الحرب التجارية تلقي بظلالها على أسواق النفط والأسهم

د. نعمت أبو الصوف

بقلم: د. نعمت أبو الصوف

استأنفت أسعار النفط هبوطها الأسبوع الماضي بعد أن أظهرت الصين علامات على عدم التراجع في مواجهة مزيد من الرسوم الجمركية المفروضة من قبل الولايات المتحدة. حيث خسر خام برنت نحو خمسة دولارات للبرميل في تعاملات بداية الأسبوع الماضي، لكنه عوض بعض خسائره بعد ذلك.
ليست فقط أسعار النفط التي تراجعت. بل إن الأسواق المالية تراجعت بقوة يوم الإثنين من الأسبوع الماضي. حيث انخفض مؤشر داو جونز الصناعي أكثر من 800 نقطة خلال تداولات منتصف اليوم، وتراجع بنسبة أكثر من 3 في المائة، لكنه أيضا عوض بعض خسائره بنهاية الأسبوع. ينظر إلى عمليات البيع على نطاق واسع على أنها استمرار للمعنويات السلبية التي سادت الأسبوع الماضي فور إعلان الرئيس ترمب تعريفة بنسبة 10 في المائة على الواردات الصينية بقيمة 300 مليار دولار قد تصبح سارية المفعول في الأول من أيلول (سبتمبر)، في الوقت نفسه، قفز مؤشر تقلب أسعار النفط OVX المعروف بـCboe الذي يقيس تقلب أسعار النفط، أكثر من 20 في المائة منذ الأسبوع الماضي.
إن السبب وراء عودة التشاؤم إلى الأسواق بعد انتعاش بسيط -ربما المضاربون “يراهنون على التراجع”- هو أن الصين أشارت إلى نيتها الرد على إدارة الرئيس ترمب، وليس الاستسلام. وبحسب ما ورد طلبت الحكومة الصينية من الشركات المملوكة للدولة تعليق شراء المنتجات الزراعية من الولايات المتحدة. نتيجة لذلك انخفضت العقود الآجلة لفول الصويا لتسليم شهر تشرين الثاني (نوفمبر) بنسبة 1.6 في المائة، على الرغم من انتعاشها قليلا، ما قلل الخسائر إلى 0.6 في المائة.
وفي بداية الأسبوع الماضي سمحت الصين لعملتها اليوان بأن تنخفض إلى أكثر من سبعة لكل دولار أمريكي، وهي عتبة غالبا ما يتم الإشارة إليها ليس فقط على أنها حاجز نفسي رئيس، لكن أيضا تشير إلى قرار استراتيجي نيابة عن الحكومة الصينية للسماح للعملة بأن تضعف من أجل مواجهة آثار الرسوم الجمركية التجارية. وبعبارة أخرى، فإن ضعف العملة هو أكثر من مجرد مناورة دفاعية. إنه يشير إلى أن الصين ليست مستعدة لتحمل الضربة في محاولة للتوصل إلى اتفاق. على هذا النحو، فإن احتمالات الصفقة تبدو بعيدة بشكل متزايد.
هذه هي الطريقة التي فسرت بها الأسواق المالية هذه الخطوة. لقد عاد التباطؤ والركود الاقتصادي الآن إلى الواجهة بشكل قاطع من حيث اهتمامات المتداولين. في هذا الجانب، أشار بعض المحللين إلى أن “الحرب التجارية تتصاعد الآن ومن المحتمل أن تبدأ حرب العملات أيضا”. لا يعد هذا مفيدا للاقتصاد العالمي وسيضر كلاهما بأسواق الأسهم.
من الواضح أن التباطؤ سيكون له تأثير سلبي في الطلب على النفط الخام. قد يساعد ضعف اليوان على التخفيف من تأثير التعريفة الجمركية الأمريكية لكنه قد يحد من القوة الشرائية للمستهلك الصيني. على هذا النحو، يمكن أن ينال الاقتصاد الصيني ضربة.
تعد الولايات المتحدة والصين أكبر دولتين مستهلكتين للنفط في العالم، وهما يمثلان ما يقرب من ثلث الطلب العالمي على النفط ونصف نمو الطلب المتوقع هذا العام. على هذا النحو، فإن التباطؤ الاقتصادي الناجم عن التعريفات الجمركية الجديدة من غير المرجح أن يترك الطلب على النفط دون ضرر.
في هذا الصدد، أشار عديد من المحللين إلى أنه على الرغم من أن وكالة الطاقة الدولية أبقت أخيرا على توقعاتها لنمو الطلب العالمي على النفط عند نحو 1.2 مليون برميل يوميا، إلا أن هذا الرقم الذي تم تخفيضه بالفعل من التقديرات السابقة يعد متفائلا إلى حد ما ويتوقف بصورة كبيرة على ما ستؤول إليه التطورات بشأن الحرب التجارية. ونتيجة لذلك، يبدو من المحتمل أن تضطر الوكالة الآن إلى خفض تقديرات الطلب لعام 2019. بناء على مدى انخفاض التوقعات بشكل حاد، هناك خطر حدوث زيادة في العرض في الربع الأخير من هذا العام، وهذه الزيادة ستكون أكبر في العام المقبل. في هذه الحالة ستواجه “أوبك” وحلفاؤها معضلة سواء أبقت على تخفيضاتها الحالية وخاطرت بحدوث انهيار في الأسعار أو تحمل عبء ثقيل من خلال خفض الإنتاج بشكل أكبر.
من ناحية الإمدادات، هناك قدر كبير من عدم اليقين في هذه المرحلة وهو ما إذا كان النفط الصخري سيرتفع إلى مستوى توقعات النمو في الإنتاج التي توقعها الجميع. إن انهيار أسهم شركات الطاقة الأسبوع الماضي دليل واضح على أن هذا القطاع قد تراجع بلا شك لمصلحة “وول ستريت”. بالفعل نشهد تخفيضات الوظائف وتراجع الإنفاق في كل مكان، ونمو الإنتاج قد خف بالفعل.
في الوقت الذي بدأت فيه شركات النفط الكبرى بالانتعاش، بدأت باقي شركات النفط الصخري في الولايات المتحدة تغادر هذا القطاع، لذلك ليس من المؤكد أن يتباطأ نمو الإنتاج في الولايات المتحدة. لكن مع تراجع عمليات الحفر في تشكيلات النفط الصخري تزايد قلق المستثمرين الذين يطالبون بمزيد من الحذر. إن الحرب التجارية المتصاعدة -وبالتالي انخفاض أسعار النفط- لن تؤدي إلا إلى زيادة الضغط على عمليات الحفر في هذا القطاع