العالم ينحاز للهيدروجين الأخضر

ربما تمثل اليقظة الحالية لدول العالم بشأن المناخ نقطة فارقة في مستقبل النفط عالميًا، خاصة مع تصاعد التوجه لبناء مستقبل نظيف.

يمكن اعتبار 2021 هو عام الانطلاقة لذلك النهج الذي لطالما وعدت الحكومات بسلوكه في الماضي، وظلت عاجزة عن تحقيق ذلك.

لكن مع بزوغ أزمة الطاقة والقفزات المتتالية في أسعار النفط والتي تلامس اليوم مستويات 82 دولارا، بالإضافة إلى الوعد الذي قطعه قادة وزعماء العالم على أنفسهم خلال مؤتمر المناخ العالمي بضرورة التخلص تدريجيًا من الفحم، وتقليص أنشطة الوقود الأحفوري، أصبح أمر تحول مسار مصادر الطاقة حتميًا.
وقد دخلت دول العالم في سباق متصاعد لتدشين استراتيجيات الحياد الكربوني، والإعلان عن استثمارات ضخمة ومتنوعة لإحلال الطاقات البديلة، وعلى رأسها المتجددة والنظيفة، ومشروعات الهيدروجين الأخضر حاليًا خير شاهد ودليل.
من جانبها، تدرك دول مجلس التعاون الخليجي أن العام 2050 سيكون موعدًا مفصليا في تاريخها الاقتصادي فالعالم في ذلك الوقت سيكون قد اتجه بشكل كبير إلى الاستغناء عن الوقود الأحفوري ليحل مكانه الهيدروجين الأخضر، لذلك دشنت في السنوات الأخيرة استثمارات ضخمة لإنتاج الوقود البديل.

وبداية من إنشاء مصانع لإنتاج الهيدروجين الأخضر وتصديره للعالم وليس انتهاء بدراسة لتأسيس مصنع للمركبات التي تعمل بالهيدروجين، تخطط وتعمل دول الخليج العربي لتصبح رائدة في الطاقة النظيفة لتكون مصدراً مهماً لإيراداتها المالية وربما تكون المصدر الرئيسي في المستقبل.

وكانت أحدث مشاريع الهيدروجين الخليجية ما أعلنت عنه شركة “أرامكو” للنفط السعودية، في 5 يناير 2022، حول أنها تبحث جدوى تصنيع مركبات تعمل بطاقة الهيدروجين بالمملكة.

وتُنتج شركة بترول أبوظبي الوطنية (أدنوك) أكثر من 300 ألف طن سنوياً من الهيدروجين بمنشآت التكرير التابعة لها، الذي يستخدم في الغالب للأغراض الصناعية، فيما تخطط حالياً لزيادة إنتاجها من الهيدروجين إلى 500 ألف طن سنوياً، حسب ما أعلنت في وقت سابق على موقعها الإلكتروني.

وكان سهيل بن محمد فرج فارس المزروعي وزير الطاقة والبنية التحتية، قد قال، في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، إن بلاده بدأت بناء أول محطة هيدروجين صديقة للبيئة بالشرق الأوسط، ويجري اختبارها حالياً، في الوقت الذي كشف فيه أن الإمارات تهدف إلى الاستحواذ على 25% من سوق وقود الهيدروجين العالمية بحلول 2030.

وخلال قمة المناخ العالمية “COP26” في جلاسكو، أعلن وزير الطاقة الإماراتي إطلاق بلاده خارطة طريق تحقيق الريادة في مجال الهيدروجين.

وبحلول 2050، سيتجاوز الطلب العالمي على الهيدروجين الأخضر 530 مليون طن سنوياً، وهذا يعادل حوالي 7% من الاستهلاك العالمي للطاقة الأولية، مما يؤدي إلى إزاحة ما يقرب من 10 مليارات برميل من النفط الخام سنوياً، أي أكثر من ثلث الإنتاج العالمي من الخام في الوقت الحالي.
طاقة صديقة للبيئة

وتشير بيانات مجموعة “لجنة انتقال الطاقة” التي تضم عدداً من شركات الطاقة في العالم، إلى الأهمية البالغة للهيدروجين الأخضر لتخفيض انبعاثات الغازات الدفيئة وفق اتفاقية باريس للمناخ، بنحو 10 مليارات طن من انبعاثات غاز ثاني أكسيد الكربون سنوياً والناتجة عن بعض القطاعات الصناعية.

ولذلك وضعت دول كثيرة خططاً للاعتماد على الهيدروجين خلال النصف الأول من القرن الحالي، حيث تعتزم الصين تسيير مليون مركبة تعمل على خلايا الوقود الهيدروجينية بحلول عام 2030.

وتخطط اليابان لاستخدام غاز الهيدروجين في صناعة الصلب وغيرها من الصناعات الثقيلة في البلاد.

كما أعدت المفوضية الأوروبية خطتها لزيادة قدرة إنتاج الهيدروجين للطاقة الكهربائية من 0.1 جيجاوات إلى 500 جيجاوات بحلول عام 2050.

ويتوقع خبراء الطاقة أن تستحوذ المركبات العاملة على خلايا الوقود الهيدروجيني على ما يصل إلى 30% من حجم وسائل النقل على مستوى العالم وذلك بحلول عام 2050.

ولا تتوقف دول الخليج عن إطلاق المشاريع المختلفة المرتبطة بإنتاج الهيدروجين واستخدامه مصدراً للطاقة.

وفقاً لتقرير صادر عن جامعة كولومبيا، في سبتمبر/أيلول الماضي، فإنه بحلول عام 2050 ، قد تحصد خطة نمو الهيدروجين لدول مجلس التعاون الخليجي المصدرة للنفط ما يصل إلى 100 مليار دولار أمريكي سنوياً.
تقلص استثمارات الوقود الأحفوري

وبالرغم من التقدم الملحوظ في استخدامات الطاقات البديلة في الكثير من التطبيقات مثل الكهرباء والنقل والصناعة، إلا أنها لا تشكل حلولا للأجل الطويل، وبالتالي فإن الطاقة الأحفورية ستبقى جزءا أساسيا من مزيج الطاقة العالمي على المدى المنظور.
وبحسب منتدى الطاقة الدولي IEF فإن استثمارات المنبع في النفط والغاز شهدت تراجعا حادا عام 2020 بنحو 30% عن 2019 لتصل إلى 309 مليارات دولار.

وبالرغم من ارتفاعها في 2021 إلى 341 مليار دولار إلا أنها ما زالت أقل بكثير مما هو مطلوب لملاقاة الطلب العالمي بحسب تقرير أخير صدر عن الـIEF وHIS Markit في ديسمبر/كانون الأول 2021.

وبحسب التقرير، فإن هذا النقص في الاستثمارات يهدد بحصول عدة أزمات طاقة خلال مرحلة التحول الطاقوية، متوقعين حدوث صدمات سعرية متكررة ناتجة عن التباين ما بين التحول البطيء في أنماط استهلاك الطاقة من جهة، ومن جهة أخرى تآكل القدرات الإنتاجية من النفط والغاز لسد الطلب جراء الاستثمارات غير الكافية.

بالتالي، يخلص التقرير إلى أن على استثمارات المنبع في النفط والغاز أن تنمو بحلول عام 2030 بنحو 50% مقارنة بمستويات هذا العام لتصل إلى نحو 525 مليار دولار وذلك لملاقاة الطلب المتوقع.

ويعني هذا أن حجم الاستثمارات المطلوبة في السنوات العشر ما بين 2021 حتى 2030 يجب أن تبلغ نحو 4.7 تريليون دولار. وهذا مقارنة بإجمالي تلك الاستثمارات في الفترة السابقة ما بين عامي 2011 و 2020 والبالغة 5.5 تريليون دولار.

وفي حال شهد الطلب على النفط بعض التراجع مستقبلا، فإن الاستثمارات ضرورية لتعويض الانخفاضات الطبيعية في إنتاج الحقول القائمة، ومن دون ضخ تلك الاستثمارات، فإن الإنتاج النفطي للدول من خارج منظمة أوبك مثلا قد ينخفض بنحو 41% عن مستوياته الحالية بحلول عام 2030 بما يعادل تراجعا بـ 20 مليون برميل يوميا.