عالمي

أزمة أوكرانيا.. كيف كشفت تضارب سياسات الطاقة للدول الغربية؟

خاص

النفط - مضخة في ولاية كاليفورنيا

النفط – مضخة في ولاية كاليفورنيا

تساؤلات عدة أثارتها الحرب الروسية في أوكرانيا حول سياسات الطاقة للدول الصناعية الكبرى وعلى رأسها ألمانيا والولايات المتحدة، فقد كشفت أزمة أمن الطاقة التي اجتاحت العالم أن الدول الصناعية غير قادرة على الاستغناء عن مصادر الوقود الأحفوري من النفط والغاز، وأنها ستظل تعتمد عليها لفترة طويلة.

وفيما اعترف الرئيس الأميركي جو بايدن عند خروجه عن نص خطاب حالة الاتحاد الذي ألقاه أمام الكونغرس هذا الأسبوع، بأن الاقتصاد الأميركي لا يزال بحاجة إلى استخدام النفط والغاز لفترة من الوقت، بدأت دول أوروبية في إنشاء محطات كهرباء تعمل على الفحم وإحياء صناعة مناجم الفحم، كما عادت ألمانيا وفرنسا إلى الاعتماد على الطاقة النووية، بينما كان البلدان يتجهان في وقت سابق نحو التخلص منها.

ويرى خبراء طاقة دوليون أن قادة العالم يتجاهلون الحقائق أمام أنفسهم وأمام شعوبهم عندما يدعون أن الطاقة النظيفة كفيلة بسد حاجة العالم من الطاقة دون استخدام الوقود الأحفوري، مشيرين إلى أن ملف التغير المناخي يتم توظيفه سياسياً من قبل الدول الغربية ليخدم مصالحها والضغط من خلاله على قوى منافسة.

من جانبه، قال روبن ميلز، الرئيس التنفيذي لشركة Qamar Energy، في تصريحات لـ”اقتصاد سكاي نيوز عربية”، إن تصريحات بايدن “تعكس اتجاها عاما مؤخرا يدرك أن الانتقال من النفط والغاز لن يكون سريعا وسهلا”، وهو ما ظهر أيضا في التغيرات التي طرأت على استراتيجية شركة “بي بي” مؤخرا والتي أظهرت توجه الشركة نحو استمرار الاستثمار في النفط والغاز بعد أن كانت تستهدف خفض هذه الاستثمارات استجابة لدعوات خفض الانبعاثات.

وأضاف، أن ما تناوله الرئيس الأميركي في خطاب حالة الاتحاد “يعيد التأكيد على أمن الطاقة”، لكنه يسهم في إطلاق رسائل متناقضة ومربكة للمستثمرين.

وفي سياق متصل، شدد الخبراء في تصريحات خاصة لموقع “اقتصاد سكاي نيوز عربية” على المشاريع الكبيرة للتحول نحو الطاقة النظيفة التي تطلقها الدول المنتجة للنفط في منطقة الخليج وعلى رأسها دولة الإمارات العربية المتحدة، وتوجهها لإحلال الطاقة الشمسية والطاقة النووية محل النفط والغاز في توليد الكهرباء وتشغيل محطات تحلية مياه البحر، مؤكدين أن جميع المشاريع الحديثة في هذه الدول وحتى في إنتاج النفط والغاز والتكرير قائمة على احتباس الكربون وتخزينه على الرغم من التكاليف المرتفعة.

الطاقة المتجددة متقطعة والتكنولوجيا غير قادرة على تخزينها

الدكتور ممدوح سلامة خبير النفط العالمي المقيم في لندن، قال في حديثه لموقع “اقتصاد سكاي نيوز عربية”: “مما لا شك فيه أن قادة الدول الصناعية الغربية الكبرى يخدعون أنفسهم ويخدعون شعوبهم كذلك عندما يدعون أن الطاقة المتجددة والنظيفة أي الطاقة الشمسية وطاقة الرياح كفيلة بسد حاجة العالم من الطاقة دون استخدام الوقود الأحفوري من نفط وغاز وفحم، فالطاقة المتجددة طاقة متقطعة إذ أنه إذا كانت هناك غيوم لا يمكن توليد الكهرباء من الطاقة الشمسية وإذا كانت الرياح ساكنة فلا يمكن توليد الكهرباء من الرياح، إضافة إلى ذلك، فِإن التكنولوجيا غير قادرة حتى الآن على تخزين الطاقة الشمسة في الصيف واستخدامها في الشتاء”.

سياسات الغرب الخضراء غير واقعية

حتى إن الرئيس الأميركي جو بايدن، الذي ما فتئ يتحدث عن التحول إلى الطاقة النظيفة منذ انتخابه رئيساً، اضطر في رسالته إلى الشعب الأميركي للاعتراف بأن العالم يحتاج إلى الاستمرار في استخدام النفط والغاز لأكثر من عقد وربما أبعد من ذلك، بحسب الدكتور سلامة الذي أكد أن السياسات الخضراء التي ينادي بها الغرب خاطئة وغير واقعية هدفها الظاهري منع الارتفاع الحراري ومكافحة التغير المناخي، ولكن هدفها بعيد المدى هو إبقاء مخزون العالم العربي وإفريقيا من النفط والغاز تحت الأرض حتى يستخدمونه في المستقبل لدعم اقتصاد الغرب.

