المزارع العامودية الحضرية المستدامة

بقلم-د. هيثم باحيدرة

في أنتاركتيكا قد تكون المنتجات المحلية الطازجة نادرة، ولكن المزرعة الداخلية الواقعة بالقرب من محطة الأبحاث هناك احتفت أخيرا بموسم الحصاد الأول لها. حيث ذكر مركز الفضاء الألماني DLR أن الدفيئة التجريبية المنشأة في إحدى المحطات التابعة لمؤسسة ألفريد ويجينر قد حصدت أخيرا 18 نبتة خيار و70 نبتة فجل، وما يقرب من ثمانية أرطال من الخس.
وقد صممت هذه المزرعة الداخلية لتحقيق غرضين، الأول: توفير منتجات طازجة للطاقم الذي يشغل المحطة في الشتاء، والثاني: تجريب واختبار زراعة الأغذية في المناخات القاسية ليس على الأرض فحسب بل أيضا في الرحلات إلى القمر والمريخ في المستقبل. وقد زرع العلماء البذور في منتصف شهر شباط (فبراير) السنة الماضية وحقق أول حصاد النجاح.
ولا توجد ضرورة لاستخدام أي تربة في هذه المزرعة الداخلية، حيث يزرع العلماء النباتات في ظل دورة مياه مغلقة وإضاءة مثالية. وصرح بول زابيل المهندس في مركز الفضاء الألماني DLR وأحد الأشخاص القلائل على الأرض الذين يمكنهم الآن إضافة وظيفة “بستاني في أنتاركتيكا إلى سيرتهم الذاتية قائلا “لقد وجب علينا التغلب على بعض المشكلات غير المتوقعة مثل أعطال النظام الثانوية ومواجهة أقوى عاصفة منذ أكثر من عام، ولكننا في النهاية تمكنا من حل المشكلات وحصاد المحاصيل الأولى”.
وفي مكان ومشروع آخرين في مستودع بسيط على الجانب الشرقي من إنديانا بوليس يقوم المزارعون في مشروع “مزرعة 360” بزراعة الخضراوات اعتمادا على نظام مائي يعمل بالطاقة المتجددة بنسبة 100 في المائة. ويسمح منهج الدائرة الكاملة الذي تتبعه المزرعة بزراعة المواد الغذائية المحلية الطازجة التي تستهلك مياها أقل بنسبة 90 في المائة من المياه المستهلكة في ظل أساليب الزراعة التقليدية، وتباع هذه المواد الغذائية في محال البقالة في ولاية إنديانا على مدار السنة. وتنتج “مزرعة 360” مواد غذائية أكثر من أي مزرعة داخلية أو خارجية أخرى في المدينة وتوفر فرص عمل وفرص نمو في مكان يمر بأوقات عصيبة.
ويعتمد نظام الزراعة المائية في “مزرعة 360” على مجموعة من آلاف مصابيح الصمام الثنائي الباعثة للضوء، الموفرة للطاقة، التي تغمر صفوفا وصفوفا من الخضراوات بالضوء الوردي. ويتم ضخ المياه الغنية بالمغذيات أسفل النباتات من خلال براميل بلاستيكية كبيرة، ثم يتم توجيه هذه المياه إلى كل نبتة عبر أنابيب صغيرة.
وقال جيم بلوم مدير المزرعة: “سنستمر في تحسين وإعادة التصميم وصولا إلى أفضل كفاءة ممكنة. كما أننا ندرس توظيف الطاقة الشمسية، لأننا نريد تحقيق أقصى قدر ممكن من الاكتفاء الذاتي. ويوجد حاليا خمس مناطق منفصلة مخصصة للزراعة داخل المستودع تستخدم لإنتاج الريحان والنعناع واللفت والخس والسبانخ والسلق والجرجير. وإجمالا تنتج المزرعة نحو 35 نوعا مختلفا من الخضراوات، ويمكننا أن نزرع الخس في نحو 30 يوما”.
وقد اقترحت شركة فرنسية تعمل في مجال التصميم إنشاء مزرعة عامودية واسعة النطاق كحل مستديم للنمو السكاني في المناطق الحضرية في مواجهة تضاؤل مساحة الأراضي الصالحة للزراعة. حيث يهدف مرفق الزراعة العامودية المقترح الذي تم تصميمه حيث يناسب الأماكن الحضرية، إلى إنتاج أغذية عالية الإنتاجية وذات قيم غذائية عالية، بما في ذلك على سبيل المثال لا الحصر الأعشاب البحرية المختلفة والحشرات الصالحة للأكل والأسماك التي تربى في أنظمة الزراعة المائية المركبة. ولتقليل تأثير هذا المرفق على البيئة اقترح المصممون دعم مفهوم الزراعة الداخلية المستقبلية بالكامل بالطاقة المتجددة المتولدة من توربينات الرياح والألواح الشمسية.
وقد ابتكرت الشركة الفرنسية هذا التصميم الأنموذجي للمرفق استجابة للإحصاءات المذهلة التي طرحها ديكسون ديسبومير عالم الأحياء والأستاذ في علم البيئة والصحة العامة وفي علوم الصحة البيئية في جامعة كولومبيا، الذي يعد رائدا في مجال الزراعة العامودية، وقام بتأليف كتاب “المشكلة” الذي اقترح فيه الزراعة الحضرية الداخلية كبديل مستدام لطرق الزراعة التقليدية، وكحل محتمل لتوفير الغذاء لسكان الحضر الذين تتزايد أعدادهم في مختلف أنحاء العالم.
وقالت الشركة في بيان مشروع المزرعة العامودية الحضرية: “هذا المشروع يعد قوة موجهة للتحول البيئي وهو جزء من منهج مرن وإنساني يهتم بصحة الإنسان وعلاقتها بالطعام. وبعيدا عن المزارع الحضرية التقليدية المنتجة لخضراوات السلطات أو غيرها من الفواكه والخضراوات، فإن المشروع الجديد يركز إنتاجه على الأطعمة ذات القيمة الغذائية العالية التي يمكن استهلاكها في ظل نظام غذائي صحي، وأيضا على أطعمة مثل الأسماك وعسل النحل”.
والمرفق المزمع إنشاؤه هو مبنى من ستة طوابق تم بناؤه فوق الماء بدلا من الأرض حتى لا يشغل مساحة يمكن استخدامها كمتنزه. ولتحقيق هدف المصممين المتمثل في إعادة ربط الناس بطعامهم يجب أن تكون المزرعة الحضرية قريبة من المستهلكين، حيث يمكنهم الذهاب مباشرة إلى المزرعة. وتعتقد الشركة أنه بسبب البيئة الداخلية محكمة الرقابة لن يتم استخدام أي مبيدات في أي من العمليات الزراعية. علاوة على ذلك سيتم تخزين المياه وإعادة تدويرها لتحقيق كفاءة الطاقة.