تحدي الماء والغذاء والطاقة في العالم العربي

بقلم:أندرس جاجيرسكوج

أطلقت مجموعة البنك الدولي دراسة جديدة بعنوان “الترابط بين الماء والغذاء والطاقة في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا” خلال “المؤتمر السنوي للسلام البيئي” الذي عقد في منطقة البحر الميت في الأردن أخيرا.
إن موارد المياه الجوفية تنضب بوتيرة سريعة في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وإذا استمر نهج بقاء الأمور على حالها في استغلال هذه الموارد الشحيحة، فمن المتوقع أن تتلاشى خلال ما يقرب من 30 عاما، وسيكون لذلك تأثير مدمر في المجتمعات المحلية وموارد كسب الرزق التي تعتمد على هذه المياه، حيث سينخفض الإنتاج الزراعي في بعض البلدان بنسبة قد تصل إلى 60 في المائة، بيد أنه مما يدعو إلى التفاؤل أن النمط الحالي لاستغلال هذه الموارد ليس قدرا محتوما، فثمة تدابير يمكن القيام بها، لكن مشكلة المياه لا تمكن معالجتها بمعزل عن غيرها، فمواجهة شح المياه ترتبط ارتباطا وثيقا بالطاقة والزراعة، وهناك حاجة إلى نظرة أوسع نطاقا لوضع سياسات تتصدى لهذه العلاقة.
وقد تم أخيرا افتتاح محطة جديدة لمعالجة مياه الصرف الصحي في قطاع غزة، وهو ما يبرز كيفية تداخل إدارة المياه والطاقة والزراعة معا. فاستمرار حالة عدم الاستقرار في غزة يعني أن خدمات المياه والصرف الصحي ليست دائمة، وفي حين تنفد المياه الجوفية سريعا، يتم التخلص من مياه الصرف الصحي دون معالجة، وفي الوقت الذي تنفد فيه مكامن المياه الجوفية، كانت مياه الصرف الصحي تتسرب إلى مياه الشرب وتلوثها، وستعمل محطة معالجة المياه الجديدة على تحسين الصحة العامة وأيضا على توفير الوسائل لتجديد موارد تلك المكامن. وفي حين تقدم المحطة الحل لمياه الصرف، فإن استمرارها في توفير هذه المنافع سيتوقف على مواصلة توافر إمدادات الكهرباء. ومن الممكن أن تشمل هذه المنافع أيضا تلبية الطلب على المياه الذي يؤدي إلى إفراغ مكمن المياه الجوفية، هذا إذا كانت المياه المعالجة تستخدم للزراعة، التي تعد أكبر مستهلك للمياه.
يسلط تقرير جديد في هذا الصدد الضوء على الحاجة إلى تحطيم النُّهُج التقليدية المنعزلة، كي تكون السياسات أكثر فاعلية. وجرت العادة على أن تكون المياه والطاقة والزراعة محل تركيز سياسات منفصلة، كل منها بتخطيطه الاستثماري المنعزل عن الآخر، حيث وضعت الأطر التنظيمية والمؤسسات والبنى الأساسية للتصدي للتحديات والمطالب الخاصة بكل من هذه القطاعات.
وفي حين تعمل منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا على بناء مستقبل أكثر استدامة، تعن الحاجة إلى نهج جديد يتناول المصير المشترك لهذه القطاعات المختلفة. يطلق التقرير الجديد على ذلك مصطلح “نهج الترابط”. ولإثبات القيمة المضافة لهذا النهج، يسوق التقرير نماذج للترابط بين المياه والغذاء والطاقة في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا ويحللها، ويجد التحليل أن شح المياه سيتفاقم في جميع بلدان المنطقة على مدى العقود المقبلة، وسيكون السبب الغالب في ذلك هو تزايد الطلب.
بل إن أكثر ما يثير القلق هو أن التقرير خلص إلى احتمال نفاد المياه الجوفية الأحفورية في عديد من بلدان المنطقة بحلول عام 2050 ما لم تتخذ الإجراءات الكفيلة بالحد من الاستخراج الجائر لهذه المياه.
مع هذا، وكما حدث في حالة قطاع غزة، فإن هناك حلولا، فباتخاذ الإجراءات الصحيحة يمكن التصدي لمجموعة صغيرة معقدة من التحديات. ويشكل تقليص اعتماد قطاعي الزراعة والطاقة على المياه عنصرا أساسيا، وذلك بالتزامن مع الاستمرار في الحفاظ على كمية هذه المياه بل وزيادتها. وبالنسبة إلى الطاقة، فإن التحول إلى المصادر المتجددة منها يمكن أن يخفض الطلب على المياه، فضلا عن الميزة الإضافية لذلك المتمثلة في الحد من الانبعاثات الغازية المسببة للاحتباس الحراري، كما أن الطاقة المتجددة تعزز أمن الطاقة من خلال تقليص الاعتماد على واردات الوقود.
وسيزيد المناخ من صعوبة هذه التحديات، بل وسيجعل وضع استراتيجيات شاملة أكثر إلحاحا من أي وقت مضى. وبينما تصبح المنطقة أكثر جفافا وتزداد عرضة لارتفاع درجات الحرارة، فإن السياسات التي تحد من اعتماد الاقتصاد على المياه وتتوقع أن تكون هناك آثار مناخية في هذا “الترابط” ستكون مهمة لاستمرار التنمية والاستقرار بشكل دائم. وعلاوة على ذلك، تلعب أنظمة الزراعة والإنتاج الغذائي دورا رئيسا في إعلاء قيمة المياه واستخدامها بطريقة أكثر إنتاجية. ومن بين الإجراءات التي تقود إلى تحقيق ذلك مراقبة استخدام المياه، وتحديث أنظمة الري، وزيادة إنتاجية المياه في الحقول، والحد من الفاقد في المياه في سلاسل توريد الغذاء.
بالمثل، فإن الاستغناء المرحلي عن تقنيات توليد الطاقة الحرارية التي تحتاج إلى كثافة في المياه للتبريد، وتحسين الكفاءة يمكن أن يقطعا شوطا كبيرا في الحد من الاحتياج إلى المياه لتوليد الكهرباء. وللتعامل مع شح المياه المتزايد، فمن المرجح التخلص المرحلي من محطات الكهرباء التي تستخدم تقنيات دورة التبريد المفتوحة واستبدالها بتقنيات أقل كثافة في استخدام المياه، وأكثر اعتمادا على تقنيات تدوير مياه البحر أو التبريد الجاف.
الخلاصة أن المنطقة ستحسن صنعا لو أنها دمجت مختلف السياسات الخاصة بالمياه والطاقة والزراعة لتحسين القطاعات كافة، وأيضا الاقتصادات التي يعتمد عليها الإنسان.