السعودية توسّع قطاع التعدين وتفتح جبهة جديدة لتنويع الاقتصاد

تتجه السعودية نحو بناء ثقل اقتصادي في قطاع التعدين يوازي مكانتها التاريخية في النفط والغاز، مستندة إلى موارد من المعادن الاستراتيجية والحرجة، ضمن مسار يستهدف الانتقال من استخراج الخام إلى معالجته وتصنيعه وتحويله إلى منتجات ذات قيمة مضافة.
وتعزز هذا التوجه مع إعلان وزير الطاقة السعودي الأمير عبدالعزيز بن سلمان خلال كلمة المملكة أمام المؤتمر العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية في فيينا، نتائج الاستكشاف والدراسات الجيولوجية في مشروع جبل صايد بمنطقة المدينة المنورة.
وأظهرت النتائج موارد تقديرية بنحو 110 ملايين طن من الخام، تحتوي على تركيزات مرتفعة من العناصر الأرضية النادرة ومؤشرات لليورانيوم، بما يفتح الباب أمام استثمار هذه الموارد في قطاعات صناعية وتقنية، إلى جانب سلاسل القيمة المرتبطة بالطاقة النووية.
قطاع جديد في الاقتصاد السعودي
يرى المحلل المالي السعودي حسين العطاس أن أهمية الإعلان تتجاوز قيمة الاكتشاف نفسه، إذ يفتح الباب أمام بناء قطاع جديد في الاقتصاد السعودي يرتبط بالمعادن الاستراتيجية والحرجة والطاقة النووية.
ويلفت العطاس إلى أن 110 ملايين طن لا تعني وجود الكمية نفسها من اليورانيوم أو العناصر الأرضية النادرة، وإنما تمثل كمية من الخام تحتوي على تركيزات مرتفعة من العناصر الأرضية النادرة، إلى جانب مؤشرات واعدة لليورانيوم.
ويرى أنه من المبكر وضع قيمة مالية نهائية لهذه الموارد، قبل تحديد الاحتياطات القابلة للاستخراج ونسب التركيز والجدوى الاقتصادية.
عوائد من مسارات عدة
ويحدد العطاس مسارات عدة للعوائد الاقتصادية المحتملة، يبدأ أولها بالتعدين المباشر، إذ إن تحويل هذه الموارد إلى إنتاج تجاري يعني إيرادات جديدة من التعدين ورسوم وحقوق استغلال، إلى جانب فرص استثمارية للقطاع الخاص.
لكن المسار الأهم، بحسب العطاس، يتمثل في القيمة المضافة الصناعية. فإذا نجحت السعودية في الانتقال من استخراج الخام إلى المعالجة والفصل والتكرير وإنتاج أكاسيد العناصر الأرضية النادرة، فإن القيمة الاقتصادية للموارد سترتفع مقارنة بتصديرها في صورة مواد أولية.
وتكتسب العناصر الأرضية النادرة أهمية استراتيجية، لدخولها في صناعات التكنولوجيا المتقدمة والإلكترونيات والمركبات الكهربائية والطاقة المتجددة والدفاع.
ويرى العطاس أن امتلاك هذه الموارد، إلى جانب القدرة على معالجتها محلياً، من شأنه تعزيز موقع المملكة في سلاسل الإمداد العالمية للمعادن الحرجة.
أما اليورانيوم فيضيف بعداً مختلفاً، إذ يشير العطاس إلى أن المملكة لا تتحدث هنا عن مورد معدني فحسب، وإنما عن بناء سلسلة قيمة مرتبطة بالطاقة النووية، وصولاً إلى إنتاج “الكعكة الصفراء”، وفق الجدوى الاقتصادية والالتزامات الدولية.
ويضيف أن تطوير هذه السلسلة يمكن أن يدعم مستقبلاً توطين جزء من احتياجات الوقود النووي للبرنامج النووي السلمي السعودي.
اقتصاد صناعي جديد
ويقول العطاس إن السعودية بنت ثقلها العالمي في النفط والغاز، وتعمل اليوم على بناء ثقل مواز في التعدين والمعادن الحرجة.
ويضيف أنه إذا أثبتت هذه الموارد جدواها التجارية، فقد تصبح جزءاً من تحول المملكة من دولة غنية بالموارد الطبيعية إلى دولة تصنع وتعالج وتصدر منتجات ذات قيمة مضافة.
وكان وزير الطاقة السعودي أشار إلى أن العالم يشهد نمواً متسارعاً في الطلب على الطاقة، مدفوعاً بالتوسع الاقتصادي والتقني والصناعي، مما يجعل تنويع مصادر الطاقة وتعزيز موثوقيتها واستدامتها ضرورة أساسية لدعم النمو الاقتصادي وأمن الإمدادات.
ولا يتعامل العطاس مع الإعلان باعتباره مجرد “اكتشاف جديد”، وإنما بوصفه لبنة محتملة في اقتصاد صناعي جديد، ويطرح في هذا السياق أسئلة تتعلق بقيمة الـ110 ملايين طن، وحجم الموارد التي يمكن استخراجها اقتصادياً، ونسب العناصر الأرضية النادرة واليورانيوم فيها، وإمكان معالجة هذه الموارد داخل المملكة.
وتبقى الجدوى الاقتصادية لهذه الموارد مرتبطة بنتائج الدراسات اللاحقة، وما ستكشف عنه من حجم الاحتياطات القابلة للاستخراج ونسب التركيز وتكاليف الإنتاج، إلى جانب مدى قدرة المملكة على معالجة الخام وتحويله إلى منتجات ذات قيمة مضافة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
الكعكة الصفراء
وتعمل السعودية على تحويل التعدين إلى ركيزة رئيسة في تنويع اقتصادها، إذ تقدر قيمة الثروات المعدنية في المملكة بنحو 9.4 تريليون ريال، وتشمل الذهب والنحاس والعناصر الأرضية النادرة ومعادن أخرى، وفق وزارة الصناعة والثروة المعدنية.
وتستهدف الاستراتيجية الشاملة للتعدين والصناعات المعدنية رفع مساهمة القطاع في الناتج المحلي الإجمالي إلى 240 مليار ريال، في إطار مساعي المملكة إلى تطوير سلاسل القيمة المرتبطة بالمعادن وزيادة عمليات المعالجة والتصنيع محلياً، بحسب الوزارة.
ولا يعد جبل صايد موقعاً جديداً على خريطة التعدين السعودية، إذ يحتضن أحد مناجم النحاس تحت الأرض في المملكة. ووفق بيانات شركة “معادن”، تدير المنجم شركة معادن باريك للنحاس، وهي مشروع مشترك بين “معادن” و”باريك”، وبدأ الإنتاج فيه عام 2016.
وفي مسار مواز، تعمل السعودية على تطوير دورة الوقود النووي ضمن المشروع الوطني للطاقة الذرية. ووفق مدينة الملك عبدالله للطاقة الذرية والمتجددة، تشمل الخطط استكشاف خامات اليورانيوم وتقييم احتياطاتها ودراسة الجدوى الاقتصادية لمراحل التعدين والتحويل والتخصيب وتصنيع الوقود النووي.
وسبق أن أطلقت المدينة مشروعاً لتوطين دورة الوقود النووي في إنتاج اليورانيوم، يشمل نقل التقنية وتدريب الكوادر الوطنية على استكشاف خاماته، إلى جانب دراسة إنتاج أكسيد اليورانيوم، المعروف بـ”الكعكة الصفراء”، وجدواه الاقتصادية.



