الغاز وراء حرب قطر في ليبيا

مع كل يوم جديد تنكشف دوافع قطر لتخريب المنطقة العربية ، حيث يسعى تنظيم الحمدين لخدمة أهدافه التوسعية ومن ورائها مصالح دول وشركات كبرى ، من خلال السيطرة على مقدرات الدول العربية ، عبر الإطاحة بالأنظمة الحاكمة  وتنصيب حكومات تخضع له بالكامل ، مستعملا الإرهاب في تحقيق هذه الأهداف .

وبينما أكد القائد العام للجيش الوطني الليبي، المشير خليفة حفتر،  إن قطر أطاحت بنظام الزعيم الراحل معمر القذافي ليس من أجل عيون الليبيين وإنما من أجل هدف آخر وهو أن لا تنافسها ليبيا في سوق الغاز العالمي، أوضح  نائب رئيس  الحكومة المؤقتة لشؤون الخدمات عبدالسلام البدري المسؤول عن قطاعي النفط والغاز،  أن قطر طامعة في ثروات ليبيا، و حاولت أثناء عهد النظام السابق الاستحواذ على الغاز الليبي لكنها فشلت ،مشيرا  إلى أن قطر نفذت إلى ليبيا خاصة في مجال الاستخراجات البترولية والغاز، من خلال شركة جلنكور التي تملك فيها الدوحة أسهمًا كبيرة، موضحا أن شركة روسية كادت تدخل لسوق النفط الليبي، وتبيّن فيما بعد أن قطر تملك أسهمًا كبيرة فيها لذلك تم رفضها.

وقال مدير المؤسسة الوطنية للنفط الليبية التابع للحكومة المؤقتة ناجى المغربي، إن قطر  حاولت عن طريق رجالها في ليبيا تأسيس مؤسسة للغاز الليبي، ولكن فشلت محاولاتها، في محاولة واضحة للسيطرة على العصب الاقتصادي الليبي، حيث أن الغاز يمثل 85%، من إنتاج ليبيا من الثروات الطبيعية.

من جانبه، اتهم عضو مجلس النواب صالح إفحيمة، قطر بقيامها بعرقلة الحل في ليبيا للإستفادة من منع عودتها لتصدير النفط، ووضع يدها على مخزون الغاز الليبي وهو سبب الحرب على ليبيا عام 2011 لأنه منافس أساسي للغاز القطري، حيث تملك ليبيا مخزون ضخم من الغاز والبترول.

ولكن كيف كانت البداية ؟ يقول الخبير الاقتصادي الليبي رمزي الجدي أن  البداية كانت  في كيوتو – اليابان بتاريخ 11ديسمبر 1999 حين وقعت الدول الصناعية الكبرى، على اتفاقية خفض الانبعاث الحراري للغازات في الغلاف الجوي، والذي سبب في فقدان جزء كبير من طبقة الأوزون, وتضرر العديد من الدول نتيجة الخلل المناخي.

ووفق هذه الاتفاقية اتجهت الدول الكبرى إلى الاعتماد على الغاز بدلاً من النفط.  و ألزم الإتحاد الأوروبي نفسه باتفاقية “كيوتو” وأصبح التحول إلي الغاز بديلا  للنفط واقعا مفروض ،لكن  مشكلة أوروبا  كانت  في روسيا صاحبة  اكبر احتياطي غاز في العالم ، فبعد ان وقع بوتن مرسوم في 23 ديسمبر 2005 بتحرير سوق أسهمها  ، أصبحت شركة غازبروم  صاحبة اكبر احتياطي للغاز في العالم الحاكم الفعلي لروسيا,، و كان لابد من البحث عن البديل.  فاتجه الاوروبين لوضع الخطط الإستراتيجية لتمديد أنابيب الغاز كخيار استراتيجي للحد من هيمنة روسيا على سوق الغاز الأوروبي بمرور الغاز عبر أنابيب من خلال مشروع عُرف باسم مشروع ( نابوكو) الذي حرك الحرب في سوريا ، حيث ظهر خلاف سياسي قانوني مستعص على الحل بين الدول المطلة على بحر قزوين افشل مشروع نابوكو لمد خط أنابيب عبر بحر قزوين وبالتالي اختفى المصدر الأساسي للغاز لمشروع نابوكو.

في تلك الأثناء ، بدأت قطر تسييل الغاز للسوق الأوروبية لمنافسة الغاز الروسي و لكن عن طريق النقل البحري ، وبتوقيع اتفاقية فى 6 يوليو 2006 أضحت شركة  توتال  الفرنسية تقوم  سنويا بتزويد السوق الأوروبية ب2.5 مليون طن متر مكعب من الغاز المسال  المنتج من مشروع قطر غاز2 الذي  يعد المشروع الأكبر عالمياً لإنتاج الغاز الطبيعي المسال،  و في 29 مارس 2007 وصلت أول ناقلة غاز مسال قطرية؛ وهي «أم الباب»، والتي كانت تحمل 145 الف طن متري من الغاز المسال، مدشنة بذلك انطلاقة العمل بمعاهدة تصدير الغاز القطري الى شركة ديستريغاز بنحو مليوني طن سنويا لمدة عشرين عاما. و كان هذا المشروع سيجعل من قطر أحد أهم مصادر الغاز المسال الذي يصل إلى أوروبا ، لولا اكتشاف حقل NC7 في ليبيا و شراء شركة غازبروم الروسيا حقوق تسويق الغاز في نيجيريا.

