تقنية «بلوك تشين» والطاقة المتجددة

بقلم-د. هيثم باحيدرة

عادة ما تكون جميع الثورات الصناعية مصحوبة بثورة في مجال الطاقة، والثورة الحالية ليست استثناء من هذه القاعدة لأنها تنطلق بفضل الطفرة الحادثة في مجال الطاقة المتجددة. حيث إن نموذج الطاقة الجديد المقترن بالتقنية الرقمية لم يولد إنتاجا لا مركزيا أكبر للطاقة فحسب، بل جلب أيضا خدمات ومنتجات طاقة جديدة. وتعد مسائل التحكم في التكاليف، والاستهلاك الذاتي، ونمذجة الاستهلاك والاستغلال الأمثل له، ومعاملات الطاقة من نظير إلى نظير، والتنبؤات بالمبالغ القابلة للفوترة على المستوى الفردي بعض أبرز القضايا التي يعمل على حلها أصحاب المشاريع وشركات الطاقة بشكل منهجي قضية تلو الأخرى. وعلى الرغم من أنها قد لا تبدو كذلك إلا أنها كلها قضايا معقدة ومطلوب حلها في إطار صناعة كانت تركز لعقود طويلة على المركزية والتوليفات المختلفة وتقسيم عمليات التشغيل وحجم الإنتاج الضخم. ولكن هناك تقنية ميسرة جديدة يمكنها أن تجعل كل هذا يحدث بسرعة وكفاءة وأمان وفعالية من حيث التكلفة، وهي التقنية التي نطلق عليها تقنية قواعد البيانات المتسلسلة blockchain “بلوك تشين”. ولا شك أن كثيرا من الناس قد سمع أو قرأ عن قواعد البيانات المتسلسلة blockchain، ومع ذلك قد لا يزال الأمر محض فكرة مجردة بالنسبة لمعظم الناس، لذا سأحاول أن أصف باختصار ما هي هذه التقنية وكيف تعمل. كان أسهل وصف صادفته لهذه التقنية هو أنها تقنية تحول المعلومات إلى كائن مادي، وبعبارة أخرى هي تساعد على التعامل مع المعلومات المجانية الوفيرة كمنتج نادر وشيء يمكننا التجارة به. وهذا الوصف لا ينطبق على العملات الرقمية فحسب ولكن أيضا على جميع فئات الأصول والكائنات المادية الأخرى. فهي تقنية تساعدنا في نهاية المطاف في مجال تحديد المسؤولية عن الكائنات المادية. فنحن نحتاج إلى شخص ما أو شيء ما لإثبات حقيقة أنني ربما بعت سيارتي لك وأنني لن أتمكن من بيع السيارة نفسها لشخص آخر، وهذا يسمح لنا بشكل أساسي بالتجارة في الكائنات المادية فيما بيننا، كما أنه عن طريق توزيع هذا السجل الخاص بالكائن المادي تنتفي الحاجة إلى وجود وسيط مركزي للتحقق من أنني قمت بالفعل ببيع تلك السيارة، حيث يتم توزيع هذا السجل عبر مختلف ما يطلق عليه عقد الشبكة الإلكترونية ويمكن لكل عقدة التحقق من صحة المعاملة. لذلك لن نكون بحاجة إلى وجود نوع من الكيان المركزي -مثل بنك لتتبع تفاصيل المعاملة- ليقوم بالتحقق من صحة المعاملة. وهذا الأمر يجعل تقنية قواعد البيانات المتسلسلة blockchain مفيدة في أي مكان مصاب بعدم الكفاءة في المعاملات نظرا لاشتراك أطراف متعددة مع ضرورة المحافظة على أن تكون المعاملة آمنة في الوقت نفسه. وهذه التقنية هي في الأساس طريقة لأتمتة وظيفة التحكم في العمليات المعقدة. ولتوضيح الأمر سنتناول مثالا من واقع الحياة وهو تطبيق محتمل من عالم الطاقة. لنفترض أنني سوف أوقع عقدا ذكيا للاستجابة للطلب مع شركة الكهرباء وهو عقد يفوض شركة الكهرباء بإيقاف تشغيل مكيف الهواء الخاص بي في أي وقت تكون فيه ظروف الشبكة لا تسمح بتشغيله. حيث ينص العقد على أنني سأتقاضى مقابل تقديم هذه الخدمة إلى شركة الكهرباء، وبعد توقيع العقد يمكن للشركة إيقاف تشغيل جهاز التكييف الخاص بي في أي وقت. ويمكننا تخزين هذه المعلومات على قاعدة بيانات متسلسلة blockchain. وبهذه الطريقة في كل مرة ترسل فيها شركة الكهرباء إشارة معينة إلى جهاز التكييف الخاص بي، فإنه سيعلم أنه يجب عليه التوقف عن التشغيل، بينما سيتم التحقق من المعاملة عبر قاعدة بيانات متسلسلة blockchain. وهذا مجرد مثال واحد من عديد من التطبيقات المحتملة التي يمكن أن نراها في مجال الطاقة. واليوم أصبح بالفعل معظمنا متصلا بالإنترنت بطريقة ما، ويدخل في هذا الاتصال بشكل متزايد الأجهزة والآلات وما إلى ذلك. ويتوقع الخبراء أن يتم في المستقبل القريب توصيل 50 مليار جهاز أو أكثر بالإنترنت. وهذا يعني أننا سنسبح في موجات ساحقة من المعلومات والبيانات القادمة من عدد كبير من الأجهزة، وبعد ذلك سوف نرغب جميعا في التفاعل بشكل حيوي مع تلك الأجهزة وبناء على تلك المعلومات.