عربي

الرحالة الرقميون في تزايد .. 35 مليون شخص يكرسون مفهوما جديدا للعمل عن بعد

[ad_1]

من كرواتيا إلى آيسلندا مرورا بإيطاليا وأخيرا إسبانيا، منحت عديد من البلدان الأوروبية تأشيرات طويلة الأجل للأشخاص، بل العائلات التي تعرف باسم “الرحالة الرقميين” أو “البدو الرقميين”، إضافة إلى إعفاءات ضريبية كبيرة وامتيازات أخرى.
كما بدأت مدن وقرى أوروبية حملات خاصة بها كوسيلة لتعزيز اقتصادها عن طريق جذب هؤلاء الرحالة الرقميين. فمن هم هؤلاء؟ ما قصتهم؟ كم أعدادهم؟ وما تأثيرهم في الاقتصادات الوطنية؟ لماذا يجد الرحالة الرقميين في أوروبا أرضية خصبة لاستيعابهم؟ هل نحن أمام ظاهرة دولية جديدة ستترسخ ويتسع نطاقها في المقبل من الأيام، أم أننا أمام ظاهرة عابرة سترحل ويطويها النسيان بعد حين؟
يعرف قاموس أكسفورد الرحالة الرقميين بـ”أشخاص يكسبون رزقهم من العمل عبر الإنترنت في مواقع مختلفة يختارونها لأنفسهم”.
إذن هم أشخاص مستقلون عن موقع العمل، يستخدمون التكنولوجيا لأداء أعمالهم وتحقيق دخلهم، ويعملون عن بعد بدلا من الوجود الفعلي في مقر الشركة أو مكتبها، باختصار قد يعملون من المقاهي أو المنزل أو الشاطئ لأنهم غير مرتبطين بأي مكان.
لا شك أن أسلوب حياة الرحالة الرقمي أضحى ممكنا من خلال عديد من الابتكارات التكنولوجية الحديثة، والوصول السهل والرخيص للإنترنت، واتساع نطاق استخدام الهواتف الذكية، وتوافر بروتوكول نقل الصوت عبر الإنترنت، وسهولة الاتصال بالعملاء وأصحاب العمل، إضافة إلى نمو اقتصاد الوظائف المؤقتة في الأعوام الأخيرة، بسبب الأزمة الاقتصادية وعمليات الإغلاق واسعة النطاق التي رافقت جائحة كورونا، ما أدى إلى اتساع نطاق العمل عن بعد.
يؤكد لـ”الاقتصادية”، الدكتور إم.آر. هانز الخبير في علم الاقتصاد الاجتماعي أن المصطلح ظهر وتبلور قبل جائحة كورونا، لكن الوباء أسهم في انتشاره واتساع نطاق استخدامه في وسائل الإعلام.
ويقول “تمت صياغة مصطلح البدو الرقميين عام 1997 في كتاب بعنوان البدو الرقميين، شارك في كتابته كل من ديفيد مانيرز وتسيجو ماكيموتو، وفي الكتاب تنبأ باختراع جهاز اتصال فردي قوي للغاية من شأنه أن يسمح للموظفين بالعمل من أي مكان، مع التمتع بحرية اختيار مكان العيش والعمل، وهذا جزء من فائدة كونك رحالة رقميا”.
ويضيف “البعض يعتقد أن هؤلاء الرحالة الرقميين مجموعة من الشباب صغار السن أو مجموعة من الهيبيز بسراويل جينز ممزقة أقرب ما يكونوا إلى هاكرز أو قراصنة كمبيوتر، لكن الأمر ليس بهذا الشكل، فالرحالة الرقميين أحيانا عائلات تعمل وتدرس خلال تنقلها من بلد إلى آخر أو من مكان إلى آخر داخل البلد نفسه، وليس بالضرورة أن يكونوا من الشباب فقط، وإنما أيضا من متوسطي العمر، وقد أشارت واحدة من الدراسات الاستقصائية عن تلك الظاهرة إلى أن متوسط العمر لدى الرحالة الرقميين 35 عاما”.
ويشير إلى أن الظاهرة في تنام كبير وسريع، خاصة في الأعوام الأربعة الماضية، حيث يقدر عدد الرحالة الرقميين في العالم هذا العام بـ35 مليون شخص. أغلب هؤلاء في الولايات المتحدة، الذين قفز عددهم من سبعة ملايين شخص في عام 2019 إلى 10.5 مليون عام 2020، وفي عام 2023 بلغ 15.5 مليون.
