الغاز المسال.. مكاسب ضخمة للتجار مع هبوط المخزون الأوروبي

بينما يثير تحول الطاقة مخاوف بشأن عرقلة تدفق رأس المال، لزيادة سعة إنتاج الغاز المسال، الذي يدل الارتفاع المستمر في أسعاره على وجود نقص كبير في الإمدادات، تبرز مسألة صعوبة الاستثمار في محطات إضافية لتصدير الغاز المسال في الولايات المتحدة.

من جانب آخر، يحقق تجّار الطاقة هوامش ربح كبيرة ومذهلة من خلال بيع الشحنات الفورية من الغاز الطبيعي المسال؛ إذ يدعم هبوط مستويات الغاز المخزّن في أوروبا إبقاء الأسعار الفورية للغاز المسال أعلى بكثير من المعايير الموسمية.

ويمكن لسفينة عادية تحمل 165 ألف متر مكعب غاز مسال أن تحقق ربحًا قدره 77 مليون دولار تقريبًا (بعد دفع تكلفة الإنتاج والشحن عبر قناة بنما)، حسبما نشر موقع “إنرجي مونيتور”.
ودفعت هذه الهوامش إنتاج الغاز المسال الأميركي إلى أرقام قياسية جديدة قرب نهاية عام 2021، ما سمح للولايات المتحدة بمنافسة قطر وأستراليا للحصول على لقب أكبر مصدر للوقود في العالم، وتتوقع إدارة معلومات الطاقة الأميركية أن هذا سيحدث بحلول نهاية عام 2022.

في المقابل، تكافح محطات تصدير الغاز المسال الإضافية المخطط لها على طول خليج الولايات المتحدة لتأمين الاستثمار، على الرغم من أزمة الغاز العالمية.

استجابة السوق
يؤدي الارتفاع القياسي في الطلب على الغاز المسال إلى تحفيز محطات التسييل التشغيلية لزيادة الإنتاج والاستفادة من أيّ قدرة إنتاجية احتياطية.
من جهة أخرى، فإن استثمار رأس المال التجاري في مصانع جديدة لا يكفي وحده لدعم تصدير الغاز المسال، إذ يتطلب ذلك ضمان الإيرادات بموجب عقد يُلزم المشتري بأخذ الشحنات أو دفع ثمنها على مدى عقد أو أكثر، ويعود ذلك إلى أن المقرضين يكرهون المخاطرة.

بدورها، لن تقدّم البنوك تمويلًا للمشروع لتغطية تكاليف البناء ما لم تَبِعْ محطات الغاز المسال مسبقًا معظم إنتاجها، (نحو 80%)، بموجب اتفاقيات بيع وشراء طويلة الأجل مع متعهدين جديرين بالائتمان.

ويعدّ التقيّد بهذا الالتزام مطلبًا كبيرًا لبعض مشتري الغاز، حتى في السوق المحمومة اليوم التي تكافح للحصول على مزيد من الإمدادات.

ويتطلب أمان الطلب مستوى يجعل عقد اتفاقيات البيع والشراء لمدة 10 أو 20 عامًا أكثر فعالية من حيث التكلفة من الشراء في السوق الفورية.

تجدر الإشارة إلى أن المشترين الملتزمين بمشتريات الغاز المسال على المدى الطويل لم ينسوا كيف أدى تفشّي وباء كوفيد-19 في عام 2020 إلى إغراق الأسواق العالمية بشحنات رخيصة فورية، ما جعلهم يحتفظون بأحجام تعاقدية باهظة الثمن، ويتحملون الخسائر.

ولذلك دفع عملاء شركة تشينيير الأميركية لتصدير الغاز المسال 708 ملايين دولار خلال المدة من أبريل/نيسان إلى يونيو/حزيران 2020 لإلغاء ما يُقدَّر بـ 67 شحنة من الغاز المسال في تلك المدة.

بالنسبة للمرافق الأوروبية العاملة في أسواق الغاز والكهرباء بالجملة المحررة التي تسعى لإزالة الكربون، فإن شراء الغاز المسال طويل الأجل يعني مراعاة عدد كبير من العوامل السياسية والاقتصاد الكلي.

الأسهم الرائجة والمقرضون
يمثّل المسار الأكثر احتمالًا لتحول الطاقة اتجاهًا صعوديًا للغاز، على الأقلّ من الناحية النظرية؛ لأن الغاز يوفر دعمًا لمصادر الطاقة المتجددة، ومن المحتمل أن يكون أنظف من الفحم (اعتمادًا على بصمة الميثان)، وهو مصدر إضافي للاستغناء عن الطاقة النووية والفحم.