وأضاف خبير النفط العالمي الدكتور سلامة: “عندما تُقدم دول الخليج وعلى رأسها دولة الإمارات على مشاريع كبيرة للتحول نحو الطاقة النظيفة فإنها تفعل ذلك طبقاً لخططها لتنويع مصادر دخل اقتصادها من حيث إحلال الطاقة الشمسية والطاقة النووية محل النفط والغاز في توليد الكهرباء وتشغيل محطات تحلية مياه البحر، مما يمكنها من استخدام الغاز والنفط الفائضين في توسيع طاقة صناعتها البتروكيميائية وزيادة صادراتها من النفط والغاز لتلبية احتياج الطلب العالمي”.

الاتحاد الأوروبي يتجاهل اتفاق باريس للمناخ

من جهته، قال عامر الشوبكي مستشار الطاقة الدولية لموقع “اقتصاد سكاي نيوز عربية: “التغير المناخي واقع لا نستطيع إنكاره، وشدة اعتماد العالم على الوقود الأحفوري واقع لا يمكن تجاهله، لكن الواضح أن ملف التغير المناخي يتم توظيفه في بعض الأحيان سياسياً من قبل بعض الدول الغربية ليخدم مصالحها في النهاية والضغط من خلاله على قوى منافسة”.

ويشرح الشوبكي في حديثه لموقع “اقتصاد سكاي نيوز عربية: “إن ما حصل بعد جائحة كورونا وخاصة الحرب الروسية الأوكرانية أثبت للعالم أنه لا يزال بحاجة للوقود الأحفوري لفترة طويلة لكون الطاقة المتجددة سواء الشمسية أو طاقة الرياح لا تزال غير معتمدة وتكلفة تخزينها مرتفعة فضلاً عن أنها طاقة متذبذبة وهذا كان جزءا من أزمة الطاقة قبل الحرب، عمقتها هذه الحرب وأظهرت الكثير من جوانب هذه الأزمة، وبدأت بعدها وكالة الطاقة الدولية ومن ثم الاتحاد الأوروبي في اعتماد الغاز والطاقة النووية كطاقة نظيفة وهذا أمر مناف لمبادئ اتفاق باريس للمناخ الذي أحياه الرئيس الأميركي بايدن عندما رفع الشعار الأخضر لمحاربة الوقود الأحفوري بكافة أشكاله”.

وما زاد الأمر سوءاً تأجيل إغلاق 342 محطة كهرباء تعمل على الفحم في القارة الأوروبية كان من المزمع البدء في إغلاقها منذ العام الحالي، بل على العكس من ذلك، تم البدء في إنشاء محطات جديدة تعمل على الفحم وإحياء صناعة مناجم الفحم أيضاً، وهي مشاريع قاربت على الانتهاء في بعض الدول الأوروبية مثل ألمانيا وبولندا، حيث يعد الفحم أكثر أنواع الوقود الأحفوري تصديراً للانبعاثات الكربونية، وهذا يدل على أن هناك مفارقات وسياسة المصالح التي تعتمد عليها القرارات الغربية، الأمر الذي يجب أن يكون دليلاً للدول المنتجة للنفط بأن لا ينجروا وراء السياسات الغربية التي تكون دائماً مسيسة وتكيل بمكيالين ولا تراعي إلا مصالحها بصرف النظر عن مصالح الدول الأخرى، طبقاً للشوبكي.

ماذا فعلت الدول المنتجة للنفط وعلى رأسها الإمارات؟

يؤكد مستشار الطاقة الدولي الشوبكي أن “الدول المنتجة للنفط وخصوصاً الإمارات لديها مشاريع ضخمة للتحول نحو الطاقة النظيفة، وإن مشاريعها قائمة على احتباس الكربون وتخزينه على الرغم من التكاليف المرتفعة، وحتى في إنتاج النفط والغاز والتكرير، كل المشاريع الحديثة الآن تقوم على مبدأ تخزين الكربون واحتباسه وكذلك استغلاله في مرحلة ما فيما يعرف بالاقتصاد الدائري للكربون، فضلاً عن البدء في مشاريع كبرى للطاقة المتجددة لتوليد الكهرباء في الإمارات وجميع دول الخليج، وهم بذلك سبقوا العديد من الخطط التي كنا نسمعها في الغرب عن الوصول إلى الحياد الكربوني في سنوات قريبة”.

وختم الشوبكي بأن “تصريح الرئيس بايدن حول الحاجة إلى استخدام النفط والغاز لفترة من الوقت يعد دليلاً واضحاً على أن العالم بالفعل سيبقى يعتمد على الوقود الأحفوري كأهم مصادر الطاقة ليس فقط لعقد أو عدة سنوات كما ذكر (بايدن)، بل لعدة عقود مقبلة، وهذا الأمر بحاجة إلى تغيير السياسة التي انتهجها الغرب ووكالة الطاقة الدولية بحث البنوك على عدم تمويل مشاريع الوقود الأحفوري والتي أدت إلى ضعف الاستثمارات وعدم الثقة في مشاريع استثمارية كانت ستخفض أسعار الطاقة وتنقذ العالم من أزمته الاقتصادية ومعدلات التضخم الحالية وما ينتج عنها من مشكلات اجتماعية وسياسية واضطرابات شهدناها في الدول الأوروبية على وجه الخصوص”.


Source link

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى