السعودية تقود توازن “النفط”وتنجح الكويت في”مراقبة الإنتاج”

قال المستشار في شؤون الطاقة وتسويق النفط مدير دراسات الطاقة في منظمة أوپيك سابقا د ..فيصل مرزا ان العام 2017 كان عام عودة “أوپيك” الى سياسة إدارة السوق بعد ما فشلت كل آمال أسواق النفط خلال عامين في إيجاد بديل يعتمد عليه في تحقيق التوازن المطلوب للأسواق دون تعاون منظمة أوپيك، وهذا ما جعل العالم امام واقع ثابت، وحقيقة لا يتطرق إليها الاحتمال ترد على كل من ادعى أن منظمة أوپيك ماتت سريريا، وأنها خسرت دورها القوي كصمام أمان لتوازن أسواق النفط.

وذكر د.مرزا  أن خفض الانتاج في عام 2017 شهد لأول مرة في التاريخ انشاء دول أوپيك وخارجها لجنة مراقبة وزارية موثقة لتراقب الجدية في التزام دول أعضاء أوپيك وخارجها في اتفاقية تخفيض الإنتاج، لجنة مراقبة وزارية ترأسها الكويت بعضوية الجزائر وفنزويلا من داخل أوپيك وهناك أيضا أعضاء من خارج أوپيك روسيا أحدهم.

وأضاف: بعد عام من تنفيذ اتفاقية منتجي “أوپيك” وخارجها لتخفيض الإنتاج، شاهدنا أثر هذه الاتفاقية على توازن أسواق النفط، حتى مع الكثير من التشاؤم الذي حاول الاعلام النفطي الغربي الترويج له حول جهود منظمة أوپيك ومساعيها لتحقيق توازن أسواق النفط، بعد أن سمعنا منهم عن الكثير من القراءات الخاطئة لتخفيض الإنتاج، وافتراض تهديد المنتجين بأن الحصص التي سيتم تخفيضها من إنتاجهم».

وذكر د.مرزا انه بعد مرور قرابة العام على نجاح تنفيذ خفض الانتاج، اصبح من الواضح انه كان هناك ترويج خاطئ من الاعلام النفطي الغربي حول النفط الصخري لتقويض جهود «أوپيك» والتقليل من قدراتها في توازن أسواق النفط بعد النجاح التاريخي لاتفاقية خفض الإنتاج من أعضاء أوپيك والمنتجين خارجها بتخفيض 1.8 مليون برميل يوميا من يناير 2017، حيث يوجه الإعلام النفطي الغربي جهوده لكبح جماح أي زيادة في أسعار النفط مع ان أساسيات اسواق النفط كانت ولا زالت قوية جدا ولا تعكس انخفاض سعر خام برنت دون حاجز الـ 50 دولارا عدة مرات خلال هذا العام.

وأضاف: ركزت التوقعات السابقة على ضغط محتمل ينتج عن زيادة إنتاج النفط الصخري على الأسواق وافتراض زيادة قياسية في المخزونات الأميركية، بمجرد ارتفاع الأسعار فوق حاجز الـ 50 دولارا! ونحن بعد مرور عام كامل على نجاح خفض الإنتاج ومستويات الامتثال العالية، تأكد الجميع أن ذلك كان خطأ فادحا في تحليل وقراءة أسواق النفط، وعلى العكس تماما، كان لخفض الإنتاج الفضل في تحقيق التوازن المطلوب للأسواق وخفض المخزونات العالمية. وبيّن أن بيوت الاستشارات الغربية، والبنوك الأجنبية الكبرى والإعلام النفطي الغربي قد ركزت بشكل مفرط على اتجاه واحد فقط، وهو إمدادات النفط الصخري، وهو يمثل تقريبا 5% فقط من الإمدادات العالمية للنفط والتي هي نحو 96 مليون برميل يوميا، في حين يجب ان تركز السوق على كيفية تطور الأساسيات القوية للأسواق، حيث اظهر انكماشا واضحا لمخزونات النفط العالمية مع تداولات قوية للنفط في أسواق النفط المادية Physical Markets، ناهيك عن النمو القوي للطلب العالمي على النفط، وارتفاع الطاقة الاستيعابية لمصافي التكرير العالمية خاصة الآسيوية، والطلب القوي على المشتقات النفطية وهوامشها الربحية العالية، والتي لم تنعكس على أسعار النفط صعودا غالبية هذا العام.

