر تأثير على القدرة الاستيعابية للرحلات.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وبالنظر إلى أن ممرات الرحلات الجوية قد تقلصت بشكل كبير في الأعوام الأخيرة بسبب الصراع المستمر بين روسيا وأوكرانيا، فإن ذلك يضع ضغوطاً متزايدة على المجال الجوي الصغير والمراكز الجوية في المنطقة، وبخاصة في السعودية، بجانب أن خطر تصعيد الصراع بين باكستان وأفغانستان قد يؤدي إلى آثار كبيرة إضافية على ممر الرحلات بين أوروبا وآسيا.
وعلى رغم أن أوروبا وآسيا هما المناطق الأكثر تأثراً خارج الشرق الأوسط، فإن أميركا ستشهد بعض التأثيرات أيضاً، إذ ألغت شركة “يونايتد إيرلاينز” جميع رحلاتها من الولايات المتحدة إلى تل أبيب في الأيام المقبلة، وكانت تعتبر سابقاً هذا الخط من بين أكثر مساراتها ربحية.
ضغوط أسعار الوقود وتذاكر الطيران
وأسهمت تحذيرات إيران للسفن بتجنب المرور عبر مضيق هرمز في القفزات الحادة بأسعار النفط الخام، ويُعد هذا المضيق المائي الضيق مسؤولاً عادة عن نحو 20 في المئة من شحنات النفط والغاز الطبيعي في العالم، وتوقف النشاط الملاحي فعلياً وسط الأخطار المتصاعدة.
وتشير أحدث التحليلات إلى أن أسعار النفط ستستقر حول 80 دولاراً للبرميل خلال الربع الثاني من العام، قبل أن تنخفض إلى نحو 60 دولاراً بحلول نهاية العام، وفقاً لتقرير بحثي حديث.
ويتوقع أن ينعكس ارتفاع أسعار النفط مباشرة على كلفة وقود الطائرات، وعلى رغم تغطية شركات الطيران الجزئية ضد تقلبات الأسعار، فإنها لن تكون محمية بالكامل من الزيادات المتوقعة في أسعار النفط خلال الأشهر المقبلة.
ستضع التأثيرات المجمعة لكلفة إعادة توجيه الرحلات، التي عادة ما تؤدي إلى زيادة أوقات السفر واستهلاك وقود أكبر، وتقليص القدرة الاستيعابية عبر الشرق الأوسط، ضغوطاً تصاعدية على أسعار التذاكر، علاوة على أن الجمع بين ارتفاع الأسعار وزيادة الأخطار المتصورة (من خلال تراجع الثقة لدى المسافرين) سيؤدي على الأرجح إلى ضعف الحجوزات المستقبلية إذا استمر هذا الاضطراب.



