بدء تعافي الاقتصاد الكويتي من جائحة كورونا بدعم من انتعاش الاستهلاك وارتفاع أسعار النفط

تقرير افاق الاقتصاد الكلي 2022 -2024

بدأ الاقتصاد الكويتي يتعافى ببطء من جائحة كوفيد-19 وذلك بدعم من انتعاش الاستهلاك وارتفاع أسعار النفط. كما ساهم تزايد إنتاج النفط تدريجياً، وفقاً لحصص الإنتاج التي وضعتها منظمة الأوبك وحلفائها، في دعم نمو الناتج المحلي الإجمالي النفطي. إلا أن نشاط الشركات ونمو معدلات التوظيف تعد من نقاط الضعف الملحوظة. ونظراً للعجز المتوالي الذي سجلته الميزانية الحكومية، فقد أدى الاستنفاد شبه التام لأصول صندوق الاحتياطي العام إلى زيادة مخاطر السيولة، إلا أن هذا الوضع ساهم أيضاً في تعزيز اتجاه صانعي السياسات نحو تطبيق سياسات إصلاح الاقتصاد الكلي واستدامة المالية العامة.

الاستهلاك الخاص يساهم في تعزيز الانتعاش الاقتصادي…
يتعافى الاقتصاد الكويتي ببطء من اثار جائحة العام الماضي، وهو العام الذي اتسم بالانخفاض الحاد في الاستهلاك الخاص والإنفاق الاستثماري الحكومي، وإغلاق أنشطة الأعمال، وتسريح العمالة الوافدة، تزامناً مع الانخفاض الحاد في أسعار النفط. إذ انكمش الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 8.9%، فيما يعد أكبر تراجع يشهده منذ عام 2009، نتيجة انكماش كل من القطاعين النفطي وغير النفطي بنحو 8.9% في ظل خفض الأوبك وحلفائها لإنتاج النفط وفرض تدابير حظر التجول ودعم السياسة المالية المحدود للقطاعات الاقتصادية المختلفة (الرسم البياني 1). وعلى الرغم من ذلك، تحسنت آفاق النمو بدعم من ارتفاع أسعار النفط ونجاح برامج اللقاحات. ويعزى الفضل للطلب المحلي الذي كان السبب الرئيسي للانتعاش، إذ أظهرت أحدث البيانات نمواً قوياً في الإنفاق الاستهلاكي (وفقا لـ كي نت + 23% على أساس سنوي) والائتمان الشخصي (+11% على أساس سنوي) (الرسم البياني 2). ومن المقرر أيضاً أن تتسارع وتيرة أنشطة تنفيذ المشاريع وذلك نظراً لإعطاء الحكومة الأولوية لمشاريع البنية التحتية الخاصة بالطرق والمستشفيات والمطارات.
… لكن نشاط القطاع الخاص ما يزال ضعيفاً
تراجعت أنشطة الشركات في ظل حالة عدم اليقين التي تعرضت لها أنشطة الأعمال والبيئة التنظيمية والسياسية. إذ نما ائتمان الشركات في عام 2021 على نحو باهت (+0.3%، على أساس سنوي، في أغسطس). كما تأثر سوق العمل برحيل الآلاف من العمالة الوافدة، خاصة من ذوي المهارات المنخفضة خلال الجائحة، في حين تراجع معدل توظيف المواطنين في القطاع الخاص عن مستويات عام 2019 (-2.7% إلى 62,296 في النصف الأول من عام 2021). وسوف تحرص السلطات على عكس هذا الاتجاه، كما تشير تصورات الحكومة أيضاً إلى زيادة مساهمة القطاع الخاص ضمن خطط التنمية الاقتصادية.
الأوبك تخفف تخفيضات الانتاج ومكاسب التكرير تعزز النمو
سيتيح قرار الأوبك وحلفائها المتعلق بتقليص تخفيضات الإنتاج إمكانية تلبية الطلب العالمي المتزايد على النفط، مما يمكن الكويت من رفع إنتاج النفط الخام وتعزيز الناتج المحلي الإجمالي للقطاع النفطي، لينمو بالمتوسط بنسبة 4.4%، على أساس سنوي، خلال الفترة 2022-2024. وسوف يراعي منتجو النفط زيادة المعروض في السوق، لذلك ستكون مكاسب الإنتاج معتدلة (الرسم البياني 3). كما سيؤدي وصول مشروعي الوقود البيئي ومصفاة الزور لكامل طاقتهما الانتاجية، والتي ستضاعف فعلياً طاقة التكرير في الكويت، إلى زيادة إنتاج المشتقات المكررة ذات القيمة العالية في المدى المتوسط، مما يعزز الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي بنحو 0.9% إلى 3.2% في المتوسط. وبناء على ذلك، فمن المقرر أن يصل متوسط نمو الناتج المحلي الإجمالي إلى 3.9%.
اضطرابات سلاسل التوريد والطلب المكبوت يرفعان التضخم