علاوة على ذلك، سوف يستغرق تحويل الغاز للتدفئة المنزلية وإنتاج الأسمدة والعمليات الصناعية كثيفة الاستهلاك للطاقة الكثير من الوقت والمال، ودعمًا أكيدًا من السياسات.
جذبت هذه العوامل مستثمري البيع بالتجزئة، الذين دفعت حماستهم شركات تصدير الغاز الطبيعي المسال في الولايات المتحدة، مثل شركة إنتاج الغاز الطبيعي الأميركية تيلوريان ونيكست ديكيد، إلى الأسهم الرائجة لصغار المستثمرين.

وانتعش سعر سهم شركة تيلوريان من أدنى مستوياته في عام 2020، على أمل أن تتمكن من تحقيق قرار استثماري نهائي بشأن مشروع تصدير “دريفتوود” للغاز الطبيعي المسال الرائد في ولاية لويزيانا، النصف الأول من عام 2022.

ويرى أصحاب المصلحة في شركة تيلوريان أن بإمكان الشركة العثور على عدد كافٍ من المشترين على المدى الطويل للاستفادة من الديون.

وقد باع مشروع تصدير “دريفتوود” للغاز الطبيعي المسال مسبقًا أكثر من نصف سعته الاسمية البالغة 16.5 مليون طن سنويًا، تاركًا عجزًا بسيطًا للوصول إلى عتبة 80% التي يفرضها المقرضون.

تجدر الإشارة إلى أن البنوك لا تحب مخاطر أسعار السلع الأساسية، وتحجم عن الإقراض مقابل المشروعات المعرّضة لتلك المخاطر.

وقد باع مشروع ريو غراندي للغاز الطبيعي المسال التابع لشركة نيكست ديكيد الذي تبلغ سعته 11 مليون طن سنويًا في ولاية تكساس 2 مليون طن سنويًا فقط لشركة النفط الكبرى شل، ما تسبَّب في عجز كبير لإرضاء المقرضين.

الحالة الضبابية
يُعدّ الاحتفاظ بالغاز المسال في الولايات المتحدة خلال 10 إلى 20 عامًا استهتارًا بالطموحات المعلنة لبعض دول الاتحاد الأوروبي لتهميش الدور الانتقالي للغاز في أوروبا، وفقًا لما نشره موقع “إنرجي مونيتور”.

واكتشفت شركة نيكست ديكيد الأميركية التداعيات السلبية لهذا الأمر في أواخر عام 2020، عندما انسحبت شركة الطاقة الفرنسية إنجي شبه المملوكة للحكومة من صفقة مبدئية لشراء الغاز المسال من مشروع ريو غراندي.

وجاء ذلك بعد تدخّل مسؤولي الحكومة الفرنسية المتخوفين من غاز الميثان والبصمة المشتعلة لحقول الصخر الزيتي التي ستغذّي المشروع.

ووقّعت شركة إنجي، منذ ذلك الحين، صفقة صغيرة مع المصدر المنافس تشينيير، التي خضعت للتدقيق، في حين كانت شركة نيكست ديكيد تحاول إعادة إظهار نفسها مزوّدًا للغاز الطبيعي المسال الأكثر خضرة في العالم.

صفقات متعددة
منذ تراجع أسواق الغاز العالمية في الربع الثالث من عام 2021، وقّعت الشركات الصينية اتفاقيات بيع وشراء مقابل 8.8 مليون طن سنويًا (على مدى عقود مختلفة) مع مصدّري الغاز المسال في الولايات المتحدة وقطر وروسيا.

وهذا يعادل نحو 13% من إجمالي واردات الصين من الغاز المسال عام 2020، ومع ذلك، لا تستطيع الصين وحدها ضمان موجة جديدة من الاستثمار في البنية التحتية للغاز الطبيعي المسال الكافية لتلبية النمو في الطلب العالمي على الغاز.
إضافة لذلك، ستؤدي إزالة الكربون والكفاءة إلى انخفاض الطلب الأوروبي على الغاز بنسبة 3% إلى 495 مليار متر مكعب سنويًا خلال المدة 2020-2040، وفقًا لشركة شل النفطية الكبرى.

ويعني الانخفاض السريع في الإنتاج المحلي أن اعتماد أوروبا على الغاز المسال يمكن أن ينمو بنسبة 7% إلى 84 مليون طن سنويًا خلال المدة نفسها.

وستصبح أوروبا أكثر تعرضًا لأهواء السوق الفورية لتلبية الطلب الهامشي، ما لم يؤمَّن هذا العرض الإضافي من خلال عقود طويلة الأجل.