البترول في الدولة العباسية

كتب:م.أحمد العربيد

منذ ثلاثين عاما والكويت تبحث عن مصدر دخل آخر يعضد مصدرها الوحيد -النفط- وقد باءت كل الجهود حتى الآن بالفشل، ولم يتحقق من هذه الجهود أي نتائج تدعو للطمأنينة بقرب الوصول الى مصدر آخر، ولم تفصح السلطة التنفيذية عن موعد تحقيق هذا الهدف. هذا الأمر اصبح مرعبا للجيل القادم، لأن هدفا كهذا سوف يتطلب بالتأكيد زمنا من السنوات لتنفيذه، وهذه السنوات قد تتلاشى فيها عزيمة الدولة ويغدو المستقبل مظلما اكثر.
في التاريخ لنا موعظة وعبرة، فقد اثبتت الحضارة الاسلامية، عندما أخذت بأمر الله وركزت على العلم والعمل، قدرتها على سبر اغوار الكون في السماء وفي الارض وما خلق الله فيها من مكامن احتفظت للانسان بثروات تديم له خلافة الارض الى يوم القيامة، ما دام يستجيب لأمر الله بحسن استغلال هذه الثروات وحسن عمارة الارض.
احدى هذه العبر في التاريخ عندما قرر الخليفة العباسي المنصور نقل عاصمة الاسلام في عام 762 من دمشق الى بغداد وأحالها في غضون بضعة عقود إلى عاصمة يفوق عدد سكانها مليون نسمة، بينما كانت اكثر مدن بلاد الصين لا يزيد سكانها عن عشرة آلاف نسمة. كانت حقبة الخلافة العباسية بمثابة العصر الذهبي في تاريخ الاسلام، فقد اهتم خلفاء الدولة العباسية بالعلم وعمارة الارض، حتى جعلوا من بغداد إحدى أجمل مدن العالم ومنارة للسلام، وقد كان يعيش في بغداد بشرا من كل اقطار العالم.
ما شدني أثناء البحث عن معلومات موثقة لكتابة هذا المقال هو أن بغداد كانت هي المدينة الوحيدة في العالم في ذاك الزمن، اي في القرن السابع الميلادي، مدينة مضاءة ليلا. فقد كانت شوارعها ومنازلها ومساجدها ودور العبادة فيها ومرافقها مضاءة، وسبب ذلك هو ان الخليفتين هارون الرشيد والمأمون كانا يجمعان العلماء من كل الاقوام ويأمرانهم بإجراء البحوث والتجارب على مادة النفط التي كانت تتسرب من شقوق في الطبقات الارضية ومن المكامن النفطية العميقة الى سطح الارض في منطقة ما حول بغداد وصحاريها، وكان الخلفاء يغدقون على العلماء الذين يحققون انجازا، حتى اصبحت بغداد مدينة يظهر نورها عن بعد في الصحراء ليرشد القادمين لها حتى لا يتيهوا في الظلام الدامس في الليالي التي لا يظهر فيها نور القمر.
وما دعاني ان اتعمق أكثر في هذا البحث هو أن العلماء قد توصلوا الى نجاحات كثيرة بشأن العمليات الكيمياوية المرتبطة بالنفط وتحقق انتاجا لمشتقات نفطية كثيرة، فقد تبين للعلماء في ذاك القرن ان العمليات الكيمياوية التي يمكن استخدامها هي عملية التقطير وهذه يتم استخدامها حتى عصرنا هذا، وعملية التبخير والترشيح والتبلور والتذويب والتصعيد والتكليس والتطيير، وهذه الاخيرة أيضا يتم استخدامها اليوم.
وفي حاضرنا هناك عمليات التكرير والتصفية وعمليات الخلط بين المواد والمشتقات البترولية من جانب، والغاز ومادة النافتا التي تقوم عليها صناعات البتروكيمياويات من جانب آخر.
في كتاب بعنوان الجائزة The Prize الذي يعتبر اهم كتاب يتحدث عن النفط منذ بدء الانتاج النفطي في ولاية بنسلفينيا عام 1849 حتى الآن، يقول الكاتب دانيال يرقن أن لا فضل للعالم الغربي في تطوير الصناعة النفطية في التاريخ، اذ ان هذه الصناعة قامت على تقنيتين، الحفر وهي تقنية صينية، والتكرير وهي تقنية عربية.
ويمكن ان تكون في المستقبل عمليات أخرى كالصعق الكهربائي والصعق النووي وغير ذلك.
ما من شك ان مادة النفط معين لا ينضب وثروة لصناعات عصرية تمتد مع الزمن وهي بلا ادنى شك قادرة على فتح مصدر من مصادر الدخل للكويت عبر هذه الصناعات التي لا ترتبط بأسعار النفط في حالته كطاقة اطلاقا. حتى وإن قبلنا تصديق ان النفط لن يكون مصدرا من مصادر الطاقة بعد عام 2040، فإنه سيبقى تحت الارض وسيتجه الانسان للاستفادة منه في مجال صناعات عصرية تتطلبها البشرية.

وقد بلغني مؤخرا ان العلماء في الدولة الاموية قد توصلوا لتقنية التطيير وكانوا يستخدمون مشتقاتها.. وهو ما يلزم علينا التحقق والتأكيد.