كانت المراهنات خلال فترة وباء كورونا أن ظاهرة البدو الرقميين لن تصمد مع انتهاء الوباء، لكن العكس بات صحيحا الآن، وبينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 45 في المائة من الرحالة الرقميين في العالم، فإنهم في تزايد في أوروبا منذ نهاية جائحة كورونا، وإعادة فتح الحدود مرة أخرى بين بلدان القارة.
ووفقا لمؤشر “الرحالة الرقميين” الذي جمعته شركة الاتصالات سيركل لووب، التي تصنف الوجهات التي يفضلها الرحالة الرقمي بناء على تكاليف الإيجار وسرعة وتكلفة الاتصال بالإنترنت وعوامل أخرى، فإن من بين أفضل عشر دول للرحالة الرقميين عبر العالم توجد ثمان منها في القارة الأوروبية.
أستاذ اقتصادات العمل في جامعة لندن آدم أرشي يشير إلى أن سياسات العمل المرنة الناجمة عن وباء كورونا عززت ظاهرة الرحالة الرقميين، لكنها في أوروبا على الرغم من نموها السريع تواجه عقبات مثل كيفية محاسبة هؤلاء الرحل ضريبيا في ظل اختلاف النظم الضريبية بين البلدان الأوروبية.
ويقول لـ”الاقتصادية”، إن “قواعد الهجرة في أوروبا معادية لغير الأوروبيين، لكن الحكومات الأوروبية متلهفة لجذب هؤلاء الرحالة، فهم عمالة ماهرة وكثير منهم يتجاوز متوسط دخله 3500 يورو شهريا، وبعض الدول الأوروبية مثل إسبانيا قامت بتخفيض الضرائب عليهم من 24 في المائة إلى 15 في المائة، وتماما مثلما تتنافس الشركات على المواهب تتنافس الحكومات على هؤلاء الأشخاص، ما يدفع الأوروبيين إلى تخفيف القواعد المنظمة لعمل الرحالة الرقميين، وباتت هناك تأشيرات طويلة الأجل للأشخاص الذين ليس لديهم جوازات سفر أوروبية إذا أثبتوا أنهم يعملون عبر الإنترنت، بحيث يمكن القول أن أوروبا تقود الطريق العالمي في هذا المجال من خلال منح أكبر عدد من التأشيرات للبدو الرقميين، وفي الغالب لمواطني الولايات المتحدة والبريطانيين والكنديين”.
ويضيف “الرحالة الرقميون أشخاص ميسوري الحال يمكنهم تحمل تكاليف المعيشة، ومن غير المرجح أن يكونوا منافسين لقوة العمل المحلية، وينفقون الأموال التي تدعم الاقتصادات المحلية، وبعض الدراسات أشارت إلى أن الحد الأدنى لإنفاق الرحالة الرقميين 2100 دولار شهريا”.
وفقا لدراسة نشرت على موقع Global Nomad Gide، فإن الرحالة الرقمي يضيف للاقتصاد المحلي دخلا يوازي 10 أضعاف مساهمة السائح العادي، كما أنه يعزز مكانة أوروبا كمنطقة ذات تفكير متقدم تعمل على إيجاد فرص العمل الحديثة.
يبدو مفهوم وتجربة السفر للرحالة الرقميين جذابة خاصة لفئة الشباب، إضافة إلى أن الرحالة الرقمي في الأغلب ما يعمل في صناعات اقتصاد المعرفة مثل التسويق والتصميم وتكنولوجيا المعلومات والكتابة والاستشارات.
بدورها، تقول لـ”الاقتصادية”، الدكتورة فكتوريا ماكس أستاذة علم الاجتماع في جامعة ليدز: إن “جزءا من فكرة الرحالة الرقمي تقوم على الاستفادة من فروقات سعر الصرف، إذ يمكنك أن تتلقى مدفوعاتك المالية باليورو أو الدولار أو الاسترليني من عملائك في أوروبا أو الولايات المتحدة، وفي الوقت ذاته تقيم في نيودلهي أو تايلاند أو بيرو حيث التكلفة المعيشية أرخص، كما أن أغلب المنتمين لتلك الفئة يعيشون الحد الأدنى من الامتلاك المادي، ويسعون لاستكشاف ثقافات جديدة من خلال وضع جذور مؤقته وسطحية في مواقع مختلفة حول العالم، ولكن في كثير من الأحيان ينتهي المطاف بعديد من البدو الرقميين إلى الانتقال لمرحلة الاستقرار والعمل بدوام كامل في مكان ما، مستفيدا من الخبرات المتراكمة لديه”.