شح قادموأشار د.مرزا الى أن إمدادات النفط العالمية ستواجه شحا قادما لا محالة، حيث إنه خلال السنوات القليلة المقبلة وبسبب النضوب الطبيعي لحقول النفط التقليدية، هناك نحو 95% من الحقول النفطية المنتجة عالميا قد تجاوز إنتاجها الذروة.

وفي الجهة المقابلة، فإن أسواق النفط ستواجه صعوبات في تلبية الزيادة المضطردة في الطلب العالمي على النفط في المرحلة المقبلة، بعد تأجيل العديد من مشروعات المنبع عالميا بأكثر من تريليون دولار نظرا لانخفاض الأسعار منذ منتصف العام 2014.

وأضاف: أخطأت التحليلات السابقة المتشائمة وتوقعات الأسعار والتي استبعدت إعادة التوازن للأسواق بحلول عام 2018، مروجين لرياح معاكسة هابطة في الأسعار رغم الأساسيات القوية التي تمخضت عن كثير من التشاؤم في أسعار النفط والتي تبني توجهاتها صعودا وهبوطا على البيانات الأميركية، متجاهلين النجاح التاريخي لاتفاقية أوپيك لخفض الإنتاج وبمستويات امتثال عالية، والتي ساهمت في امتصاص تخمة المخزونات النفطية، بل وحتى امتصاص مخزونات المنتجات المكررة في آسيا وأوروبا وتفريغ جميع الناقلات العائمة.

وتابع: لا أحد يستطيع أن ينكر دور منظمة أوپيك الريادي في توازن أسواق النفط، وقدرتها المعهودة على إدارة هذه الأسواق بفعالية، هذا الدور المهم بدأ بعض أصحاب الأهداف المشبوهة في محاولة تقزيمه من خلال نشر نظرة متشائمة في القصة الرتيبة التي مللنا سماعها منذ مطلع العام والترويج المزعوم لصعوبة توازن أسواق النفط، نظرا لتخمة المعروض، وقد انقضى عام 2017، فأين تلك التخمة التي روجوا لها طوال العام؟وأشار د.مرزا الى أن توازن أسواق النفط وزوال اي تخمة في المعروض والسحب المتسارع من مخزونات النفط الخام العالمية، يثبت نجاح اتفاقية “أوپيك”، والتي نجحت في تمديد الاتفاقية إلى نهاية عام 2018 مواكبة التحسن القوي في أساسيات السوق.

وأضاف: لا يخفى على احد أن نجاح جهود “أوپيك” جاء بفضل الجهود السعودية المثمرة، حيث نجح منتجو «أوپيك» وخارجها لتجديد اتفاقهم على تمديد خفض الإنتاج حتى نهاية عام 2018، وبالتالي ستمتد سياسة أوپيك لإدارة السوق لعام آخر بعدما فشلت كل آمال أسواق النفط خلال عامي 2015 و2016 في إيجاد بديل يعتمد عليه في تحقيق التوازن المطلوب للأسواق دون تعاون أوپيك، وهذا ما جعل العالم أمام واقع ثابت، وحقيقة لا يتطرق إليها الاحتمال ترد على كل من ادعى أن منظمة أوپيك قد ماتت سريريا، وأنها خسرت دورها القوي كصمام أمان لتوازن أسواق النفط.