تضاعف معدل التضخم تقريباً إلى 2.1% في عام 2020 على خلفية ضغوط سلسلة التوريد وارتفاع أسعار المواد الغذائية الدولية والطلب الاستهلاكي المكبوت. وقد يصل معدل التضخم إلى 2.6% هذا العام قبل أن يتباطأ في عام 2022. وفي حال فرض ضريبة القيمة المضافة بنسبة 5% في عام 2023، وفقاً لبعض التقارير، فسيؤدي ذلك إلى رفع المستوى العام للأسعار في تلك السنة. كما سيتم الإبقاء على السياسة النقدية التيسيرية، إلا أنه من الممكن تشديدها قليلاً خلال الفترة المقبلة في ظل احتمال قيام الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي برفع أسعار الفائدة بوتيرة بطيئة.
موازنة 2020 تسجل عجز قياسي، مع إمكانية كبح نمو النفقات
تسببت الصدمة المزدوجة لجائحة كوفيد-19 وانخفاض أسعار النفط في ارتفاع مستوى العجز المالي، ليصبح بذلك سادس عجز تسجله الموازنة على التوالي، إذ وصل إلى مستوى قياسي بلغ 10.8 مليار دينار (33% من الناتج المحلي الإجمالي) في السنة المالية 2020/2021 (الرسم البياني 5). وانخفضت الإيرادات بشكل حاد (-39% لتصل إلى 10.5 مليار دينار)، بينما نمت النفقات بمعدل هامشي (+0.7% لتصل إلى 21.2 مليار دينار). وساهم تقليص الإنفاق الرأسمالي في تعويض ارتفاع النفقات المرتبطة بصفة رئيسية بجهود احتواء الجائحة. أما بالنسبة للنظرة المستقبلية، فبالرغم من أن ميزانية السنة المالية 2021/2020 تعتبر توسعية، إلا أننا نرى أن تخفيض النفقات هو الاحتمال الأقرب إلى التطبيق، إذ تبدو الحكومة جادة في البحث عن سبل للوصول إلى رفع فعالية الانفاق، وذلك في ظل قيامها مؤخراً بدراسة عدد من الاليات التي من شأنها أن تخفض النفقات وترفع من الإيرادات غير النفطية من خلال زيادة الرسوم، وحتى خفض الدعم، إضافة إلى بعض الخطط التي تقترح إعادة هيكلة القطاع العام بصورة شاملة. ونرى من وجهة نظرنا أنه وفقاً للتصور الأساسي، ستستغرق بعض الإصلاحات وقتاً أطول حتى تتحقق، إلا انه من المتوقع زيادة الإيرادات غير النفطية، والتي سوف تقتصر في بادئ الأمر على عوائد الضريبة الانتقائية وضريبة القيمة المضافة (قد تصل إلى حوالي 1.5% من الناتج المحلي الإجمالي) بحلول عام 2023. لذلك، نتوقع انخفاض العجز المالي إلى نحو نصف القيمة التي تم تسجيلها في العام الماضي ليصل مستواه العجز إلى نحو 4.2 مليار دينار (10.3% من الناتج المحلي الإجمالي)، قبل أن ينخفض بشكل أكبر إلى 9.5% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2024.
ارتفاع مخاطر السيولة تدفع الحكومة للتركيز على الاستدامة المالية
في فترة العجز المالي، أصبح التمويل من أبرز القضايا الحاسمة لواضعي السياسات، لا سيما بالنظر إلى إمكانية استنفاذ سيولة صندوق الاحتياطي العام وعدم إصدار قانون الدين الجديد. الأمر الذي أدى إلى ارتفاع مخاطر السيولة قصيرة الأجل وأكد على ضرورة وضع استراتيجية شاملة لتمويل العجز، وذلك وفقاً لما ذكرته وكالة ستاندرد آند بورز في يوليو الماضي عندما قامت بخفض التصنيف الائتماني للكويت إلى درجة +A (والتي ما تزال درجة استثمارية قوية). وساهمت عملية مبادلة الأصول مع صندوق الأجيال القادمة وإعادة جدولة سداد الأرباح المتراكمة لدى مؤسسة البترول الكويتية، هذا بالإضافة إلى ارتفاع أسعار النفط، في ضخ السيولة في صندوق الاحتياطي العام. وعلى الرغم من ذلك، فإن هذه الحلول ما تزال مؤقتة خاصة في ظل اقتراب استحقاق جزء من السندات الدولية المصدرة في عام 2017 والبالغ قيمتها 3.5 مليار دولار، والتي يجب على الكويت سداداها في بداية عام 2022، مما قد يدفع نحو إقرار قانون الدين الجديد خلال الأشهر المقبلة.
وفي ظل توافر حوالي 700 مليار دولار في صندوق احتياطي الأجيال القادمة والانخفاض الكبير لمستويات الدين العام (12% من الناتج المحلي الإجمالي)، فإن الكويت تمتلك الموارد المالية اللازمة للوفاء بالتزاماتها بسهولة، ولكن من المأمول أن يتم تطبيق الإصلاحات الهيكلية اللازمة لإعادة تشكيل الاقتصاد، وتعزيز دور القطاع الخاص، والتوسع في تحويل الطاقة العالمية بعيداً عن الوقود الأحفوري.