ومع تيقن مخططي المشروع من استحالته، اتجه التفكير في 2008 إلى مصادر بديلة ، و في 13 يوليو 2009 أبرمت تركيا ودول في الاتحاد الأوروبي اتفاقا لإجازة مشروع خط أنابيب جديد لمشروع نابوكو الذي سيمد أوروبا بالغاز من الشرق الأوسط عبر تركيا ،وقد وقع رؤساء وزراء كل من تركيا والنمسا وبلغاريا ورومانيا والمجر على الاتفاق الذي يسمح للخط بالمرور عبر أراضيها وبتنفيذ تحالف من الشركات الخاصة خلال قمة نابوكو التي عقدت في العاصمة التركية أنقرة هدفه جمع غاز المنطقة في تركيا ليصدر لاحقا إلى أوروبا.

وخلال تلك القمة  صرح أردوغان إن قطر سوف تلعب دورا مهما في المشروع عن طريق وحدة الغاز الطبيعي المسال في تركيا، وقال أن بلاده تأمل  أن يعمل مشروع نابوكو على ترسيخ مكانتها أوروبيا من خلال العمل على أن تكون مركزا للطاقة ، و بعد ان اصبح ادوغان رئيسا لتركيا أبرم 15 اتفاقية مشتركة مع الأمير القطري تميم بن حمد ، منها اتفاق لتصدير الغاز إلى أنقرة، و كذلك شراء الشركة العامة لخطوط ونقل البترول التركية، الغاز الطبيعي المسال، من الشركة القطرية الوطنية للبترول.

وردا على قمة نابوكو سارعت  غاز بروم  الروسية بالإعلان عن توقيعها  اتفاقًاً مع نيجيريا صاحبة تاسع أكبر احتياطي من الغاز في العالم، بقيمة 2,5 مليار دولار يهدف إلى بناء مصافي غاز ضخمة ، وأنابيب نقل ومحطات توليد طاقة فيها، وذلك بهدف تصدير الغاز نحو أوروبا بواسطة خط أنابيب يمرّ عبر ليبيا وصولًا إلى أوروبا ، و هنا برز صراع من نوع آخر للتحكّم في الغاز من خلال التحكّم بمرور أنابيبه  العابرة القارّات، وهذه الأنابيب صارت بمثابة الشرايين للعديد من الدول وبخاصة لدول غرب أوروبا. لذلك قامت غاز بروم الروسية بالاستحواذ على نصف حصة شركة ايني الإيطالية في ليبيا.

وإستمرت المستجدات في عرقلة مشروع نابوكو ، حيث  اكتشفت  توتال الفرنسية  قبل سنوات حقل الغاز الطبيعي العملاق في ليبيا (NC7) في حوض غدامس، والذي يحتوي على إحتياطات تكفي لضمان حاجيات أوروبا لمدة 30 عاما ، وإتفقت مع المؤسسة الليبية  للنفط  على شراء حقوق الامتياز في الحقل بقيمة 140 مليون يورو، وتم توقيع  بروتوكول الاتفاق في أغسطس من العام 2009 من قبل رئيس توتال كريستوف دو مارجيري، والرئيس السابق للشركة الوطنية الليبية للنفط شكري غانم

وقد جاء هذا  الاتفاق  ليعيق اتفاق الشراكة بين توتال و قطر غاز الذي وقع في سنة 2006 , بعد ان اشترطت ليبيا عدم دخول شريك ثالث في الاتفاقية،  إلا أن الأمر تغير بعد اندلاع الحرب في العام 2011 ليتحول إلى عقد سرّيٍ وقّعه المجلس الانتقالي الليبي مع السلطات الفرنسية،

و قد كان مثيرا للإستغراب أن تم اغتيال كل من شكري غانم  وزير النفط الليبي و كريستوفر مارجيري  مدير شركة توتال الذين وقعا على الاتفاق الاول 2009 ،و الذي كان يتضمن شرط ليبيا الوحيد ،وهو ألا يدخل أي طرف ثالت مع الشركة الفرنسية في تلك الحقوق، فقد عثرت الشرطة النمساوية في 29/ابريل/2012 على جثة شكري مرمية في نهر الدانوب، وفي وقت سابق ذكرت وكالة الأنباء النمساوية أنه عثر على شكري غانم متوفيا في شقته إثر نوبة قلبية على ما يبدو. كما اعلن عن  مصرع كريستوفر دي مارجيري رئيس شركة توتال في روسيا في  اكتوبر 2014  بعد تحطّم طائرته، لحظة إقلاعها من مطار فنوكوفو قرب موسكو بعد اجتماع مخصص للاستثمار، و بذلك تطوى صفحة اتفاق  NC7 لتحل محله اتفاقية جديدة و بشروط جديدة وقع عليها المجلس الأنتقالي الذي كان خاضعا لأوامر النظام القطري.