وذكر انه عند الحديث عن دور منظمة أوپيك فإن العضو الأبرز هو المملكة العربية السعودية أكبر مصدري النفط في العالم، والتي تقود سفينة أسواق النفط عبر الممرات الآمنة للوصول إلى المرافئ المستقرة، حتى وإن كانت نسبة امتثال تخفيض الإنتاج عند بعض أعضاء «أوپيك» أو خارجها أقل من التخفيضات المتفق عليها، إلا أن المملكة عوضت عدم امتثال بعض الدول، من خلال امتثال أكثر من المطلوب من دول أخرى! وبذلك فقد تحملت السعودية العبء الأكبر في تخفيض الإنتاج بتحمل تخفيض ما نسبته أكثر من 41% من اجمالي نسبة التخفيض، على الرغم من أن نسبة إنتاجها من إجمالي إنتاج اعضاء أوپيك هو 31%، وهذا يعزز دور السعودية الأقوى في كل الظروف، والذي ينبع من سياسات الطاقة الراسخة في الأزمات والثابتة في المواقف، بإستراتيجية تهدف إلى تطبيق سياسات نفطية واضحة تضمن أمان الإمدادات والتوازن في أسواق النفط.

وتابع د.مرزا: سياسة الطاقة السعودية حراك دولة عظمى، لا تستجيب لأي مساومة سياسية ولا تلتفت لزوابع الإعلام النفطي الغربي وخبراءه الذين لم ينجحوا في قراءة صحيحة لتوازن أسواق النفط ولا للاستقرار الأسعار بعد تطبيق اتفاقية خفض الإنتاج منذ مطلع هذا العام، وهذا الاستقرار انعكس ايجابا على اسعار النفط، فنرى متوسط خام برنت والذي هبط في العام 2016 إلى 43 دولارا (أقل متوسط منذ العام 2004)، اغلق هذا العام عند متوسط نحو 53 دولارا.

القيادة الرشيدة بالسعودية

وبيّن ان سياسات الطاقة في المملكة ممتدة من حكمة قيادتنا الرشيدة التي تذهب بمراميها بعيدا وذلك عبر استراتيجيات راسخة، لأن المملكة لها اليد الطولى في إعادة التوازن لأسواق النفط، كل ما عصفت بها ريح المصالح الضيقة، والتسيس الأرعن من البعض، وذلك عبر وسائل متباينة في نوعها متحدة في قصدها، فتارة بتقديم التضحيات، وأخرى بالضغط المباشر بكل مالها من ثقل إقليمي ودولي، لإعادة قطار أسواق النفط لمساراته الآمنة، ليصل الإمداد إلى كل محطة مقصودة بتوازن يضمن الاستقرار، ويحقق أهداف دول الانتاج والتصدير، دون الإضرار بشركاء الاستيراد والتصنيع.

وبين ان كل من يتابع حراك أسواق النفط يدرك حجم الجهد المطلوب لضمان استقرارها، فأسواق النفط من بين أكثر البيئات حساسية، فهي تتأثر بجميع المتغيرات في محيطها، ولقصر نظر بعض المنظرين، او لمحاولة منهم للنيل من السعودية مصدر الأمن والاستقرار لأسواق النفط، يحاول البعض قراءة استجابة المملكة لهذه المتغيرات بقراءة سلبية مغالطة وقصر نظر، وذلك لأن المتابع يدرك تماما أن القيادة السعودية خلال جميع الأزمات النفطية التي مرت، لم يخطئها النجاح في إدارة الأزمة وبطريقة تحفظ بها مصالح جميع الأطراف، ولم يكن بدعا أن أثبتت لكل العالم المعني، أن “أوپيك” موجودة ومؤثرة، ولم تمت كما روج لها البعض سابقا، لأن المملكة تنطلق من رؤية واضحة وهدف ثابت كان وما زال، هو استقرار أسواق النفط دون مصالح ضيقة أو تسييس!

دور الكويت

وتطرق د.مرزا في حديثه الى ان اختيار الكويت وبالإجماع على رئاسة لجنة مراقبة الإنتاج يعكس أهمية الكويت داخل منظمة أوپيك واحترام وتقدير دول من خارج أوپيك لدور الكويت في لعب دور مهني وأساسي وحيادي في تطبيق آلية مراقبة تنفيذ اتفاق خفض الإنتاج.

