“الكويت الوطني” : أسعار النفط تبحث عن مسار تصاعدي وسط تداعيات جائحة كوفيد-19

كتب عبدالله المملوك
تسعى أسواق النفط جاهدة للخروج من التداول ضمن نطاق محدود، إلا انها ما زالت مكبلة بمخاوف تزايد معدلات الإصابة بفيروس كوفيد-19 على مستوى العالم.
وتشير التوقعات وفق تقرير لبنك الكويت الوطني إلى استقرار الأسعار في ظل محافظة الأوبك وحلفائها على ضبط أوضاع السوق حتى نهاية عام 2020، إلى جانب استمرار تحسن الطلب على النفط بوتيرة بطيئة، وان كان بمعدل أسرع من نمو الامدادات من داخل وخارج منظمة الأوبك، مما قد يؤدي إلى تشديد أوضاع السوق وتجفيف المخزونات. إلا أن منحنى الانتعاش الاقتصادي يبتعد أكثر فأكثر عن اتخاذ شكل حرف V نظراً لتذبذب المعايير المرتبطة بالقيود المفروضة على التنقل والأنشطة الاقتصادية واستمرار حالة عدم اليقين المرتبطة بذلك.

وحاولت أسعار النفط مؤخراً تجاوز الحدود العليا لنطاقات تداولها على مدار الشهرين الماضيين، إذ لامست أسعار العقود الآجلة لكل من مزيج خام برنت وغرب تكساس الوسيط أعلى مستوياتها المسجلة في خمسة أشهر، وتمكنت من الوصول خلال الأسبوع الماضي إلى 45.46 دولاراً للبرميل و42.9 دولاراً للبرميل على التوالي. ومنذ وصول سعر مزيج خام برنت إلى أدني مستوياته المسجلة والتي بلغت 19.3 دولاراً للبرميل في 21 أبريل، عاد مجدداً للارتفاع بأكثر من الضعف (+ 135%) وذلك على الرغم من أنه ما يزال متراجعاً بنسبة تفوق 31% حتى الآن منذ بداية عام 2020 (الرسم البياني 1).
وساهمت بعض العوامل في تحريك أسعار النفط مؤخراً، والتي تمثلت في مزيج من بيانات الوظائف الأمريكية التي جاءت أفضل من المتوقع وتراجع مخزون النفط الأمريكي للأسبوع الثالث على التوالي، فقد كشف بيان الوظائف الصادر عن وزارة العمل الأمريكية عن تراجع مطالبات البطالة الأسبوعية الأولية من 1.19 مليون إلى 963 ألف في الأسبوع المنتهي في 8 أغسطس، وتعد تلك هي المرة الأولى التي يقل فيها هذا المعدل عن مليون طلب منذ منتصف مارس. وفي نفس الأسبوع، انخفضت مخزونات الخام التجارية في الولايات المتحدة بمقدار 4.5 مليون برميل لتصل إلى 514 مليون برميل (-5% مقارنة بأعلى مستوياتها المسجلة والتي بلغت 540 مليون برميل يومياً في الأسبوع المنتهي في 19 يونيو).
• ومن جهة أخرى، ما تزال المخزونات أعلى بحوالي 49 مليون برميل (10%) من المتوسط الموسمي، إلا أنها آخذة في التراجع. وتوفر المخزونات حوالي 35 يوماً من الإمدادات مقارنة بأعلى المستويات التاريخية المسجلة والتي تصل إلى 42 يوماً في أوائل شهر مايو. كما تراجعت مخزونات البنزين ونواتج التقطير. إلا أن أنشطة مصافي التكرير ما تزال تسير بوتيرة بطيئة نظراً لعودة ظهور حالات الاصابة بفيروس كورونا. ومن جهة أخرى، ارتفع الطلب مؤخراً على المنتجات المكررة، إذ بلغ 14.7 مليون برميل يومياً، إلا أنه ما يزال متراجعاً بنسبة 15%، على أساس سنوي.
• ويقلق استمرار ارتفاع حالات الاصابة بكوفيد-19على مستوى العالم الأسواق المالية ويؤجج مخاوف الطلب على النفط، كما يساهم في تراجع النشاط الاقتصادي. وتشير التقديرات إلى أن الأسعار قد تواصل تحركها ضمن نطاق محدود لحين ارتفاع مستويات الطلب على نحو كبير. كما قد تظهر حزم تحفيز مالية إضافية، أو قد تشهد مخزونات النفط الخام والبنزين تراجعات شديدة، أو قد تتسارع وتيرة نمو النشاط الاقتصادي في الاقتصادات الكبرى المستهلكة للنفط مثل الصين، أو قد يتم التوصل إلى تطوير لقاح للفيروس.
• تطلعت الأسواق إلى تمرير صانعي السياسات في الكونجرس الأمريكي لحزمة تحفيز مالي بقيمة تريليون دولار، إلى جانب حزمة التحفيز الاقتصادي لمواجهة تداعيات جائحة فيروس كورونا، إلا أن التطورات السياسية عطلت إقرار تلك التدابير، ومن المقرر عودة المجلس للانعقاد في سبتمبر بعد انقضاء فترة العطلة السنوية.
• وساهمت مشتريات الصين من الخام على مدار الأشهر الأخيرة في تشديد أوضاع أسواق النفط، فقد وصلت الواردات في يونيو إلى مستوى قياسي بلغ 12.9 مليون برميل يومياً وفقاً للإدارة العامة للجمارك، محطمة بذلك الرقم القياسي الذي سجلته الشهر السابق والذي بلغ 11.3 مليون برميل يومياً، إذ استغلت الصين حرب أسعار النفط السعودية الروسية لزيادة مشترياتها من النفط الخام الرخيص. كما سجلت أنشطة مصافي التكرير أيضاً رقماً قياسياً في يوليو، مرتفعة بنسبة 12%، على أساس سنوي، إلى 14.0 مليون برميل يومياً وفقاً للبيانات الصادرة عن المكتب الوطني للإحصاء.
• وعلى الصعيد العالمي، تتعرض هوامش أرباح التكرير (هامش التكسير: أي الفرق بين أسعار المواد الخام وأسعار المنتجات المكررة) للضغوط نتيجة لتجاوز نمو الطلب على النفط الخام معدلات نمو الطلب على المنتجات المكررة. وفي الوقت الذي ارتفعت فيه أسعار النفط الخام خلال الأشهر القليلة الماضية في ظل تقلص الإمدادات وتوقعات نمو النشاط الاقتصادي، عكست أسعار المنتجات النفطية – البنزين والديزل (زيت الغاز) وخاصة وقود الطائرات – النمط الاستهلاكي بصورة أكثر دقة. وما يزال هامش تكسير زيت الغاز في سنغافورة منخفضاً، إذ بلغ حوالي 6 دولار للبرميل الأسبوع الماضي، بعد أن وصل إلى 16.15 دولاراً للبرميل في يناير الماضي، وفقًا لوكالة “بلاتس” الدولية للمعلومات النفطية.
• وأدى ضعف هوامش أرباح التكرير في آسيا إلى انخفاض أسعار البيع الرسمية للنفط الخام لشهر سبتمبر من قبل منتجي النفط الإقليميين. حيث خفضت أرامكو السعودية ومؤسسة البترول الكويتية سعر كل من النفط العربي الخفيف وخام التصدير الكويتي ( خفضت العلاوة السعرية عن أنواع النفط المرجعية عمان / دبي) بمقدار 0.3-0.35 دولار للبرميل.
• وقامت وكالة الطاقة الدولية، في تقريرها الأخير عن سوق النفط لشهر أغسطس، بتعديل تقديراتها لنمو الطلب على النفط للعام الحالي بمقدار 140 ألف برميل يومياً لتصل إلى -8.1 مليون برميل يومياً على خلفية ضعف حركة التنقل بسبب الجائحة (الرسم البياني 4). ويعتبر ذلك أكبر انكماش سنوي يشهده الطلب على النفط على الاطلاق، فقد انخفض إجمالي الطلب العالمي على النفط إلى 91.9 مليون برميل يومياً في المتوسط في عام 2020. وبصفة خاصة، تراجع الطلب على وقود الطائرات بصورة مثيرة للقلق، إذ انخفض عدد الكيلومترات الجوية التي تم قطعها في يوليو بنسبة 67% على أساس سنوي. ومن المقرر أن يشهد عام 2021 انتعاشاً في الطلب على النفط بمقدار 5.2 مليون برميل يومياً ليصل إلى 97.14 مليون برميل يومياً – فيما يعد أقل من مستوى ما قبل الجائحة بمقدار 3 مليون برميل يومياً تقريباً.
• وعلى صعيد العرض، كان من المقرر انتهاء المرحلة الأولى من اتفاقية الأوبك وحلفائها في الأول من أغسطس لتبدأ معها مجموعة المنتجين مرحلة تقليص خفض الإنتاج من 9.7 مليون برميل يومياً إلى 7.7 مليون برميل يوميا على مدار الأشهر الخمسة المقبلة. ومن الناحية العملية، بدأت إمدادات الأوبك في الارتفاع بالفعل في يوليو على خلفية إنهاء التخفيضات الطوعية الإضافية التي تعهدت بها كل من السعودية والكويت والإمارات وسلطنة عمان، فارتفع إنتاج المنظمة التي تضم في عضويتها 13 دولة منتجة ومصدرة للنفط بمقدار 978 ألف برميل يومياً (+ 4.4%، على أساس شهري) إلى 23.17 مليون برميل يومياً في يوليو، مع انخفاض معدل امتثال 10 من الدول الأعضاء بمنظمة الأوبك إلى 96.7% مقابل 112.8% خلال الشهر السابق، وفقاً للأوبك (الرسم البياني 5).
