العوامل الجيوسياسية تحوم حول أسواق النفط

بقم-وليد خدوري:

أيام معدودة تفصلنا عن تجديد العقوبات الأمريكية على صادرات النفط الإيرانية فى 4 نوفمبر المقبل، ولكن الأسعار تتراجع. فبعد ارتفاع سعر «برنت» إلى نحو 86 دولارا فى الفترة الماضية، عاد وانخفض تدريجا إلى نحو 76 دولارا، على رغم من اقتراب موعد العقوبات واحتمال منع نحو 1.4 مليون برميل يوميا من الصادرات الإيرانية البالغة نحو 2.4 مليون برميل يوميا.
وعلى رغم من أن العقوبات الأمريكية تفرض مقاطعة شاملة للصادرات الإيرانية، يتضح أن إيران ستنجح فى اختراق هذا الحصار بطرق مختلفة. فمن جهة، عمدت إلى بدء الشحن قبل الحصار وإرسال ناقلاتها محملة بالنفط لترسو قرب الأسواق الآسيوية وتفريغها بعد العقوبات. وهناك الحسومات على الأسعار لترغيب المصافى بشرائه الآن وتخزينه، إضافة إلى الاتفاق مع الدول الأكثر استيرادا للنفط الإيرانى، أى الصين والهند، لدفع قيمة النفط المستورد بعملاتها المحلية بدلا من الدولار، وتفادى التعاملات المصرفية مع الجهاز المالى الأمريكى. وهناك تفاهمات واتفاقات مع الدول المجاورة، أى روسيا، العراق، وتركيا، وجمهوريات الاتحاد السوفيتى سابقا، التى لها فى إيران شبكات من أنابيب النفط والغاز.
وعلى رغم من هذه المحاولات لتفادى الحصار الشامل، تراجعت واردات كوريا الجنوبية من النفط الإيرانى إلى الصفر فى سبتمبر الماضى، واستطاعت سئول تعويض الإمدادات الإيرانية عبر الاستيراد من أستراليا والولايات المتحدة. واستوردت كوريا الجنوبية 148 مليون برميل من النفط عام 2017، شكلت النفوط الإيرانية 15 فى المائة منها.
وتستمر الدول الأوروبية فى استيراد النفط الإيرانى والتعاون الاقتصادى معها، للحفاظ على عضويتها فى الاتفاق النووى، على رغم من انسحاب الولايات المتحدة منه. وأخيرا وليس آخرا، يبقى احتمال اللحظة الأخيرة لتجنب واشنطن وطهران المواجهة، والولوج فى مفاوضات مطولة للحفاظ على الاتفاق النووى، مع إدخال بعض التعديلات. ويوجد احتمال أن يكرر الرئيس الأمريكى دونالد ترامب أسلوبه السياسى الذى استعمله مع كل من كوريا الشمالية و«اتفاق التجارة الحرة لأمريكا الشمالية» (نافتا) مع المكسيك وكندا، الذى يعتمد تهديد الخصم بأقسى العقوبات، ثم بدء المفاوضات.
ومن الأسئلة المطروحة، هل يشكل الحصار على الصادرات النفطية الإيرانية شحا فى الأسواق، وإلى أى مدى؟ وهل يمكن تعويض النقص فى الصادرات الإيرانية؟ وفى هذا السياق، يوجد طاقة إنتاجية إضافية تسمح للدول المصدرة تعويض تراجع النفط الإيرانى، وهذه الطاقة متوفرة عند السعودية خصوصا، إضافة إلى روسيا والولايات المتحدة (النفط الصخرى) والعراق والامارات. ولكن الوضع تفاقم فى ظل نقص إنتاج كل من ليبيا ونيجيريا وفنزويلا وكازخستان. وتظهر التجارب السابقة أن كلما تقلصت الطاقة الإنتاجية الفائضة، خصوصا عند الدول النفطية الكبرى، كلما تتخوف الأسواق من تهديد لأمن الطاقة، ما يرفع الأسعار ويؤدى إلى تقليص الطلب على النفط لاحقا، وتدهور الأسعار.
وعلى رغم من إمكان تعويض نقص النفط الإيرانى، هناك 3 عوامل تقلق الأسواق، فماذا إذا قررت إيران تنفيذ تهديداتها بإغلاق «مضيق هرمز» أمام كل الصادرات النفطية الخليجية البالغة نحو 15 مليون برميل يوميا، ما سيؤدى إلى أزمة اقتصادية عالمية خطيرة، إذ لا يمكن تعويض هذا النقص على رغم وجود بنية تحتية من أنابيب وموانئ لشحن نحو 7 ملايين برميل يوميا من النفط السعودى عبر البحر الأحمر ونحو مليونى برميل يوميا من النفط الإماراتى من بحر العرب جنوب «مضيق هرمز». ومن الممكن أن يؤدى إغلاق مضيق هرمز، على رغم ضآلة هذا الاحتمال الذى لم يحصل سابقا، إلى رد فعل عسكرى أمريكية على المنشآت النووية الإيرانية وعلى منصات لإطلاق الصواريخ الباليستية، ما سيؤدى إلى زيادة عالية فى أسعار النفط ويهدد اقتصادات الشرق الأوسط.
وستشكل أى زيادة عالية وسريعة للأسعار إلى ارتفاع فى أسعار النفوط الأمريكية، فى ظل خط أحمر أمريكى للأسعار المحلية للبنزين، فأى سعر أعلى من 3 دولارات لجالون البنزين فى الولايات المتحدة يؤدى إلى استياء شعبى نظرا إلى الاستعمال الواسع للمركبات. وهذا الأمر سيترك بصمة فى نتائج الانتخابات التشريعية بعد أسبوعين تقريبا، والتى ستقرر إلى حد بعيد مدى نفوذ ترامب، خصوصا إذا خسر الجمهوريون الأغلبية فى مجلس النواب، كما هو مرجح.
ويتوجب أيضا الأخذ فى الاعتبار التطورات والتداعيات لاغتيال الصحافى جمال خاشقجى فى القنصلية السعودية فى إسطنبول، إذ هدد ترامب بفرض بعقوبات على السعودية، التى ردت بتهديد مضاد بفرض عقوبات أيضا. وتتردد إشاعات عن إمكان فرض السعودية حظرا نفطيا مشابها لحظر عام 1973، ولكن الرياض نفت ذلك جملة وتفصيلا، إذ صرح وزير الطاقة والصناعة والثروة المعدنية السعودى خالد الفالح فى مقابلة مع وكالة «تاس» الروسية بأن «ليس لدى السعودية أى نية لتكرار المقاطعة النفطية كما حصل عام 1973، أو استعمال النفط سلاحا». وأضاف: «حكومتنا تتعامل مع هذه القضية من خلال القنوات السياسية المعنية، والسعودية دولة مسئولة، إذ استخدما لعقود عدة النفط كعامل اقتصادى مسئول عبر تحييده عن السياسة».
ويبقى سؤال آخر من دون جواب حتى الآن، ماذا ستكون ردود فعل الولايات المتحدة تجاه الدول والشركات التى ستستورد النفط الإيرانى بطريقة أو بأخرى؟ فالدول المعنية عديدة ومهمة، إذ تشمل الصين والهند وأعضاء السوق الأوروبية المشتركة التى أعلن وزراء خارجيتها على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة فى نيويورك تحديهم للعقوبات الأميركية. هل ستواجه واشنطن كل هذه الدول بفرض عقوبات عليها وعلى شركاتها؟ وماذا ستكون ردود فعل الدول والشركات التى ستلاحقها واشنطن؟ وتتمثل أهمية القرار الأوروبى بتوفير الحماية القانونية للشركات الأوروبية التى تتعاون مع إيران فى ظل القوانين الأوروبية، ما يعنى ليس فقط حق تحميل النفط الإيرانى بل أيضا الاستثمار فى الصناعة الإيرانية.
وسيؤدى الحصار الأميركى، كغيره من العقوبات التى فرضت خلال العقود الأخيرة، إلى تفاقم المشكلات التى تواجه الاقتصاد الإيرانى المنهك، والتى تتمثل فى انهيار قيمة الريال أمام الدولار وتأجيل العديد من المشاريع النفطية، ما سيؤخر تطوير الطاقة الإنتاجية النفطية.