وترأست الكويت اللجنة الوزارية والمشكلة من خمس دول هي: الكويت، روسيا الاتحادية، سلطنة عمان، جمهورية الجزائر، وجمهورية فنزويلا، وتم تشكيل هذه اللجنة في بداية العام، حيث تجتمع كل شهرين برئاسة وزير النفط السابق م.عصام المرزوق الذي كان له دور كبير وبذل جهودا جبارة على مدى السنة الماضية دون كلل أو ملل، وتابع أدق التفاصيل والبيانات المرفوعة إليه من قبل اللجنة الفنية لمراقبة الإنتاج والتي تجتمع بشكل شهري لمراقبة بيانات الإنتاج لجميع الدول الأربع والعشرين المشاركة في الاتفاق.

كما عقدت اللجنة الفنية بعض الاجتماعات الاستثنائية مع العديد من الدول لحثها على رفع الالتزام بالتخفيضات المتفق عليها، ونجحت اللجنة الفنية بتوجيه من اللجنة الوزارية ورئيس منظمة الأوپيك الوزير خالد الفالح لفرض ضغوطات على الدول التي كانت غير ملتزمة في بداية الاتفاق مما أسفر بشكل ملحوظ عن ارتفاع التزام جميع الدول من دون استثناء خلال الأشهر القليلة الماضية من السنة، حيث وصل الالتزام من داخل وخارج أوپيك إلى أعلى مستوى في نوفمبر الماضي وهو 122%.

تصريحات ولي العهد أكدت دور السعودية الريادي

بين د.مرزا ان اساسيات السوق وتحركات أسعار النفط كانت تحتاج إلى دعم قوي لمعنويات السوق لكي تستطيع أن تتخطى حاجز الـ 60 دولارا والتي لم تستطع أن تتخطاه منذ شهر يوليو 2015! وجاءت تصريحات ولي العهد السعودي الامير محمد بن سلمان مع بداية شهر نوفمبر تأكيدا على هذا الدور الريادي في وقت احتاجت فيه معنويات أسواق النفط لهذا الدعم لكي تكسر حاجز الـ 60 دولارا، والذي يعتبر مفتاح توازن أسواق النفط! هذا ولم يهبط خام برنت دون 60 دولارا منذ بداية شهر نوفمبر واستمر باتجاه تصاعدي إلى أن أغلق العام عند سعر 65 دولارا مبشرا باستقرار أكبر العام المقبل.

جهود جبارة للكويت في لجنة مراقبة الإنتاج

ذكر د.فيصل مرزا ان هناك العديد من التحديات أبرزها: النفط الصخري، وتوقعات زيادة الإنتاج خلال العام القادم مع ارتفاع الأسعار، وكذلك إنتاج ليبيا ونيجيريا، والأهم ضرورة المحافظة على هذا التحالف التاريخي بين “أوپيك” ودول من خارج أوپيك بقيادة روسيا وهو تحالف لم يسبق له مثيل بتاريخ الصناعة النفطية من حيث التماسك والهدف المشترك ونتائج الالتزام غير المسبوقة، وهنا أيضا يأتي دور إضافي بتكليف لجنة مراقبة الإنتاج به وهو مراقبة تطورات أسواق النفط على جميع الأصعدة وتجاوبها مع تنفيذ اتفاق خفض الإنتاج وهو ليس الدور التقليدي للجنة مراقبة الإنتاج.

وأضاف د.مرزا: نحن على يقين بأن أسواق النفط بدأت في استعادة توازنها بشكل تدريجي وواضح بسبب الالتزام العالي لجميع الدول والجهود الجبارة للجنة مراقبة الإنتاج بقيادة الكويت خلال عام 2017 وهي السنة الأصعب لكونها السنة الأولى من تطبيق هذا الاتفاق، ولا شك في أن ترؤس المملكة العربية السعودية للجنة المراقبة خلال عام 2018 سيكمل المسيرة التي قادتها الكويت خلال عام 2017 مما يعود على أسواق النفط بالنتائج الإيجابية والاستقرار.