وتضيف “لا شك أن وباء كورونا منح فكرة الرحالة الرقمي كثيرا من المشروعية، لكن يجب التعامل مع تلك الظاهرة باعتبارها جزءا من سلسلة من الأفكار الجديدة المرتبطة بالعملات المشفرة والرقمنة والاقتصاد الافتراضي وجميعها تسعى للارتباط بعالم معرفي جديد ومغاير”.
وعلى الرغم من سعي عديد من البلدان الأوروبية لجذب تلك الفئة من العمالة الماهرة، نظرا لما تمثله من إضافة للاقتصاد المحلي، إلا أن بعضا من المدن والعواصم الأوروبية واجهت تحديات ومشكلات اقتصادية غير متوقعة من تدفق الرحالة الرقميين عليها، ولربما كانت البرتغال أكثر البلدان الأوروبية تضررا من تحولها إلى مركز جذب للرحالة الرقميين.
تشير جيما كوك الباحثة في الاقتصاد الأوروبي إلى الشكاوى المتصاعدة للسكان المحليين في عديد من المدن البرتغالية، والمظاهرات الصاخبة التي شارك فيها عشرات الالاف من المواطنين في أبريل الماضي معربين عن غضبهم من أزمة الإسكان التي تعود في جزء منها إلى ارتفاع الإيجارات، وقد ألقى المتظاهرون بالمسؤولية على الرحالة الرقميين وتدفقهم على المدن البرتغالية دون أن يكون هناك بنية إسكانية قادرة على استيعابهم.
وتؤكد لـ”الاقتصادية”، أن هناك فرقا بين السياحة والسياحة الزائدة، وبالنسبة لكثير من المدن الأوروبية هؤلاء الرحالة الرقميين يمثلون سياحة زائدة، فهم يقومون باستئجار وحدات عقارية فترة قصيرة ربما ثلاثة أو ستة أشهر أو عام في أفضل تقدير، وبذلك يضغطون على القطاع السكني، إذ يفضل أصحاب العقارات التأجير لهم، مقارنة بالسكان المحليين الذين يرغبون في عقود إيجار طويلة الأمد.
وتقول “كما أن كثيرا من هؤلاء البدو الرقميين متوسط الدخل لديهم أعلى من السكان المحليين، وبذلك يقومون بالاستئجار في المناطق الجيدة من المدن التي يستقرون فيها، ويدفعون بسكان تلك المناطق مثل وسط المدينة إلى الأطراف، ولأن سكان وسط المدينة من السكان الأصليين دخولهم أعلى من سكان الأطراف في الأغلب، فإنهم يقومون بإزاحة سكان الأطراف إلى مزيد من المناطق الهامشية، وبذلك تواجه البلدات والمدن التي يتدفق إليها الرحالة الرقميين أزمة إسكان، وفي الأغلب حالة من الغضب الشعبي من السكان المحليين، لكن في الوقت ذاته فإن أصحاب العقارات والمحال التجارية يرحبون بهم بشدة”.
وفي الواقع، فإن عديدا من الخبراء في المجال العقاري يشيرون إلى أن تدفق الرحالة الرقميين على مدينة من المدن يحدث تحولات ملحوظة في شكل الملكية العقارية، إذ يؤدي إلى تدفق الاستثمارات الأجنبية التي تعمل على شراء العقارات المحلية وتأجيرها إلى هؤلاء الرحالة الرقميين للاستفادة من الإيجارات القصيرة الأجل ومن القدرة المالية المرتفعة لهم مقارنة بالسكان المحليين.

[ad_2]

Source link

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى