برميل من الثرثرة والصخب

بقلم-ليون برخو
قد يبدو عنوان المقال غريبا أو مشوشا بعض الشيء. في الحقيقة، استقيته عندما كنت أعمل مراسلا في وكالة رويترز. العنوان توصيف كان يردده واحد من محرريها الاقتصاديين بعد تغطيته مؤتمرا من مؤتمرات “أوبك”، منظمة البلدان المصدرة للنفط، في منتصف التسعينيات من القرن الماضي. وأنا أراقب مسار أسعار النفط في الأشهر والأسابيع الماضية، تذكرت المقولة، وقلت مع نفسي قد لا يضير أن أجعلها عنوانا لمقال يتناول أسواق وأسعار النفط. وأظن أن هناك ثرثرة كبيرة وصخبا عارما حول النفط حاليا. وهذه الثرثرة وهذا الصخب اللذان يهيمنان على السردية التي يخصصها الإعلام لنقل أحداث وأسعار النفط، وكل ما هو متعلق به، ما هما إلا انعكاس لواقع الحال. ولأننا – ومن وجهة نظري المتواضعة – نمر بفترة ثرثرة وصخب، لا أظن في إمكان أي خبير أو متنبئ معرفة الوجهة
التي ستستقر عليها الأسعار بعد شهرين من الآن. وكذلك سيفشل أي خبير أو متنبئ في معرفة مديات الإنتاج وتوزيعه، ومن ثم ما يخبئه المستقبل القريب وليس البعيد من مفاجآت حول الاحتياطي والاستكشافات ومد الأنابيب، ناهيك عن التطور التقني الذي يرافق هذه الصناعة دون هوادة. حالة عدم اليقين هذه ترافقنا اليوم أينما حط نظرنا في عالم الاقتصاد والسلع والتكنولوجيا، بيد أنها تنعكس على النفط أكثر من أي سلعة أخرى. النفط لا يزال سلعة استراتيجية. هذا قول لا غبار عليه، ولكن ومنذ أمد بعيد لم يعد لأي منتج أو مجموعة منتجين القول الفصل في المكانة الاستراتيجية للذهب الأسود. كان يمكن للنفط أن يكون تأثيره موازيا لتأثير الدولار في عجلة الاقتصاد العالمي. ولأنها تملك الدولار، صار في إمكان أمريكا تركيع – تقريبا – أي مكان في العالم من خلال حرمانه من مزايا هذه العملة العجيبة، التي صارت سلاحا استراتيجيا تشهره في وجه أي شخص يقف ضد سياساتها ومصالحها. وكان يمكن للنفط أن يكون تأثيره موازيا للحلقات الصناعية والتكنولوجية الحديثة، التي تحتكرها مؤسسات ودول قد لا يتجاوز عددها في أحسن الأحوال أصابع اليد الواحدة. انظر كيف تتقاتل الدول للحفاظ على الحلقات هذه ومن ثم إدراجها ضمن أهم أولوياتها، وجعلها أداة لاحتواء أو التمكن من الذين يقاومونها. وهناك أمثلة كثيرة للطريقة التي يتم بها توظيف تملك الناصية في أي حقل معرفي أو تكنولوجي أو صناعي أو إنتاجي لمصلحة الاستراتيجية وما يتبعها من منافع دون ثرثرة أو صخب. إذن، لماذا ترافق الثرثرة والصخب أي حديث أو سردية حول النفط إن أتت على صفحات الجرائد، أو كانت مدار نقاش في اجتماع على أي مستوى، أو جرت على لسان سياسي ذي شأن كبير؟ قد نختلف في إتيان الأسباب. كذلك، قد تكون هناك آراء متعارضة وبينها من يغض الطرف عن الفرضية التي يستند إليها المقال برمته. ولكن لنلق نظرة فاحصة وقصيرة جدا على الساحة النفطية اليوم. قد يتصور البعض مثلا أن من مصلحة أمريكا خفض أسعار النفط إلى أدنى مستوى. هذا أمر محبب لأصحاب السيارات في أمريكا مثلا، الذين يستهلكون 400 مليون جالون “الجالون يساوي 3.7 ليتر”. هذه كمية مذهلة وهائلة، وتخص مباشرة ميزانية أي فرد في أمريكا؛ حيث قلما تجد شخصا دون سيارة أو سيارتين. انخفاض سعر الجالون – “حاليا يبلغ نحو دولارين” – سيكون له شأن في أي انتخابات في أمريكا وعلى أي مستوى. إلا أن هذا لا يشفي الغليل؛ لأن هناك عاملا مهما آخر للمعادلة أو الفرضية هذه. انخفاض أسعار النفط ستكون له تبعات لا يحمد عقباها على ولايات مهمة جدا، مثل تكساس وأوكلاهوما وشمال داكوتا وكل الولايات والمناطق المنهمكة في الإنتاج، ولا سيما “الصخري” منه. شركات الإنتاج والولايات هذه بالذات هي الدعامة التي يستند إليها الرئيس الأمريكي حاليا. ارتفاع الأسعار سيزيد من مكانة الإنتاج الصخري الذي مكّن أمريكا من التربع على رأس قائمة المنتجين في العالم متقدمة على روسيا والسعودية. وهذا ما سيكون له تأثير صادم في المنتجين التقليديين. انخفاض الأسعار قد يكون له تأثير مدمر في الإنتاج الصخري الأمريكي، ولكن قد يهلك اقتصاديات الدول المنتجة التي يشكل فيها الريع النفطي أغلبية الواردات. ومن ثم فإن مساحة “القمة النفطية” التي كانت حصرا على دولة أو دولتين في السابق، توسعت كثيرا، وصارت بمنزلة ملعب كبير، يزداد عدد اللاعبين فيه سنة بعد أخرى، وصار مزدحما بأعضائه. ربما لا يمر شهر إلا ونحن أمام اكتشاف جديد للنفط أو الغاز أو زيادة في الإنتاج. كلما تطورت الصناعة والتكنولوجيا، وهذا أمر حتمي، زاد عدد اللاعبين على الساحة النفطية. ولهذا، أرى أن مقولة صاحبي حول النفط في منتصف التسعينيات من القرن الماضي قد لا تزال صائبة.