• وفي غضون ذلك، قامت السعودية بزيادة إنتاجها بمقدار 866 ألف برميل يومياً ليصل إلى 8.41 مليون برميل يومياً (بمعدل امتثال 103%)، كما زادت الكويت إنتاجها بمقدار 73 ألف برميل يومياً إلى 2.16 مليون برميل يومياً (102%)، ورفعت الإمارات إمداداتها بمقدار 98 ألف برميل يومياً إلى 2.43 مليون برميل يومياً (102%). في المقابل، لم تنجح جهود العراق ونيجيريا مجدداً في الوفاء بتعهدات اتفاقية الأوبك وحلفائها بخفض كميات أكثر من تلك المقررة لتعويض ثلاثة أشهر من فائض الإنتاج، إذ ضخ العراق 3.75 مليون برميل يومياً في يوليو (بمعدل امتثال 85%)، إلا أنه يحتاج الآن إلى إجراء تخفيضات تعويضية بمقدار 850 ألف برميل يومياً. وقد وعدت في وقت سابق بخفض الإنتاج بمقدار 400 ألف برميل يومياً خلال الشهرين الحالي والمقبل. وبدأ حالياً انعقاد اجتماع لجنة المراقبة الوزارية المشتركة، إلا أنه لا يتوقع حدوث تغيير في السياسات.
• وفي ظل استمرار ضعف معدلات الطلب، فان آفاق زيادة إنتاج الأوبك وحلفائها للأسواق التي ما تزال مشبعة بالإمدادات ينذر بمزيد من الضغط على أسعار النفط. وقد يساهم في الحد من تلك المخاطر جزئياً حقيقة أن كميات الإنتاج لن تصل بالفعل إلى 2 مليون برميل يومياً بفضل التخفيضات التعويضية من قبل العراق والدول الاخرى. كما أوضحت السعودية أيضا أن معظم الإمدادات الإضافية التي تم انتاجها خلال شهر أغسطس بمقدار 588 ألف برميل يومياً سيتم استهلاكها محلياً (للوفاء باحتياجات توليد الكهرباء خلال فصل الصيف) بدلاً من تصديرها.
• لا يزال إنتاج النفط الخام الأمريكي، والذي بلغ 10.7 مليون برميل يومياً في الأسبوع المنتهي في 7 أغسطس، يحاول جاهداً استعادة مستوياته السابقة، فقد ظل الإنتاج منخفضاً بمقدار 2.4 مليون برميل يومياً (18.3%) مقارنة بأعلى مستوياته المسجلة على الإطلاق والبالغة 13.1 مليون برميل يوميا في فبراير، ويعاني القطاع من مصاعب انخفاض أسعار النفط وشح رأس المال وتراجع معنويات الاقبال على المخاطر لدى المستثمرين وتدابير إصلاح الميزانيات العمومية لشركات النفط. كما انخفض عدد منصات حفر النفط الأمريكية إلى 172 منصة فيما يعد أدنى المستويات المسجلة منذ طفرة ما قبل النفط الصخري في عام 2005، وفقاً للبيانات الصادرة عن شركة بيكر هيوز (الرسم البياني 6).
• ولم ينعكس ما أثير مؤخرا حول قيام منتجي النفط الصخري في الولايات المتحدة بإعادة تشغيل آبار النفط المعطلة على الأرقام الأسبوعية على المستوى الإجمالي. وأظهر مشغلو النفط الصخري الذين شملهم الاستطلاع الذي أجرته شركة استشارات الطاقة ريستاد انرجي عزم الغالبية العظمى منهم استعادة الإنتاج بالكامل تقريباً بحلول نهاية سبتمبر، إلا أن تلك الخطوة تتوقف إلى حد كبير على عودة ارتفاع أسعار النفط. وأشارت وكالة الطاقة الدولية إلى أنه يبدو أن إنتاج النفط في كندا والبرازيل قد بدأ في التعافي.
• تشير التوقعات إلى أن امدادات سوق النفط سوف تتقلص في النصف الثاني من عام 2020 في ظل نمو الطلب بمعدلات تفوق نمو العرض. ومن المقرر أن يؤدي ذلك إلى انخفاض المخزونات العالمية والتي من المفترض أن تبلغ ذروتها في الربع الرابع من عام 2020 (أنظر الرسم البياني 4). كما يتوقع أن يؤدي ذلك إلى ارتفاع الأسعار. ويصاحب تلك التوقعات تحذيراً بالغ الأهمية يتمثل في ضرورة عدم تدهور الطلب على النفط نتيجة لتفاقم معدلات الإصابة بفيروس كورونا. كما أنه يجب الحفاظ على التزام الأوبك وحلفائها. ومن جهة أخرى، ما يزال يصعب التنبؤ بالإنتاج الليبي والإيراني والفنزويلي في ظل إمكانية تراجع الأسعار، نظراً لمدى انخفاض الإنتاج إلى ما دون الطاقات الانتاجية لتلك الدول.