النفط الصخري: أين سوء الفهم؟

بقلم-فواز بن حمد الفواز

يقدر حجم الاستهلاك العالمي من النفط بنحو 100 مليون برميل يوميا منها 20 في أمريكا وحدها، ولذلك حين قفز إنتاج النفط الصخري لنحو ستة ملايين على مدى نحو 12 عاما “أعلى من كل دول “أوبك” عدا المملكة”، ما جعل أمريكا أعلى منتج للنفط في الأشهر القليلة الماضية. كل عام تبدو كأنها قصة جديدة برواية أخرى بين مصدق وغير مصدق – مصدق بحكم حجم الإنتاج وغير مصدق قياسا على ما يقرأ ويسمع عن سرعة النضوب التي تصل إلى 15-30 في المائة سنويا مقارنة بـ2-6 في المائة في التقليدي والتكلفة المرتفعة والعوامل الخاصة في أمريكا تقنيا وبيئيا حتى أسعار الفائدة المنخفضة تاريخيا والتزاوج المناسب بين التقنية والمرونة في إدارة الأعمال. في ظل كل هذه العوامل المتحركة واصل النفط الصخري مخادعة الجميع والاستمرار في النمو والتأثير. اعتقد البعض أن الظاهرة مؤقتة، لكنها أثبتت أنها متصاعدة رغم استمرار الشكوك. في نظري، الصعوبة في فهم الظاهرة تأتي بسبب أن دورة الاستثمار مختلفة عن النفط التقليدي. يقوم الاستثمار في التقليدي غالبا على شركات كبيرة تستثمر في المدى البعيد بعد أن تستثمر مبالغ كبيرة، بما في ذلك بنية تحتية كبيرة، وعادة دون قروض مؤثرة قياسا في حجم الإنتاج، آخذة في الحسبان حدة الدورات السعرية، لكن الصخري يقوم على دورات استثمارية قصيرة بسبب نضوب الحقول بسرعة أعلى؛ لذلك في الغالب تستثمر شركات صغيرة قائمة على القروض، وهناك حساسية في التفاعل مع الأسعار خاصة أن تكلفة الإنتاج أعلى؛ فحين تكون التكلفة أعلى والرافعة المالية عالية “قروض أعلى” ترتفع المخاطر، ولذلك حين انخفضت الأسعار في 2016 أفلست شركات كثيرة والبعض توقف عن الحفر والبعض عن الإنتاج والأغلبية قلصت استثماراتها بما في ذلك الشركات الكبيرة التقليدية. أيضا من طبيعة مؤسسي ومستثمري هذه الشركات المرونة والعودة بسرعة حين تتحسن الأسعار، فالحقول تكون مكتشفة والآبار تكون محفورة، لكن التكاليف الجارية معلقة لحين تحسن الأسعار. الواضح أن التكاليف أعلى والعائد على الاستثمار أقل لهذه الشركات لأسباب تبدو واضحة من الخصائص الاستثمارية، خاصة العائد على رأس المال المستثمر الذي تستخدمه شركات النفط التقليدية للتقييم. ولكن شركات النفط الصخري تتفادى ذكره وتلجأ إلى “تلاعب” محاسبي لتفادي ذكر التكلفة من خلال توظيف ما يسمى نقطة التعادل للأقل تكلفة دون ذكر تفاصيل عن الأعلى تكلفة. طبقا لمجموعة R S Energy الاستشارية، فإن نقطة التعادل دون تكلفة الأراضي لمنطقة Permain في تكساس والأكبر إنتاجا نحو 37 دولارا للبرميل و42 دولارا لمنطقة Eagle Ford و47 دولارا لمنطقة Bakken في شمال داكوتا. هذا “التلاعب” المحاسبي وفرصة تكلفة القروض التاريخية، أعطى صورة مشوهة عن الدورة الاستثمارية وتصورات عن حالة شبه معلقة من قبل أغلب المراقبين في ظل حجم ديون يصل إلى نحو 300 مليار دولار. من ناحية أخرى، استفادت الصناعة النفطية من التقدم التقني ليس في التكلفة فقط، لكن في المرونة أيضا، ما أنتج نماذج جديدة لإدارة الصناعة. يبدو أن الإنتاج سيستمر عاليا، وقد يرتفع في ظل عائد ليس جذابا، لكن بحكم توافر الظروف الموضوعية، بما في ذلك المال. من ناحية استراتيجية أخرى، أعتقد أن “الصخري” له دور إيجابي في طول عمر الصناعة، خاصة أن لأمريكا مركزية مهمة على أكثر من صعيد. ولكن في المدى المنظور، هناك متضررون مباشرون، الأول إيران، بسبب أن الضغط على الأسعار ونقص الإنتاج ضغط مضاعف، ثم روسيا بحكم رغبتها في تمويل منافسة مع أمريكا جيواستراتيجيا، وأخيرا كل دول “أوبك”.