تشدد أسواق النفط لم يدفع الأسعار إلى أعلى

د. نعمت أبو الصوف

بقلم: د. نعمت أبو الصوف
لا تزال أسواق النفط متحفظة بشأن توقعات الاقتصاد العالمي وقطاع النقل لبقية هذا العام، حتى مع محاولة مجموعة “أوبك +” دفع أسعار النفط إلى الأعلى. بالفعل كانت المفاوضات سلسة نسبيا، ولم تتفاجأ الأسواق عندما وافقت مجموعة “أوبك +” على تخفيف تخفيضات الإنتاج بدءا من الشهر المقبل. لقد بدا على نطاق واسع أن أسواق النفط راضية عن هذه الخطوة. ومع ذلك، فإن الطريق إلى الأمام بالنسبة للمجموعة وأسواق النفط لا يزال صعبا. في الأيام الأخيرة دفعت سلسلة من التقارير من محللي النفط والمصارف الاستثمارية إلى الاعتقاد أن لدى “أوبك +” الرغبة في إضافة بعض الإمدادات مرة أخرى إلى الأسواق. إن إعادة مليوني برميل يوميا مرة أخرى إلى السوق “أي تخفيف التخفيضات من 9.7 إلى 7.7 مليون برميل في اليوم” من المتوقع أن يكون مصحوبا ببعض المخاطر، لكن رفع سقف الإنتاج هو قرار معقول، لأن الأسواق في حالة توازن إلى تشدد في الوقت الحالي.
في الواقع الاتفاق الأخير لم يسفر عن تحول كبير في العرض، حيث تعهدت الدول التي تأخرت في امتثالها في الأشهر الأخيرة إلى تعويض إنتاجها الزائد عن طريق قطع أعمق في الشهر المقبل. وهذا يجعل تخفيضات “أوبك +” أعمق على المدى القصير، فبدلا من تخفيف التخفيضات إلى 7.7 مليون برميل في اليوم في آب (أغسطس)، قد تخفف إلى 8.1 إلى 8.3 مليون برميل في اليوم، وهذا مؤشر صعودي بالنسبة إلى الأسواق.
في الوقت نفسه جاءت مؤشرات صعودية أخرى من إدارة معلومات الطاقة الأمريكية التي أظهر أحدث بياناتها الأسبوعية انخفاض مخزونات النفط الخام، البنزين والمقطرات بمقدار 11 مليون برميل، وهو أكبر بكثير مما كان متوقعا. لقد كان انخفاض المخزون مهما لأنه يمثل نقطة تحول. لقد استقرت مستويات المخزون في الأسابيع القليلة الماضية، بعد البناء الاستثنائي لكن يبدو الآن أنها بدأت بالانخفاض رغم المستويات العالية للغاية. في هذا الجانب، قال بعض المحللين إن بيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية الأخيرة تعد صعودية للغاية، بعد انتظار طويل. ومع ذلك، نصح المحللون بالحذر. وقالوا، في حين أن بيانات الإدارة الأخيرة تعد تحسنا كبيرا، إلا أن سوق النفط الأمريكية لا تزال بعيدة جدا عن الوضع الطبيعي سواء من حيث الطلب أو المخزونات.
في حين يبدو أن الأسواق تتشدد، لا يزال هناك كثير من المخاطر الهبوطية، ويرتبط ذلك إلى حد كبير بالوباء وتأثيره الضار في الاقتصاد العالمي. على سبيل المثال، أعلنت الولايات المتحدة الخميس الماضي ما لا يقل عن 75 ألف حالة إصابة جديدة بكوفيد – 19، وهو رقم يومي قياسي. وأعلنت إسبانيا وأستراليا أكبر قفزة يومية في الحالات لديهما في أكثر من شهرين، وواصلت الحالات الارتفاع في الهند والبرازيل. عمليات الإغلاق الجديدة بدأت تتزايد. في الهند، على سبيل المثال، تدخل ولاية بيهار التي عدد سكانها نحو 125 مليون نسمة في إغلاق لمدة أسبوعين، وهذا يعد إلى حد بعيد أكبر عملية إغلاق ثانية شهدناها هذا الصيف.
