أسعار النفط تعاود الصعود

بقلم-سعود بن هاشم جليدان :

تتسم أسعار النفط بالتقلب الشديد، حيث بلغت قمتها التاريخية في صيف 2008، قبيل الأزمة المالية العالمية، ثم هوت في نهاية 2008 بسبب الركود العظيم. بعد ذلك ارتفعت أسعار النفط تدريجيا وتجاوزت عتبة 100 دولار للبرميل في شهر آذار (مارس) 2011. في الفترة التالية، استقرت أسعار النفط فوق مستويات 80 دولارا للبرميل حتى بداية شهر تشرين الأول (أكتوبر) 2014، ثم عاودت الهبوط بسبب زيادة إنتاج النفط الصخري والنفوط غير التقليدية في أمريكا الشمالية. استمرت الأسعار منخفضة حتى تدنت إلى 27 دولارا للبرميل في شباط (فبراير) 2016. بعد ذلك بدأت أسعار النفط بالتعافي البطيء والتدريجي حتى تجاوز سعر برميل مزيج برنت 85 دولارا للبرميل في بداية تشرين الأول (أكتوبر) 2018. يتوقع عدد من الخبراء تجاوز الأسعار 90 دولارا للبرميل قبيل نهاية العام، ثم مواصلتها الارتفاع فوق مستويات 100 دولار للبرميل خلال العام المقبل. قد يختلف النفط قليلا عن باقي السلع بسبب أهميته البالغة من الناحية الاستراتيجية وحجم تبادلاته الضخمة وتأثره كثيرا بالمتغيرات السياسية، ولكنه سلعة مثل باقي السلع تتحدد أسعاره بعوامل العرض والطلب. ترتفع أسعار النفط مع زيادة النشاط الاقتصادي العالمي الذي يدفع بالطلب العالمي على النفط إلى أعلى. شهد حجم الطلب العالمي على النفط نموا ملحوظا خلال السنوات القليلة الماضية، حيث ارتفع الطلب عليه من نحو 90.7 مليون برميل يوميا في عام 2012 إلى نحو 99.8 مليون برميل يوميا في الربع الثالث 2018، وهذا يفسر إلى حد كبير ارتفاع أسعار النفط الأخير. إضافة إلى الطلب تتأثر أسعار النفط أيضا بإمداداته أو المعروض العالمي منه. وارتفع الإنتاج العالمي النفطي من 90.8 مليون برميل يوميا في عام 2012 إلى 99 مليون برميل يوميا في الربع الثاني 2018، وحدث الانخفاض الأخير في أسعار النفط عامي 2015 و2016 بسبب وفرة الإمدادات. من ناحية أخرى، تراقب الأسواق بحساسية بالغة بيانات المخزونات النفطية التي تلخص إلى حد كبير أوضاع العرض والطلب العالمي وتحدد إلى حد كبير اتجاهات الأسعار. ويرى بعض المختصين أن انخفاض مخزونات النفط الخام تحت مستويات متوسط الخمس سنوات قد دفع بأسعار النفط إلى أعلى، وهذا يشير إلى تراجع حجم الإمدادات مقارنة بالطلب. ينفي بعض المراقبين وجود عجز في الإمدادات حاليا، حيث تفيد تقارير الأسواق أن طلبات العملاء من المنتجين الكبار وعلى رأسهم “أرامكو” تتم تلبيتها بالكامل. إضافة إلى ذلك قررت الحكومة الأمريكية زيادة المعروض المحلي من خلال بيع 11 مليون برميل من الاحتياطي الاستراتيجي في شهري تشرين الأول (أكتوبر) وتشرين الثاني (نوفمبر) 2018. صحيح أن الكمية المسحوبة من المخزون الاستراتيجي ليست كبيرة ولكنها إشارة رمزية لطمأنة الأسواق بوجود تصميم لتعويض الفاقد المتوقع من النفط الإيراني. ومن المعلوم أن النفط الإيراني سيكون عرضة لعقوبات أمريكية شديدة ستخفض إمداداته. ومع أن الدول الرئيسة المستوردة للنفط الإيراني ــ وهي الصين والهند والاتحاد الأوروبي ــ تقاوم الضغوط الأمريكية لوقف استيراد النفط الإيراني إلا أن هناك مؤشرات على تجاوب جزئي حتى الآن مع هذه العقوبات، بسبب خوف الشركات العاملة في الإمدادات النفطية من العقوبات الأمريكية. تسببت الطفرة القوية في إنتاج النفط غير التقليدي في أمريكا الشمالية في وفرة إمدادات النفط قبل ثلاث سنوات، وكانت هناك آمال واسعة معلقة بقدرة النفط الصخري في العمل كمنتج مرجح وتعويض أي عجز في إمدادات النفط وكذلك توفير وفرة تكبح الأسعار لفترة طويلة. وقد نما إنتاج النفط الصخري والنفوط الأخرى غير التقليدية بقوة ما رفع إنتاج الولايات المتحدة وكندا إلى مستويات مرتفعة حتى أضحت الولايات المتحدة أكبر منتج للنفط الخام في العالم قبل عدة أشهر. استقر إنتاج النفط الأمريكي عند مستويات 11 مليون برميل يوميا للأشهر الثلاثة الماضية ولم يرتفع فوق هذه المستويات على الرغم من الزيادة الكبيرة في الأسعار. وهذا يرجح حاليا انخفاض قدرة منتجي النفط الصخري والنفوط غير التقليدية الأخرى في التجاوب السريع مع تغيرات الأسواق وسد نقص الإمدادات أو تلبية طفرات الطلب. أما بالنسبة للمخزونات من النفط الخام ومنتجاته فقد تراجعت لدى دول منظمة التعاون والتنمية من نحو 4679 مليون برميل في الربع الثالث 2016 إلى نحو 4386 مليون برميل في الربع الثاني 2018. ويبدو أن تغيرات المخزونات تتناسب عكسيا مع الأسعار خصوصا على الأمدين الطويل والمتوسط. أما في الأمد القصير فقد شهدت المخزونات التجارية الأمريكية بعض التراجع خلال الأسابيع القليلة الماضية. قد تعود الزيادات الكبيرة أخيرا في أسعار النفط إلى التأثيرات النفسية لتوقع انقطاع إمدادات النفط الإيرانية، وتأثير تراجع الإمدادات من فنزويلا والمستمر منذ عدة سنوات. عموما تميل الأسواق في الوقت الحالي إلى توقع زيادة الأسعار في الأمد القصير وتراجعها على الأمد الطويل. إن زيادة الأسعار بسرعة وقوة تحقق مكاسب كبيرة لمصدري النفط في الأمد القصير، ولكنها إذا استمرت لفترة طويلة فإنها تشجع على استخدام البدائل ما سيخفض الطلب النفطي في الأمد الطويل وانخفاض أسعاره بقوة بعد فترة من الزمن.