القطاع النفطي وأكلة لحوم البشر

كتب :م.أحمد العربيد 

في عام 2000، حطت طائرة خاصة ذات أزيز مزعج من محركاتها القديمة في المطار الرملي في جزيرة سيرام، إحدى جزر إندونيسيا التي يبلغ عددها خمسة عشر ألف جزيرة. كنا فريقا من ثلاثة موظفين من شركة كوفبك (الشركة الكويتية للاستكشافات البترولية الخارجية)، في زيارة الى حقول نفطية استحوذت عليها «كوفبك» حديثا لاكتشاف النفط في هذه الجزيرة.
الفريق مكون من الرئيس التنفيذي والمهندسة سارة أكبر (مديرة التخطيط)، وفاطمة المساعيد (كبيرة المحاسبين). كانت «كوفبك» في تحالف مع عدة شركات أميركية وأسترالية، وكان المشغل شركة أميركية عظمى، قد فشلت في تحقيق استكشاف نفطي تجاري، بعد أن أنفقت ما يقارب المئة مليون دولار أميركي في حفر ثلاثة آبار فاشلة، ثم انسحبت من التحالف.
تقدمت «كوفبك» للحكومة الاندونيسية بعرض تستحوذ فيه على العقد وتحفر البئر الرابع، ووجد هذا العرض قبولا عند الحكومة الأندونيسية، فقامت «كوفبك» بالحفر، وحققت نجاحا مهما، ثم طلبت ان تحفر بئرا خامسة، فتمت الموافقة وكان النجاح مرة أخرى، وفرح الجميع.
أما الفرحة الكبرى فكانت إعجاب الجميع في الجزيرة والحكومة الأندونيسية بوجود سارة وفاطمة الكويتيتين في هذه الجزيرة، التي اشتهرت بوجود قبائل من أكلة لحوم البشر!
كانت تعليمات الحكومة الاندونيسية في المطار أن نوقع تعهدا بألا نؤذي قبائل أكلة لحوم البشر، حيث إن هناك التزاما بين هذه القبائل والحكومة بعدم التحرش بهم وإيذائهم. والتزم الوفد الكويتي بالطبع بالتعهد التزاما منقطع النظير.

ما أثار ذاكرتي في هذا الحدث تلك الكلمة، التي ألقاها الرئيس التنفيذي لمؤسسة البترول الكويتية المهندس نزار محمد العدساني، مساء يوم الإثنين الماضي، في الملتقى السنوي السادس، الذي يقيمه المهندس الفاضل رياض ابراهيم الصالح للمتقاعدين النفطيين القياديين، والذي يلتقي فيه ما لا يقل عن 100 قيادي سابق، لا تقل خبرة كل منهم عن 30 عاما، أي أن هذا الملتقى يضم خبرة نفطية تساوي 3000 عام.
كشف العدساني أن هناك أكثر من ثلاثين موظفا كويتيا من مؤسسة البترول الكويتية وشركاتها النفطية، يعملون حاليا في ما لا يقل عن ثماني دول في أوروبا وآسيا وكندا ودول عربية، وهم يقيمون في هذه الدول. من هؤلاء الموظفين فتيات كويتيات يعملن بجد واجتهاد لتحقيق النجاح لوطنهن ومؤسستهن. المهندسة حسنة العتيبي هي إحداهن، وأمضت سنوات في مدينة كالجاري في كندا، تشارك في دراسات لمشروع من مشاريع المؤسسة المهمة جدا، والمهندس بدر آرتي يعمل في أكبر مشروع للغاز في العالم في وتستون استراليا، والمهندس محمد العجيل أمضى سنوات طويلة في جمهورية مصر العربية، والمهندسان فرحان الفرحان وعادل الفضلي يعملان في النرويج، ومحمد حسين يعمل في الجمهورية التونسية، وعلي المهنا في ماليزيا.
ويضرب هؤلاء وآخرون أمثالهم نموذجاً فريدا للشباب الكويتي الجاد والطموح؛تتطلب صناعة النفط خبرة عالمية وخبرة محلية على حد سواء، وهذه الخطوة التي يرعاها القطاع النفطي اليوم تسير في الاتجاه السليم، وعلينا إدراك هذه الحقيقة، مما يستدعى منا أن ننظر إلى هذا القطاع بصورة تختلف عن نظرتنا لأي مرفق آخر في الدولة، إذا ما أردنا أن نحسن استغلال ثرواتنا النفطية وفقا للمادة 21.
يجب ان يستمر القطاع النفطي الكويتي على مستوى التنافسية العالمية، التي يتمتع بها الآن، بل يجب على الدولة ان تستمر في تهيئة هذا القطاع لنجاحات أكبر، وأن تحميه من الفساد، وإلا فإن أكلة لحوم البشر على أهبة الاستعداد للانقضاض عليه دون سابق إنذار.