توقعات تراجع واردات الصين من البولي أوليفينات وانعكاساتها على الدول الأعضاء في أوابك

طبقاً لتقرير أصدرته مؤسسة (ICIS)، فقد شهدت أسعار البولي أوليفينات مع بداية عام 2021، ارتفاعا كبيراً في الأسواق الصينية، وخاصةً منتجات البولي إيثيلين بمختلف درجاته “عالي الكثافة، ومنخفض الكثافة، والخطي منخفض الكثافة”، بالإضافة إلى منتج البولي بروبيلين.  ولم يكن ذلك مرتبطاً بشكل أساسي بخفض مستويات الإنتاج أو المخزون الذي حدث خلال الفترة من يناير حتى نوفمبر 2020، وهي فترة انتشار جائحة فيروس كورونا، وما نتج عنها من سياسات الإغلاق في معظم دول العالم، بل كان ذلك بسبب ظهور متغير جديد، وهو ارتفاع أسعار الشحن الفوري للبولي أوليفينات، حيث قفزت أسعار شحن الحاويات بين مدينة شنغهاي، والساحل الغربي للولايات المتحدة بنسبة 158٪، مقارنة بعام 2019.

استمر هذا الوضع خلال الربع الأول من عام 2021، مما تسبب في نقص كبير في شحن الحاويات وكان له تداعيات مباشرة على رفع الأسعار، ومحدودية الواردات للأسواق العالمية، ترافق ذلك مع خفض إمدادات البولي إيثيلين نتيجة إغلاق عدد من المصانع في أمريكا الشمالية بسبب سوء الأحوال الجوية، والعواصف الثلجية.

إلا أن هذا الارتفاع لم يستمر طويلاً، وعاودت الأسعار انخفاضها نسبيا مع قرب انتهاء النصف الأول من عام 2021، بما في ذلك المنتج في دول منطقة الخليج العربي، على النحو المبين في الشكل (1). وكان ذلك نتيجة زيادة المعروض من دول منطقة الشرق الأوسط، وبدء عودة إنتاج أمريكا الشمالية إلى المعدلات الطبيعية بشكل تدريجي. كما ساهم الوضع الصحي الخطير نتيجة تفشي وباء كوفيد-19 في الهند، إلى إعادة توجيه كميات من البولي إيثيلين المخصص لها، إلى أسواق أخرى.

 

تقترب الصين بشدة من بلوغ مرحلة الاكتفاء الذاتي من عدد من البولي أوليفينات حسب خطط التنمية الموضوعة مسبقاً، بتشجيع المزيد من الاستثمارات المحلية والأجنبية، والتي تتضمن إنشاء وحدات جديدة للتكسير البخاري، ورفع طاقة الوحدات الإنتاجية القائمة اعتمادا على غاز الإيثان المستورد و / أو غاز البترول المسال، وتنفيذ مشاريع لتحويل النفط الخام إلى كيماويات COC، بالإضافة إلى مشروعاتها القائمة لإنتاج البولي أوليفينات اعتمادا على ثرواتها الضخمة من الفحم الطبيعي.

ومع بداية عام 2021 ظهرت مؤشرات تفيد بقيام الصين برفع طاقاتها الإنتاجية، من البولي إيثيلين عالي الكثافة HDPE بنسبة 24٪ لتصل إلى حوالي 12.2 مليون طن سنوياً بنهاية العام.  كما سترفع طاقاتها الإنتاجية من البولي إيثيلين منخفض الكثافة LDPE بنسبة 7٪، لتصل إلى 3.2 مليون طن سنوياً.   وستزيد طاقاتها الإنتاجية من البولي إيثيلين الخطي منخفض الكثافة LLDPE بنسبة حوالي 15٪، لتصل إلى حوالي 10 مليون طن سنوياً.  هذا وقد انعكست تلك المؤشرات بشكل مباشر على أسواق البولي إيثيلين في الصين خلال الربع الأول من عام 2021، منها:

  • انخفاض حجم الواردات، من منتج البولي إيثيلين عالي الكثافة بنسبة 21%، لتصل إلى حوالي 1.7 مليون طن فقط، ترافق ذلك مع زيادة الإنتاج المحلي بنسبة 6%، لتصل كمياته إلى حوالي 2.5 مليون طن.
  • انخفاض حجم الواردات من منتج البولي إيثيلين الخطي منخفض الكثافة بنسبة 5%، لتصل إلى حوالي 1.7مليون طن فقط، ترافق ذلك مع زيادة الإنتاج المحلي بنحو 2%، ليصل إلى حوالي 2.3 مليون طن.
  • انخفاض حجم الواردات من منتج البولي إيثيلين منخفض الكثافة بنسبة 0.4٪، لتصل إلى حوالي 890 ألف طن فقط، ترافق ذلك مع زيادة الإنتاج المحلي بنسبة 4٪، لتبلغ كمياته حوالي 749 ألف طن.
  • من المتوقع انخفاض الواردات من البولي بروبيلين خلال النصف الثاني من عام 2021، لتصل إلى حوالي 931 ألف طن فقط، وسيترافق ذلك مع زيادة الإنتاج المحلي بنسبة 4 %، ليصل إلى حوالي 6.6 مليون طن.

من جانب اَخر من المتوقع أن تحقق الصين اكتفائها الذاتي من البولي بروبيلين بحلول عام 2026، وأن تتحول إلى دوله مُصدرة لهذا المنتج، خاصة بعد أن قامت بتنفيذ خطط لرفع طاقاتها الإنتاجية منه بنسبة 15 % لتصل إلى أكثر من 35.8 مليون طن سنوياً، ذلك مع اكتمال تنفيذ مشروعات التكامل بين صناعتي التكرير والبتروكيماويات، وتشغيل وحدات تكسير النافثا الجديدة.

انعكاسات تراجع واردات الصين من البولي أوليفينات على الدول الأعضاء في أوابك

في ضوء التوقعات المستقبلية من انخفاض واردات الصين من البتروكيماويات على المدى المتوسط تزامناً مع إجراءات تنفيذ خطط الاكتفاء الذاتي، فمن المتوقع أن تشهد الأسواق العالمية وجود فائض في الطاقات الإنتاجية، وتخمة في إمدادات الأسواق لبعض منتجات البتروكيماويات، وخاصة البولي أوليفينات، وسيترافق ذلك مع زيادة الاستثمارات المتوقعة في مجال إنتاج البتروكيماويات في دول منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا خلال الفترة 2020-2024 لتصل إلى حوالي 126 مليار دولار.  فضلاً عن خطط الهند المعلنة للاكتفاء الذاتي من البتروكيماويات، ومع الانتهاء من تشغيل مشروعات الموجة الثانية من مشاريع البولي أوليفينات القائمة على غاز السجيل في أمريكا الشمالية.

وحيث تعد الصين أكبر سوق لتصدير البتروكيماويات للدول الأعضاء في منظمة أوابك، وبخاصة دول مجلس التعاون لدول الخليج العربي، وتمثل حوالي 24% من إجمالي صادراتها، بينما تعد أوروبا ثاني أكبر سوق تصدير لها.  لذا ستكون المنافسة ضارية بين المنتجين الرئيسين في المناطق المختلفة حول العالم، بهدف الاحتفاظ بالحصة التسويقية في الأسواق العالمية، وخاصة الصين، وما قد يؤدي ذلك إلى إجبار الدول الأقل تنافسية على الخروج من دائرة المنافسة، وسينعكس ذلك سلباً على الأسعار من وجهة نظر المنتجين مع زيادة المعروض منها في الأسواق العالمية.

في ضوء ما تقدم من توقعات لتطورات أسواق البولي أوليفينات في الصين، والتي تؤكد بلوغ الاكتفاء الذاتي من بعض أنواعها بنهاية عام 2025، أو 2026 على أقصى تقدير، فإن ذلك يدعو الدول الأعضاء في منظمة أوابك التي تعتمد صادراتها على الأسواق الاسيوية، وخاصة الصين، إلى ضرورة البحث عن أسواق بديلة، كالأسواق الأفريقية التي يمكن أن تكون رافداً يخفف من مخاطر تراجع صادراتها إلى تلك الأسواق. مع ضرورة التوسع في سلسلة القيمة المضافة، والاعتماد على الصناعات التكميلية لإنتاج منتجات متخصصة.  والعمل على تشجيع إنشاء تجمعات الصناعات الصغيرة والمتوسطة التي تعتمد منتجاتها النهائية على تأمين مستلزمات الصناعات الاَخرى كالصناعات المغذية لصناعة السيارات، والإلكترونيات، والبناء والتشييد.