في الواقع، حتى عندما تظهر بيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية التحسن، يرى البعض الآخر أن التحديات ما زالت قائمة. حيث لا يزال الطلب على البنزين نحو مليون برميل في اليوم دون مستويات العام الماضي، بل انخفض أخيرا، ما يقدم دليلا على أن القيود المتجددة على مستوى الدولة تبقي الناس في منازلهم. لقد كان استهلاك البنزين في الولايات المتحدة ثابتا على نطاق واسع خلال الأسابيع الثلاثة الماضية، حيث واجه الخروج من الإغلاق موجة جديدة من حالات فيروس كورونا.
من ناحية أخرى، ظلت علاوة premium أسعار البنزين والديزل على أسعار النفط الخام ثابتة أو انخفضت منذ ما يقرب من أربعة أسابيع منذ 23 حزيران (يونيو) وسط قلق متزايد بشأن عودة ظهور فيروس كورونا وجولة جديدة من عمليات الإغلاق. في الأسبوع الماضي، انخفضت علاوة العقود الآجلة للبنزين في الأسواق الأمريكية التي يتم تسليمها في أيلول (سبتمبر) إلى أقل من ثمانية دولارات للبرميل فوق خام برنت تسليم الشهر نفسه، منخفضة من أكثر من 11 دولارا للبرميل في أواخر حزيرن (يونيو). كانت هوامش البنزين تتجه إلى الانخفاض منذ 23 حزيران (يونيو)، بعد أن ارتدت بقوة على مدى الأشهر الثلاثة السابقة حيث خرجت الاقتصادات الرئيسة من الإغلاق.
إذا تراجعت أسواق النفط، فليس من الواضح كيف سترد “أوبك +” رغم أن المجوعة يبدو أنها تسيطر على السوق في الوقت الحاضر، يبقى بعض الأسئلة قائما: هل سيتم الحفاظ على انضباط الإنتاج عند مستوى عال؟ هل ستقوم الدول غير الملتزمة بالفعل بتنفيذ التخفيضات الموعودة؟ ما مدى سرعة رد فعل المجموعة إذا أصبحت توقعات الطلب أسوأ مرة أخرى؟ علاوة على ذلك، إذا انخفض الطلب والأسعار، هل ستكون هناك مقاومة شديدة لأي تخفيضات جديدة للإنتاج من قبل بعض دول “أوبك +”؟
لكن، الجانب الإيجابي بالنسبة لـ “أوبك +” هو أن إنتاج النفط الصخري الأمريكي لا يظهر أي علامات على النمو. لا يزال عدد منصات الحفر عند مستويات متدنية للغاية ومعدلات الانخفاض من الآبار الحالية يجب أن تؤدي إلى انخفاض الإنتاج الكلي. وبحسب بيانات من شركة بيكر هيوز لخدمات الطاقة، قلصت شركات النفط الأمريكية عدد حفارات النفط والغاز الطبيعي العاملة إلى أدنى مستوى منخفض قياسي للأسبوع الـ 11 على التوالي. وقال محللون لدى “ريموند جيمس”: “نشاط الحفارات الأمريكية سيعاود الارتفاع بعد اقترابه من 250 حفارا أو ربما بعد المستويات الحالية. ويتوقعون أن يبلغ متوسط عدد الحفارات 270 في النصف الثاني من 2020. في ضوء ذلك، ترى إدارة معلومات الطاقة تراجع إنتاج أحواض النفط الصخري بمقدار 56 ألف برميل في اليوم في آب (أغسطس).
البيانات المتفاوتة قد تبقي أسعار النفط عند نحو 40 دولارا للبرميل في الوقت الحالي. لكن الخطر الحقيقي هو أن الوباء لم ينته بعد. في هذا الجانب، قال محللون لدى “ريموند جيمس”: “على الرغم من إشكالية عناوين كوفيد – 19 الحالية، فإننا نشعر بقلق أكبر بشأن التأثير في الطلب من الموجة الثانية للوباء في الشتاء المقبل في نصف الكرة الشمالي”. وأشار البنك إلى أن العقود الآجلة لخام غرب تكساس الوسيط للـ 12 شهرا يتم تداولها عند 41 دولارا فقط للبرميل. وإلى أن تتم السيطرة على الأزمة و/أو يعود قطاع النقل إلى طبيعته، فإن أسعار النفط ستكافح من أجل الارتفاع المستدام.